الرئيسية / غير مصنف / قال المعصوم (عليه السلام): لا تُخَالِطُوهم..!

قال المعصوم (عليه السلام): لا تُخَالِطُوهم..!

0

يُصَابُ البعضُ بالحُزن، وتَعتَصِرُ قُلوبَهم الآلامُ على شَخصٍ غلب على توجهاته الثقافية الانحراف، وآخر بَانَ له معدنٌ لا يُسِرُّ القلوب، وثالثٍ انقلبَ على عقِبَيه عقيدةً أو صُحْبَةً أو غير ذلك..

يبقى الحزنُ وتستمرُّ الآلام، ومعها تبدأ المحاولات لتصحيح المسارات وتعديل المُنقلِبات، وفيها تثور الفواعل والقوابل، فشيء يعود وشيء لا، ولكنَّ القلوب لا تهدأ عن الحسرة، ورأسها قلب رسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، حتَّى نزلت آيةٌ قرآنية يقول الله تعالى فيها لرسوله الأكرم (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ).

ولكنَّهم يقولون: كيف لا نتحسر؟ أوليس (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ)؟

أعتقد أنَّ الحسرةَ مُبرَّرة، وأهلَها معذورون، ولكنَّها قد تهدأ وتتراجع شيئًا فشيئًا لو أنَّنا نتأمل بعض الأحاديث الشريفة عن أهل بيت العصمة (عليهم السلام)، وهي أحاديث تشير إلى أبعاد اجتماعية ونفسية لا تُستغربُ عِندَ الوقوفِ عليها حَوادِثُ الضلالِ والانزلاقاتُ الثقافية وما شابه، ومنها ما عن حفص بن البختري قال:

“استقرضَ قهرمانٌ (الوكيل أو المدبر المالي) لأبي عبد الله (عليه السلام) من رجلٍ طعامًا لأبي عبد الله (عليه السلام)، فألحَّ (المُقرِضُ) في التقاضي. فقال له (للقهرمان) أبو عبد الله (عليه السلام): ألم أنهك أن تستقرض لي ممَّن لم يكن له فكان”.

ومنها ما عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنَّه قال: “لا تُخَالِطُوا ولا تُعَامِلُوا إلَّا مَنْ نَشَأ في الخير”.

لا شكَّ أنَّ الناس أمام الله تعالى في شريعته المقدَّسة سواسية كأسنان المشط، فالمؤمنُ مؤمنُ يستحق الجنَّة بفضل الله جلَّ في علاه ورحمته، سواء كان سيدًا قرشيًا أو عبدًا حبشيًا، وهذا أمر لا يناقشه ذو مِسكَةٍ من عقل، غير أنَّ الكلام في طبيعة التعاملات الاجتماعية على سعتها الكبيرة في عناوينها المنوعة، وهي تعاملات تخضع إلى ثقافات وأمزجة وأحوال نفسية تؤثرُ فيها بأشكال مباشرة وغير مباشرة، وهذا أمرٌ له علاقة بالسيطرة الوجدانية على النفس وإبقائها سليمةً قدر المستطاع، وأمَّا علاقته بالإيمان والقرب من الله تعالى فهي أمورٌ تُبحثُ في مجالات أخرى، وأمَّا ما نحن فيه فمُتَوَجِّهٌ للبُعدِ النفسي المعلول للظروف الخاصَّة لنفس الفرد. وبالتالي فإنَّ النهي عن مخالطة من لم تكن نشأته في الخير مُقيَّدٌ بطبيعة الحال؛ حيثُ إنَّ الذي لم ينشأ في الخير إذا كان ذا يدٍ على نفسيته فهو حينها خارِجٌ عن سور ما نطرحه في هذه السطور.

من الأهمية بمكان أن نشير هنا إلى ظهور الإطلاق في قوله (عليه السلام): “نشأ في الخير”، و”من لم يكن له فكان” فلا ينحصر الأمر في (الحال المالي)، ولكنَّ الصحيح هو الشمول لعموم الأجواء التربوية والاجتماعية، إضافة للقوة النفسية في حُسنِ الإدارة عند الأزمات والمطبات بمختلف ألوانها، وهذا بحث جميل نحتاج للتوسع فيه يومًا إن شاء الله تعالى.

كما ومن المهم أيضًا الانتباه إلى أنَّ النهي عن المخالطة لا تعني المقاطعة، فالمخالطة هي الفعل التعاملي اجتماعيًا وماليًا وسياسيًا وغير ذلك.

هذا، ونلاحظ أنَّ الإمام (عليه السلام) يجعل في مقام التعاطيات الاجتماعية أصلين لا يُتركَان إلَّا بقيام دليل على خلافهما في الموارد الخاصَّة، وهما أصلُ (من لم يكن له فكان)، وأصلُ (من لم ينشأ في الخير)، وكلاهما يرجعان إلى طبيعة واحدة، وهي النفس وعوامل استقرارها على خطوط الحدود الطبيعية، ونقصد بالاستقرار التناغم السهل الطبيعي والبعيد عن التعقيدات مع متغيرات الحياة، وهذا غير ممكن ما لم يتحقَّق البناء الشخصي على محوري (العقل والعاطفة)، وهو جوهر الخير.

من هنا، نجد أنَّ المقام يتوسَّع بشيءٍ من التنقيح العلمي، فيشمل موارد مهمة، مثل الزواج، فقوله (صلَّى الله عليه وآله): “إذا جاءكم من ترضون خُلُقهَ ودينه فَزَوجُوه (إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير)”.

وقوله (صلَّى الله عليه وآله): “اختاروا لنُطَفِكُم فإنَّ الخَالَ أحدُ الضجيعين”.

وقول الإمام الصادق (عليه السلام): “تَزَوجُوا في الحِجزِ (القوم والعشيرة) الصالح، فإنَّ العِرقَ دَسَّاس”.

فَتَتَحَصَّلُ أهمِّيَة النظر إلى التقارب الثقافي والاجتماعي والفكري المتحقق في (الخير) الذي تبرزه التوليفة الوازنة لقوة العقل والعاطفة، وقد قصدتُ الإفراد عن التثنية. فتدبَّر.

ربَّما يكون قد انكشف عامِلٌ مهم من عوامل الانحرافات والانقلابات الأعم من العقائدية والاجتماعية وغيرها، فتخف بمعرِفَتِه مظاهر الحزن ومشاعر الحسرة.

 

السيد محمَّد علي العلوي

10 جمادى الثانية 1438 هجرية

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *