الرئيسية / مقالات / سيطرة الفكرة وتوقف الزمن

سيطرة الفكرة وتوقف الزمن

IMG_5019

عندَّما تبدو المواقف متباينة، في حين أنَّها على فرضٍ خلاف ذلك، فنحن هنا في حاجة إلى إمعان النظر والفكر..

حينما تتمزَّقُ المشاعر، في الوقت الذي يُنتظر لها فيه أن تكون في أجمل حالاتها، فحينئذ لا بدَّ من التعمُّق في التأمل بغية فهم ما يجري..

في الوقت الذي نصطدم فيه بِمُعَاكِسَاتٍ فكرية أو ثقافية أو عاطفية، وكان المنتظر العكس، فليس أهم من تفكيك رموز الحالة وتصحيح مواضع رسومها لإعادة تركيبها..

نمُرُّ في بعض محطَّات الحياة بحالات نشعر فيها بتوقُّف كلِّ شيء عندَّ فكرة أو موضوعٍ يسيطر على نظرنا وفكرنا ومجمل تعقُّلاتنا، فلا نرى سواه ولا نفكِّر في غيره، فإمَّا أن يستجيب لإرادتنا الفكرية، وإلَّا فالنفس حينها أقرب إلى الضيق والاضطراب والتراجع الصحي بشكل يهدِّدُ استقامتها تهديدًا مباشِرًا، ولهذه الحالة ظهورات متعدِّدة، أذكر منها:

المُدَرِّسُ عندَّما يُعطي عطاءً كبيرًا في إيصال رسالته العلمية، ولكنَّه لا يجدُ التجاوب الكافي من طلبته، فإنَّه قد ينحصر في فكرة رايتها: لماذا؟

هل أنا مُقصِّر؟ هل أتوهم العطاء، والواقع أنَّني لستُ كذلك؟ هل هؤلاء الطلبة لا يتحمَّلون مسؤولية الدرس وطلب العلم؟

نفسُ الأمر يتكرَّر مع روَّاد العمل التطوعي عندَّما يشعرون بتقصير الآخرين قياسًا بهم وبما يُقدِّمون، ويتكرَّرُ أيضًا في جملة من العلاقات الاجتماعية، ومنها الزواج وما يقوم عليه من عاطفة واهتمام بين طرفيه.

هناك من يتجاوز تخلُّف الآخرين عنه ويواصل الطريق بشكل طبيعي، ولكن هناك من ينحصر في الحدث فيتوقف عندَّه الزمن لأنَّه لا يُفكِّر في غير تخلُّف الأطراف الأخرى عنه في مستويات العمل أو العطاء أو العاطفة أو الاهتمام أو ما شابه.

فكَّرتُ كثيرًا في هذه الحالة الغريبة، فطالما خسر المجتمع علاقات جميلة بسبب ظهور تباينات ما كان من المفترض أن تظهر، ولكنَّ بعض أطراف العلاقة يرونها شاخصة وتسكنهم بشكل محكم عجيب!

توصَّلتُ إلى أنَّ الأمر راجِعٌ إلى بُعدٍ نفسي صريح، ودعوني أُقرِّبُ الفكرة بتصويرها في علاقة بين زوجين، الزوجةُ تعطي عطاءً كبيرًا واهتمامًا بالغًا لزوجها، وتغدق عليه من العاطفة بما يُسجَّل رقمًا في حياتهما، ولكنَّها لا ترى من زوجها ما تنتظر من عطاء واهتمام وعاطفة!

يهاجمها الضيق، وتؤذيها التساؤلات..

لماذا لا يبادلني مشاعر الاشتياق؟ لماذا لا أشعر منه باهتمام؟

تبدأ بمراقبة كل شيء يخصُّه، فهو، وبالرغم من علمه بحالتها النفسية المتراجعة جرَّاء ما يحدث، يعيش حياته بشكل طبيعي.. بل طبيعي جدًّا، وهذا يضاعف التعب عندَّها ويزيدها تأزُّمًا..

لو كان يحبني لتعب لتعبي، ولاهتم بنفسيتي.. هذا من جهتها، وأمَّا من جهته فهو يؤكِّد بأنَّه يحِبُّها ويهتم بشؤونها، ولا يرى نفسه مقصِّرًا، بل يراها تبالغ بشكل مزعج..

فكَّرتُ كثيرًا في هذا التباين الخطير جدًّا..

في تصوري أنَّ هذه الزوجة تعيش حالة من الخوف وتراجع في مستوى الاطمئنان من استمرار علاقتها الزوجية أو حبِّ زوجها لها، ولذلك هي تخشى من مواكبة الحياة بشكل طبيعي؛ فهي تعتقد أنَّها غير قادرة على اصطحاب الاستقرار والطمئنينة في مسيرها ومواكبتها للحياة، فتجمد عندَّ نقطة واحدة تجعلها محورًا لكلِّ حياتها.

في الجانب الآخر، لا يعيش الزوج هذه الحالة من الخوف والاضطراب، فهو يرى حياته الزوجية طبيعية ولا تستدعي أكثر من الحياة الطبيعية، وربَّما بعض التجديد بين الفينة والأخرى.

لو أنَّ الزوجة تفهم هذه الحالة لأراحت نفسها من ألم التخمينات ووجع التحليلات غير الصحيحة.

في حالات أخرى قد يرى طرفٌ الطرفَ الآخر محورًا في حياته، فيتعاطى معه من هذا المنطلق، في حين أنَّ هذا الآخر يُحبُّ صاحبه، ولكنَّه لا يراه محورًا في حياته، وبالتالي فإنَّه من الطبيعي أن تتفاوت المشاعر والاهتمامات وما نحوها.

هكذا هي نتيجة الانحصار في فكرة معينة بما يؤدي لتوقف الزمن قسرًا، وعلاج هذا الأمر في معرفة جوهرية، ففي العمل ينبغي الاطمئنان لكون الجميع مؤمنين بما يقومون به، وأمَّا درجة الاهتمام والتفرُّغ فتختلف من واحد لآخر بحسب مرتبة هذا العمل في حياته.

وفي العلاقات الاجتماعية ينبغي الاطمئنان لطبيعة العلاقة وطبيعة الحب والمودة، ثُمَّ أنَّ مستوى الاهتمام ودرجة إظهار المشاعر وما شابه، فهذا أمر راجع لأسباب متعدِّدة، المهم فيها أن لا تؤثِّر على جوهر العلاقة إن كانت صداقة أو زواج أو غير ذلك، فلكلٍّ جوهر خاص، يُحرَزُ، ثُمَّ لا معنى لتضيعه بعوارض يمكن فهمها وتفهمها ومعالجتها..

دمتم في راحة بال وهدوء نفس..

السيد محمد علي العلوي 

4 نوفمبر 2016 ميلادية 

3 صفر 1438 هجرية 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *