الرئيسية / مقالات / السلوك الثقافي والإطار الفكري

السلوك الثقافي والإطار الفكري

السلوك الثقافي والإطار الفكري

يكتظُّ الواقعُ بمجموعةٍ هائِلةٍ من المصاديق لمفاهيم الخير والشر، ففي مساحة نجدُ أحدَ صنَّاع المال وقد أهدى خمسين مطرب سيارة من طراز مرسيدس لكل واحد منهم، وفي مساحة أخرى يطرقُ مليون دينار أبواب الفقراء بعد أن أخرجها أحدُ المؤمنين صدقةً يتقرَّبُ بها إلى الله تعالى، وهناك في بعض المساحات مستشفى قد اصطبغ بألوان المرضى في ممراته فضلًا على صالاته وغرفه، وفي لحظة يتعرَّض بمن وما فيه لقصف حربي يقلب سافله عاليه..

ولادة ووفاة.. نجاح وفشل.. حبٌّ وكره.. مودَّةٌ وبغض..

هكذا هي الحياة تتحرَّك على أمواج من الوقائع المتضادَّة (قَالَ اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ)، ومنها ينطلقُ الإنسان في صياغة شخصيته الفكرية، فالفكر هو المظهر النهائي له والذي به يُعرف فيتَّخذ مساحته الخاصَّة بين مجاميع الخلق، ألا ترى أنَّهم يعرفون فلانًا بالإيجابية، وآخر بالظلامية، وثالث بالتذبذب؟

هكذا يعلو الإنسانَ وصفٌ يُعرفُ به أو أكثر..

كنتُ أفكِّرُ في بعض ساعات يومي في العوامل التي تُشكِّلُ الإطار الفكري للإنسان.. لماذا يظهر زيدٌ كارهًا للدنيا فاقدًا للأمل منكسِرًا عن الفرحة؟

كيف عُرِفَ بَكْرُ بسرعة التجاوز للمشكلات والقدرة على العودة للحياة فيبقى عطاؤه مستمِرًّا بالرغم من صنوف البلايا التي تعترضه بين غفوةٍ.. وزفرةٍ؟

يمتلكُ الإنسانُ القدرةَ الكافية على اختيار السلوك الثقافي الذي يتحرَّك في أُفقِه، وهذا راجِعٌ لاستعداداته النفسية في الانفتاح على المصاديق التي أشرتُ إليها في صدر المقال، وبِحَسَبِ سعةِ انفِتَاحِه تكون سلوكياته الثقافية، وقد نلاحظ هذا الأمر بملاحظتنا لكتابات وأحاديث من يقرأ لكاتب معيَّن أو في فكرة معيَّنة، فهو يتأثَّر بها ويصبح منسجمًا معها في بعض جهات حياته، فسلوكه الثقافي في القراءة شكَّل إطاره الفكري في النظر والتحدُّثِ والكتابة.

من هنا، فإنَّ من ينحصر، أو يكون منفتحًا ولكنَّه لا يتفاعل سلوكيًا إلَّا مع نمط ثقافي معيَّن، فإنَّ إطاره الفكري يكون أقرب إلى هذا النمط الثقافي، وفي الغالب يصعُب عليه التحول من مساحة ثقافية إلى أخرى ما لم يتمكَّن من الغوص عميقًا في تعقيداته النفسية لغاية استخراج ما ينبغي أن يًعمل وما ينبغي أن يُعلم، ثُمَّ ينتقل بعد ذلك إلى مرحلة الإرادة وتفعيلها على طريق التغيير، وهو في نظري من أكثر المصاديق دقَّةً لقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ).

في الواقع أنَّ لا مبرِّر للانغلاق على سلوك ثقافي معيَّن حتَّى مع دعوى الانفتاح على مختلف مساحات المصداق الثقافي؛ فلا مُرجِّح غير الالتصاق لتجارب وخبرات خاصَّة صارت في مقام العام الحاكم على كلِّ شيء، فهذه مصادرات فكرية أبعد ما تكون عن الحِكمَةِ وفهم الحياة.

نحن نعيش وسط كل شيء، وقد تكون التجارب والخبرات الخاصة قد سيطرت عليها متعاقِبَاتٌ ذات لونٍ واحدٍ، ولكنَّ هذا لا يُمكِنُ أن يكونَ مُبرِّرًا لاتِّخاذ هذا اللون عامًّا في إطارٍ فكري؛ إذ أنَّ الحياة، وبكلِّ وضوحٍ أوسعُ منِّي ومنكَ ومنها، فهي بسعة ما تَحَقَّق من مفاهيم في مصاديق خارجية، وبسعة ما سوف يتحقَّق منها، والإنسانُ الحرُّ هو القادر على توسِعة نظره الثقافي ليستوعب على أقل التقديرات الأصول الأوَّلية لمفاهيم الحياة، ومن بعد ذلك أن يكون مالكًا لإرادة التحولات السلوكية المتعقِّلة ليصنع إطاره الفكري القادر على فهم الحياة باتِّزان لا يسلبه الفرح ولا يغرُّه به.

عندَّما أنجذب لأخبار الألم والوجع، فمن الطبيعي جدًّا أن يكون إطاري الفكري من سِنخ الألم والوجع، ومن الصعب عليَّ التفكير باتِّزان يصنع واقِعًا جميلًا، وإن توهمتُ ذلك..

كما وأن انجذابي لأخبار الفرح والضحك يعني دخولي على المستوى الفكري في إطارٍ لن يبعد عن السفَهِ في النظر، وهكذا هي الأطر الفكرية تتبع السلوك الثقافي من جهة وتضغط على إرادة الخيارات من جهةٍ أخرى.

أختُمُ هذه السطور بهمسة قرآنية أتبعها برسالة موجزة..

يقول جلَّ في علاه:

(وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ)

أباح اللهُ تعالى كُلَّ الجنَّة لآدم وحواء (عليهما السلام)، ومن بعد إباحتها لهما نهاهما عن شجرةٍ منها، فلِم الإنسانُ في هذه الحياة الدنيا يعكس الآية فيخاف أن يفرح أو أن يتفاءل أو أن يمضي بروح منفتحة، وفي نفس الوقت يرتمي في أحضان اليأس والخوف من الأمل؟!

الحياة أيُّها الأحِبَّةُ انشِرحٌ لا نظير له، وكيف لا تكون كذلك وهي بعين الله تبارك ذكره؟ وهل من جميل أعظم من جمال الاتِّكاءِ على الثِقة بالله سبحانه وحسن الظنِّ به؟

لا تقل أنَّك كذلك وسلوكك الثقافي وإطارك الفكري يُكذِّبانك..

السيد محمد علي العلوي

1 نوفمبر 2016 ميلادية

30 محرم 1438 هجرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *