الرئيسية / مقالات / الزوجة الثانية.. الثالثة.. الرابعة (3)

الزوجة الثانية.. الثالثة.. الرابعة (3)

تعدد الزوجات3

ختمتُ مقال الأسبوع الفائت بسؤالين، هما:

“هل نجد روحًا تملُّكية في العلاقة الزوجية، وخصوصًا من جهة الزوجة؟

هل تشعر بأنَّ زوجها (ملكها)، أو (ملك) خاص لها؟”

ثُمَّ قلتُ:

“فلنفكر بهدوء وبموضوعية وصدق حتَّى نلتقي مجدَّدًا في الأسبوع القادم إن شاء الله تعالى”.

ها هو الأسبوع الثالث مع هذه السلسلة التي أطلب من خلالها أمرًا أراه غايةً في الأهمية؛ لاحتمالي أنَّه من أقوى عوامل التخلَّف الذي تعيشه الأمَّة الإسلامية، إلَّا أن تُعلِن وبكلِّ وضوح انفصالها التام عن الإسلام، أو أن تعمل على صياغة إسلام جديد ينسجم مع النظام الثقافي العالمي، وفي كلا الحالتين فإنَّها تحتاج إلى وقتٍ موضوعي لإحداث التغيير الصحيح نحو حياة جديدة لا تكون فيها متقمصة كما هي اليوم، بل تكون والغرب الرأسمالي سواسية عل المستوى الثقافي، وهذا بالفعل يحتاج إلى وقتٍ موضوعي.

إنَّ العامل الذي أقصده، هو ما أسميه بالغُرابية، من قصَّة الغُراب الذي أراد تقليد مِشية الحمامة، فنسي مِشيتَه ولم يُتقن مِشية الحمامة، فأمسى يتنطَّط لا هو إلى نفسه ولا هو إلى ذاك!

دعوني أبين مسألة أؤمن بها، وهي مقام الجواب على سؤال: لماذا يجوز التعدُّد للرجل دون المرأة، ومن خلالها تتضح الغُرابية.

لا إشكال في الاختلاف النفسي بين الرجل والمرأة، حتَّى إنَّ من أقسام علم النفس علم نفس المرأة، وفيه يبحث العلماء الفوارق البارزة بين الرجل والمرأة، ومنها أنَّ الرجل يثبتُ نفسه بما يُنتِّج، أمَّا المرأة فتُثبت نفسها من خلال الرجل، سواء أنتَّجت كما ينتِّج الرجل أو أنَّ انتَّاجها كان عبارة عن عاطفتها تجاه الرجل، ومنها الرؤية الإجمالية عندَّ الرجل، والتفصيلية عندَّ المرأة، ومنها أنَّ عقلية الرجل عقلية حلٍّ وتركيب، بينما عقلية المرأة عقلية عمل وتنفيذ، وما إلى ذلك من فوارق تُبحث في علم نفس المرأة وفي علم النفس الأسري والزواجي.

من مجموع الفوارق الطبيعية ينتهي الباحثون إلى أنَّ المرأة تمتلك قدرةً مُمَيَّزة على التأقلم وتحمُّل التراجع في مستويات الاستقرار النفسي، فهي قادرة على التغاضي عن نواقص زوجها بشكل خاص، وحياتها الأسرية والأكبر منها بشكل عام، بينما لا يمتلك الرجل القدرة الكافية على العيش مع حالات التراجع في الاستقرار النفسي، ولذا هو في بحث مستمر عن وجود أنثوي يوفر له ما يبحث عنه، إلَّا أن تكون الزوجة الأولى على قدر من الحكمة بحيث تتمكَّن من تعويض نقائصها بحكمة ورجحان عقل فتفرض واقعًا مستقرًّا على الرجل، وهذا في الواقع نادر وعزيز الوجود.

يقول الباحثون في علم النفس الخاص، أنَّ تعرُّض الرجل لظروف المعاش يختلف في طبيعته وواقعه على تعرُّض المرأة لها، وهذا أمر طبيعي يأتي ملائمًا لذكورية الرجل وأنثوية المرأة، ولكنَّ المعادلة اختلَّت عندَّما خرجت المرأة للعمل إلى جانب الرجل؛ فقد باتت تتعرَّض لنفس طبيعة الظروف التي يتعرَّض هو لها، فأصبح بحثها عن الاستقرار النفسي مواكبًا لبحث الرجل عنه، وقد يكون هذا من الأمور التي ينبغي دراستها موضوعيًّا والنظر في كونها من عوامل ارتفاع نسبة الخيانات الزوجية من جهة المرأة.

بدأت هذه الحالة في الغرب بشكل واضح، وخصوصًا بعد إقرار فصل العقيدة بمعناها العام عن الدولة إقرار ثقافيًّا وفكريًّا وعمليًّا.

ولكنَّ عمل المرأة وخروجها إلى جنب الرجل عليه مجموعة تحفُّظات في الرؤية الإسلامية.

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: “إنَّ فاطمة (عليها السلام) ضمنت لعليٍّ (عليه السلام) عمل البيت والعجين والخبز وقمّ البيت، وضمن لها عليٌّ (عليه السلام) ما كان خلف الباب: من نقل الحطب وأن يجيء بالطعام..”.

في وصيَّة أمير المؤمنين لولد الحسن (عليهما السلام) قال: “ولإن استطعت أن لا تملك المرأة من أمرها ما جاوز نفسها فافعل، فإنَّه أدوم لجمالها وأرخى لبالها وأحسن لحالها، فإنَّ المرأة ريحانةٌ لا قهرمانة”.

  • القهرمانة هو من أنيط به بعض المهام الإدارية والمالية.

وفي خطبة أشراط الساعة، قال الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله): “وتتأمَّر النِساءُ، وتُشاورُ الإماء”، وقال: “وتشارك المرأةُ زوجَها في التجارة”.

يبدو لي واضحًا أنَّ النتائج العلمية منسجمة بشكل كبير مع ما أفاده الإسلام في رؤيته لمواقع كل من الرجل والمرأة، ولكنَّ الإسلام باتِّزانه المطلق لا يقبل بعالم لا يفهم غير المادَّة والمال كما هو عالم اليوم، ولذلك فهو غير نافع للتطبيق، وبالتالي فإنَّ المرأة على وجه الخصوص إمَّا أن تتعامل مع الحياة في حدود الأطر الإسلامية الواضحة، أو أن تُعلِنَ بوضوح انفصالها عن الإسلام، أو أن تصنع لها إسلامًا جديدًا بحسب مقاسات اليوم، وفي هذه الحالة الثالثة لن تتخلَّص من الغُرابية.

أرجو من القارئ العزيز حفظ تفصيل (الغُرابية) حتَّى نرجع إلى نتيجته في مقالات قادمة إن شاء الله تعالى.

الآن..

لماذا ترفض الزوجة زاوجَ زوجها من أخرى؟

عندَّما يُطرح هذا السؤال على المرأة، فإنَّها تجيب: ولماذا يتزوَّج بثانية؟

يُقال لها: سؤالنا عن أسباب رفضكِ لا عن أسباب إقدامه على الزواج.

تُجيب: لا أتمكَّن من تصوره مع امرأة أخرى.. هذا أمر مُتعِبٌ جدًّا.

بعض النساء أجبنَ بالتالي:

إن أراد الزواج فليطلقني أوَّلًا.

طرحتُ على هؤلاء سؤالًا آخر، هو:

لو طلَّقكِ وتزوج بأخرى، فهل يكون الأمر بالنسبة لك طبيعيًا؟

جاء الجواب بالنفي، بل أن بعضهن قلن بأنَّ زواجه بأخرى لو جاء بعد طلاقي منه بعشر سنوات، فإنَّ هذا لا يذهب بحرقة قلبي.

لا أريد الاستطراد، فقد يكون في تحليلي لهذه الحالة شيءٌ من المصادرة أو الإيحاء أو الإلقاء لمصلحة رأي أذهب إليه، وهذا أمر غير حسن. ولذا، فإنَّني أجيبُ على السؤالين الأولين، ثم أطرح أسئلة أخرى وأترك المجال أمام القراء الكرام للتفكير حتَّى اللقاء في الأسبوع القادم إن شاء الله تعالى.

أعتقد فعلًا بوجود روح تملُّكيَّة في العلاقة الزوجية، وخصوصًا من جهة الزوجة، وتبدأ فعليَّة هذه الحالة منذ ليلة الاتِّفاق على المهر ومصاريف الزواج والشروط، فهي تطلب مهرًا ألفَ دينار كحدٍّ أدنى، وأن تواصل دراستها، وأن يسمح لها بالعمل، وأن يُفرِدَ لها مسكنًا خاصًّا، إضافة إلى الشبكة والفستان وصالون التجميل والحفلة وما نحو ذلك.

لا حديث إلَّا عن (الدينار)!

الزوج يدفع.

وإذا ما طُرِح السؤال التالي على أهل الزوجة:

لماذا كل هذه المصاريف؟

فإنَّهم يجيبون:

وهل يريد الزواج (ببلاش)؟

وهذه مقدِّمة أيضًا، وأرجو حفظها مع تفصيل (الغُرابية).

……

يقال أنَّ المرأة تشعر بالغيرة من أي امرأة أخرى، ولا علاقة للأمر بالزواج، فهي تخشى من كون الأخرى متميزة عليها في شأن نسوي، ولكنَّ هذه الحالة لا تخرج إلى الفعلية إلَّا في ميدان العلاقة الزوجية؛ فالزوجة تنكشف للزوج وتُعرف له قدراتها الثقافية والفكرية والنفسية والجسدية والمادية، فهي (ملِكة) ما لم تطرأ امرأة أخرى يثبت تميزها عنها في بعض العناوين؛ فهي حينها لبؤةٌ تتحرَّك تحت غطاء (المحافظة على الأسرة)!

وبالتالي فإنَّ الزوجة الثانية في نظر الأولى مشروعُ فضحٍ لها وكشف عن نواقصها.

هل هذه الرؤية صحيح؟

إن كانت صحيحة، فمن أين جاءت للمرأة فكرة المقارنة أصلًا؟ إذ أنَّه من الطبيعي أن يتفاوت البشر ثقافيًّا وفكريًّا ونفسيًّا وجسديًّا وماديًا، فماذا تكون هذه الحالة الطبيعية حالة مبارزة ووجود بالنسبة للمرأة؟

هل أنَّ مقولة (الملكية) مجرَّد غطاء للمرأة تتخذه للتستر على خوفها من الدخول الفعلي في مقارنة من أخرى؟

أم أنَّ (الملكية) هي الحاكمة في لمقام، وهي المنشأ الذي يدفع المرأة للخوف من المقارنة كخوف التاجر من المقارنة بينه كمالك وبين غيره من الملَّاك؟

أجدِّد دعوتي القارئ الكريم للتفكير بهدوء وبموضوعية تحميه من الوقوع في التحليلات والأحكام على خلفيات نفسية وتعصبية

السيد محمَّد على العلوي

14 من المحرَّم الحرام 1438 هجريَّة

16 أكتوبر 2016 ميلادية

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *