الرئيسية / مقالات / الزوجة الثانية.. الثالثة.. الرابعة (7)

الزوجة الثانية.. الثالثة.. الرابعة (7)

فليكن مقالُ هذا الأسبوع بمثابة الاستراحة التأملية الفكرية في عنوان (الغيرة) من عناوين الخارطة النفسية، والسبب في ذلك أنَّني وجدتُ إرجاء المقال المفترض لهذا الأسبوع، والذي كان لمناقشة الاستقرار النفسي عندَّ المرأة؛ بعد أن طرأ على مساحتي الذهنية أمر اضطرني للتوقف، بل والتوقف طويلًا..

عندَّما نقول بمخالفة المرأة لقول العقل وإفادة المنطق إذا ما وصل الأمر إلى مسألة التعدُّد، فإنَّ الرجل لا يقلُّ عنها بمخالفته للعقل والمنطق في مورد زواج طليقته!

يقول بعدٌ نفسيٌّ في الرجل أنَّه يرفض لطليقته الزواج من رجل آخر حتَّى لو مضى على طلاقها سنوات، وحتَّى لو كان هو (الزوج الأوَّل) قد تزوَّج من ثانية.

يبدو أنَّ الأمر في هذا البعد النفسي منسجم أو يقوم على وحدة في السنخية بين الرجل والمرأة، فمن حقِّ الرجل الزواج من ثانية وثالثة ورابعة، ونحن على مُكنةٍ لمناقشة هذا الأمر وإثباته بأدلة متنوعة، شرعًا ونفسًا واجتماعًا وغير ذلك، ولكنَّ النقض الذي يرد علينا نقضٌ من نفس الرجل عندَّما يُظهر حالة من (الغيرة) وربَّما البؤس إذا ما وصل إلى مسامعه خبرُ مشروعِ زواجٍ ينتظر طليقته. فهل نقول بطبيعية (الغيرة) عندَّه، فيتبع ذلك الحكم بطبيعيتها عندَّ المرأة، إلَّا أن ننفي المسانخة بين (الغيرتين)؟

من جهة أخرى، نقف على أنَّ الزوجة الثانية تتحوَّل في موقفها من الثالثة إلى موقف الأولى منها، فهي أيضًا ترفض الثالثة كما رفضتها الأولى، والثالثة ترفض الرابعة مثلما رفضتها الثانية قبلُ، فكيف نُفسِّر هذه الحالة التي تبدو تملُّكيَّة في نظرتها الأولى؟

هل هي حالة متأصِّلة، أم هي ممَّا ينبغي العمل على تغييره من الجذر؟

يقولون في علم النفس أنَّ “الغيرة والحسد من مولِّدات التنافس في جهات العيش بين أنواع جنس الحيوان، وتشتدُّ عندَّ أرقاها، وهو الإنسان”.

ما تكشفه لي هذه الرؤية، وما أفهمه منها، هو أنَّ الكائن الحي النامي الحسَّاس المتحرِّك بالإرادة، يسعى للكمال كلٌّ بحسبه، فللأسد كماله الخاص، وللفأر كماله الخاص، ومثلهما النملة والنسر، وغيرها من هذه الكائنات الحيَّة، ولكنَّ السعي نحو الكمال الخاص يتوقَّف مالم تتوالى التحقيقات لبعض درجاته، وهذا التحقيق من بعضها يولِّد (غيرةً) عندَّ البعض الآخر، و(الغيرةُ) تولِّد حركة منافسة بشكل من الأشكال، فإمَّا سعي نحو كمال أكبر، أو حسد ومحاولات لتكسير الآخر، أو غير ذلك، وفي المحصِّلة ينكشف لنا أنَّ (الغيرةَ) محورٌ رئيسٌ في الحركة نحو الكمال.

بعد الإمساك بناصية هذه النظرية، والبدء باستثمارها في التعمِّق الفكري التحليلي، نجد أنَّ هذه (الغيرة) تنتهي بالحيوانات غير العاقلة في الغالب إلى أحد أمرين، فإمَّا تمزيق المنافس وكسر شوكته، أو الانكسار والانكفاء والاستسلام للموت؛ والسبب في ذلك –كما أرى- هو أنَّها تتحرَّك في غيرتها بدفع وتحكم غرائزي فقط، فالحيوان غير العاقل يتحرَّك في غيرته بدفع وتحكم غرائزي.

يُعبِّر بعضُ علماء النفس عن الإنسان على اعتباره من جنس الحيوان، بالحيوان الأكثر أو الأشد رقيًا، والجهة في ذلك كونه مدركًا قادرًا على منافسة غرائزه بعقله، ومن هنا كان لا بُدَّ لهذا العاقل من البحث في خيارات ما بعد (الغيرة) غير تلك المتردِّدة بين سحق الآخر أو الانكفاء والاستسلام للموت، فـ(الغيرة) عندَّ الإنسان هي من جنس (الغيرة) عندَّ غيره من الحيوانات، إلَّا أنَّها ليست منفردة في السيطرة على مُتلَبِّسها كما هو حالها في مطلق الحيوانات، ولذلك فإنَّ تبرير بعض المواقف (…) بـ(الغيرة) هو في واقعه ذمٌّ للنفس واعتراف بخروجها عن فصل (الإنسان).

نعم، لا يمكن لحال الإنسان أن يستقيم دون (غيرة) تولِّد في داخله دواعي الحركة والمضي على طريق المحافظة على المكتسبات، ورعاية الأعراض، والدفاع عن القضايا التي يؤمن بها، فـ(الغيرة) وجود محوري في تكوينية الإنسان، وسبب جوهري في حراكه التكاملي، ولكنَّ هذا ينقلب إلى عامل انحراف خطير ما لم يوضع محور (الغيرة) في داخل عِقالٍ يقيه الخروج إلى حيث مصداقيَّة (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)، وبعد تدبُّر آيات الكتاب العزيز، والوقوف فيه على حجم الحثِّ على إعمال العقل والتفكُّر، ثُمَّ من بعد ذلك يتراجع الإنسان في مستوى إخضاع الغرائر بما فيها غريزة (الغيرة) لعقال الإدراك والنباهة والفهم، فهو حينها لا يبعد عن من قال عنهم تبارك ذكره (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).

تبدو لي الصورة أكثر وضوحًا الآن، ولكنَّه ليس الوضوح الذي أنتظره، وقد يرقى إلى أعلى ممَّا هو عليه، لو أتمكَّن من الإجابة على سؤال: ما هو منشأ الغيرة في العلاقات الاجتماعية، وخصوصًا الزوجية منها؟

هذا سؤال تبتني إجابته -كما يبدو لي- على إجابة سؤال آخر، هو: لماذا العلاقات الاجتماعية أصلًا؟

هذا بحثٌ جوهري يحتاج الإنسان أن يقف على معاقد خيوطه بشكل دقيق، وأجمِلُ الكلام هنا في نتيجة البحث، ومُفادها أنَّ الإنسان يعيشُ خللًا في أصل تكوينه البشري، فهذا المخلوق الحي المدرك عندَّما تعرض على وجوده غايات العيش في هذا المستوى من مستويات الإمكان، فهو يدخل في معادلات الحاجة، من الحاجة إلى الغذاء والراحة وما نحو ذلك، إلى الحاجة الجنسية من جهة النعومة واللطف والحنان وما نحوها للذكر والخشونة والجلَد وقوة البأس وما نحوها للأنثى، فالأنثى تبحث عن نواقصها التكوينية عندَّ الرجل، والرجل يبحث عن نواقصه التكوينية عندَّ المرأة، ومن هنا فإنَّ مجرَّد العلاقة بين الذكر والأنثى فهي نوعُ التِصَاقٍ تكاملي نابعٌ من عُمق الحاجة البشرية أوَّلًا والإنسانية ثانية.

وبالتالي، فإنَّ ما يطرأ على هذا الالتصاق من منافيات له، يكون حقيقةً في مقام التهديد للطرفين بالعودة إلى خلل النقص، فالقضية ليست بالضرورة لأن ترجع إلى عنوان (الحب)، ولكنَّها، وفي عمقها التحليلي ترجع إلى ما يواكب حالة الالتصاق مواكبةً ضرورية، ومنه انكشاف نواقص كل من الطرفين على الآخر، وهذا يثير الغيرة، فيرفض الواحدُ مِنهما أن يلتصق الآخر بغيره، وهو في الواقع يرفض احتمال انكشافه هو من جهة نواقصه ولو انكشاف مقارنة في داخل الطرف الآخر.

هذه المعادلة التي أراها واقعية، تحتاج إلى عقال يعيدها إلى لياقة الحكمة، وإلَّا فهي من أشدِّ عوامل التدمير البشري.

وخلاصة الكلام، أنَّ (الغيرة) غريزة بشرية إنسانية طبيعية، ولكنَّها بهيمية السلوك ما لم تخضع لعقال الفكر وحسن التدبر والتدبير.

السيد محمَّد علي العلوي

12 صفر 1438 هجريَّة

13 نوفمبر 2016 ميلادية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *