الرئيسية / دراسات وبحوث / جماليَّة التَّقديم والتأخير في اللُّغة العربيَّة

جماليَّة التَّقديم والتأخير في اللُّغة العربيَّة

IMG_4286(1)

جماليَّة التَّقديم والتأخير

في اللُّغة العربيَّة

 

 

 

 

بقلم

أحمد نصيف البحرانيّ

حوزة خاتم الأنبياء (صلَّى الله عليه وآله) العلميَّة

المحرَّق – البحرين

 

 

 

بسم الله الرَّحمن الرَّحيم

اللهم صلِّ على محمَّدٍ وآل محمَّد

“إنَّ الإنسان لمَّا كان اجتماعيًّا بالطَّبع ومضطرًّا للتعامل والتفاهم مع باقي أفراد نوعه، فإنه محتاج إلى نقل أفكاره إلى الغير وفهم أفكار الغير. والطريقة الأولية للتفهيم هي أن يحضر الأشياء الخارجية بنفسها، ليحس بها الغير بإحدى الحواس فيدركها. ولكن هذه الطريقة من التفهيم تكلفه كثيراً من العناء، على أنها لا تفي بتفهيم أكثر الأشياء والمعاني، إما لأنها ليست من الموجودات الخارجية أو لأنها لا يمكن احضارها.

فألهم اللهُ تعالى الإنسان طريقةً سهلةً سريعةً في التَّفهيم، بأنْ منحه قوَّةً على الكلام والنطق بتقاطيع الحروف ليؤلِّف منها الألفاظ. وبمرور الزمن دعت الانسان الحاجة – وهي أم الاختراع – إلى أن يضع لكل معنى يعرفه ويحتاج إلى التفاهم عنه لفظاً خاصاً. ليحضر المعاني بالألفاظ بدلاً من احضارها بنفسها”.[1]

نعم، هذا ما يحاولُ العلماءُ إيصاله، وهو أنَّنا لا نبحث في الألفاظ لكونها نغمات صوتيَّة رنَّانة، أو للاستئناس بصعود ونزول اللسان وما يدور مداره في فم الإنسان، بل نريد أن نعيش مع الآخر بطريقةٍ صحيحةٍ؛ نوصل لبعضنا البعض ما تحتويه صدورنا بدقَّة، ونجعل المعاني المكنونة عندنا تبلغ إلى المخاطَبين والسامعين بوعيٍ المبلغَ المطلوب، وهذا ما نريده من الألفاظ، والكلمات، والجمل… نعم، هذا ما نريده من الكلام العربيّ!.

ولأجل تحقيق هذه الغاية العظيمة نشأت علوم اللُّغة العربيَّة باحثةً عن تحقيق المعاني وتصويرها بجمالها وجلالها، وكان كلُّ ذلك في قوالب أحرف المباني، التي بنت لنا الموادَّ والهيئات، والتي كانت لنا خيرَ معينٍ في وصولنا للغاية المنشودة.

وغيرُ خفيٍّ على القارئ بأنَّ علوم اللغة العربية عديدةٌ، وحُدِّدَت قديمًا في اثني عشرَ علمًا، مجموعةً في قول الأديب السيِّد أحمد الهاشميّ:

نحوٌ وصرفٌ عروضٌ ثمَّ قافيةٌ         ***     وبعدها لغةٌ قرضٌ وإنشاءُ

خطٌّ بيانٌ معانٍ معْ محاضرةٍ   ***     والاشتقاق لها الآداب أسماءُ

إلاَّ أنَّها بلغت اليومَ مبلغًا عاليًا، فالدِّراسات الحديثة كشفت عن علومٍ متعدِّدة في شأن هذه اللُّغة العظيمة، وليس المقام مقامَ سردها، فعلى الباحث الرُّجوع لها في مظانِّها.

…          …       …       …       …       …

ما مرَّ من حديثٍ كان في فائدة علوم اللُّغة العربيَّة بوجهٍ عامٍّ، وأمَّا فيما يختصُّ ببحثنا في هذا المقام المختصر، فهي مسألةٌ من مسائل علم البلاغة، وبنظرٍ أدقّ هي مسألةٌ من مسائل علم المعاني؛ الذي هو أحدُ عمودَيّ علم البلاغة، إذا أخرجنا فنَّ البديع من أصل البلاغة. ولمسألتنا نحوُ ارتباطٍ بعلم النَّحو؛ إذ من النَّادر جدًّا أنْ ينفكَّ المبحثُ البلاغيُّ عن النَّظَر النحويّ؛ لأنَّهما كالرُّوح والجسد[2]، وسأتناولها من وجهها النحويّ بما يقتضيه المقام، وأترك بحثها المطوَّل إلى محلِّه.

وللشُّروع في مسألتنا، نحتاج إلى تقديمٍ مهمٍّ، يُمَكِّنُنا من استيعاب البحث استيعابًا جيِّدًا، ويمنحنا حسَّ تذوُّق عذوبة هذه اللغة العظيمة، وعلى الله نتوكَّل وهو حسبُنا.

تأليف الجملة:

عندما نأتي إلى الكلام المؤلَّف من الجمل المتعدِّدة، أو المكوَّن من جملةٍ واحدةٍ فقط، نرى أنَّ الكلمات التي تألَّفت منها الجملةٌ مرتَّبةٌ، فتأتي الأولى – أيًّا كان نوعها – فتتبعها الثانية فالثالثة وهكذا. فتكون الأولى ذات الجرس الأقوى غالبًا، فتستحوذ على ذهن سامعها، فتأتي اللاَّحقات بها وتُفهَمُ – نوعًا ما – على خلفيَّة الكلمة الأولى، وهكذا في الكلمات الأُخريات.

لا بُدَّ وأنَّ سؤالاً قد أتى في المقام، وهو: على أيِّ أساسٍ ترتَّبت كلمات الجملة بهذه الطريقة، فما هو الدَّاعي والحكمة من ذلك؟

وفي مقام الإجابة على هذا السؤال المهم أقول: قد علمنا فيما مرَّ أنَّ وجودَ الألفاظ هو وجودٌ لمعانيها، فهي مقترنةٌ بها ومُندكَّةٌ فيها، فإذاما رأينا ألفاظًا قد تحرَّكت وترتَّبت، استطعنا أن نفهم بأنَّ المعاني – بتبعها – قد تحرَّكت وترتَّبت، لأنَّ الألفاظ في تقدُّمِها وتأخُّرها تابعةٌ لمعانيها.

وإنَّ المعانيَ الأوَّليَّة تترتَّب باعتباراتٍ عِدَّة، لسنا بصدد التَّفصيلِ فيها، فليراجع فيها المُطوَّلات[3]. وأمَّا ما يهمُّنا في المقام هو أن نذكر بأنَّ هناك أصلاً عند العرب في ترتيب جملتهم، ولا يخفى علينا بأنَّ الكلام يتألَّف من ركنَين أساسيَّين: المسند والمسند إليه، سواءً كانت الجملة اسميَّةً أو فعليَّة. “والأصلُ في الجملة التي مسندها اسمٌ أن يتقدَّم المسند إليه نحو: أخوك قادمٌ، ولا يتقدَّمُ المسند إلاَّ لسببٍ. والأصلُ في الجملة التي مسندها فعلٌ أن يتقدَّم الفعلُ نحو: يقدم أخوك، ولا يُقدَّمُ المسند إليه إلاَّ لسببٍ. فإنْ قلتَ: أخوك قادمٌ، أو يقدم أخوك، فقد جريتَ على الأصل، وليس لأحدٍ أن يسألك لماذا قدَّمتَ (أخوك) في الجملة الأولى وأخَّرته في الجملة الثانية.

فإنْ جئتَ بالفضلة[4] معها كانت الفضلةُ بكلِّ أنواعها متأخِّرةً في الكلام، فتقول مثلاً: أخوك قادمٌ من المَوصل، فالجارُّ والمجرور قيدٌ أو فضلة، وحقُّه أن يكونَ بعد المسند والمسند إليه”[5].

ولهذا نرى النُّحاة يقولون: الأصل كذا وكذا، وفي ذلك يقول ابنُ مالكٍ في «الخلاصة»[6]:

والأصلُ في الأخبار أن تؤخَّرا          ***     وجوَّزوا التَّقديم إذ لا ضرَرا

يقول ابنُ عقيلٍ شارحًا: “الأصل: تقديم المبتدأ، وتأخيرُ الخبر …”[7]، وقال ابنُ مالكٍ في مَوضِعٍ آخر من «الخلاصة»:

والأصلُ في الفاعل أن يتَّصلا           ***     والأصلُ في المفعولِ أن ينفصلا

يشرحُ ذلك ابنُ عقيلٍ قائلاً: “الأصلُ أن يليَ الفاعلُ الفعلَ من غير أن يُفصل بينه وبين الفعل فاصلٌ …، والأصلُ في المفعول أن ينفصل من الفعل؛ أنْ يـاخر عن الفاعل …”[8]. وبهذا جعلوا لمواقع الكلام رُتَبًا بعضها أسبق من بعض، فقد قالوا: إنَّ “مرتبة العمدة قبل مرتبة الفَضلة، ومرتبة المبتدأ قبل مرتبة الخبر، ومرتبة ما يصل إليه الفعلُ بنفسه قبل مرتبة ما يصلُ إليه بحرف الجرِّ وإن كانا فضلتَين، ومرتبة المفعول الأوَّل قبل مرتبة المفعول الثاني”[9].

بعد هذا التَّقديم أقول: إنَّ العرب تتفنَّن في أساليب كلامِها، فتُضفي عليه لمساتٍ من شأنها العناية والاهتمام بالمعنى، فيقدِّمون ما أصله التَّأخير، ويؤخِّرون ما حقُّه التَّقديم، وباعتبارنا نبحثُ في مسألةٍ خاصَّة هي من مسائل علم المعاني، فنحن نُعرِضُ عن البحث في جميع أحوال الجملة العربيَّة، كالحذف والذِّكر، والتعريف والتَّنكير، وما شابههما، ونتحدَّث عن (التَّقديم والتأخير) بوجهٍ خاصّ، فنحاولُ التَّعرُّضَ له من ناحيتَين: نحويَّةٍ وبلاغيَّة، وعلى الله نتوكَّل في كلِّ خيرٍ.

 

 

موانع التَّقديم والتَّأخير

نشرع في بيان القواعد التأسيسيَّة لمَبحثِ (التَّقديم والتَّأخير)، وأعني بذلك المواطن التي يمتنع فيها التَّقديم، وهي بالتَّالي جائزة التَّأخير أو واجبته. والموانع على ثلاثة أقسامٍ:

  1. موانع تتعلَّق بالمعنى.
  2. موانع تتعلَّق بالموقع.
  3. مواقع تتعلَّق بالعمل.

 

  • الموانع التي تتعلَّق بالمعنى:
  • الإخلال بالمعنى: إذا كان التَّقديم يؤدِّي إلى إخلالٍ بالمعنى المطلوب امتنعَ التَّقديم، وذلك نحو قولك: جاءَ رجلٌ من ذوي السُّلطة يكتُم أمرَه. فإنَّ هذا التَّعبير يفيد أنَّ الرَّجل من ذوي السُّلطة وأنَّه يُخفي أمرَه، فإن قلتَ: جاء رجلٌ يكتم أمرَه من ذوي السُّلطة، صار المعنى أنَّه يكتُم أمرَه من ذوي السُّلطة وليس هو منهم.
  • أمنُ اللَّبس: وهو من أهمِّ الموانع المعنويَّة، ويمكن أن يرجع كثيرٌ من الموانع المعنوية إليه، من ذلك أن يكون كلٌّ من المبتدأ والخبر معرفتَين أو نكرتَين وليس ثمَّةَ قرينةٌ تميِّز أحدهما من الآخر، نحو: أخوك إبراهيم، فإنَّك أخبرت عن أخيك بأنَّه إبراهيم، ولا يصحُّ أن تقدِّمَ (إبراهيم) فتقول: إبراهيم أخوك، على جعل (إبراهيم) خبرًا مُقدَّمًا؛ لأن المعنى سيلتبس، فإنْ لم يلتبس المعنى جاز نحو قوله: كلامُ النَّبيين كلامُنا، إذ من الواضح أنَّ المراد تشبيهُ كلامهم بكلام النَّبيين الهُداة وليس العكس، فـ(كلامُ النَّبيين) خبرٌ مقدَّم.
  • القصر: وذلك نحو: ما زيدٌ إلاَّ قائمٌ، ولا يصحُّ تقديم الخبر فتقول: ما قائمٌ إلاَّ زيدٌ، إذا كنت تريد ذاك المعنى.

 

  • الموانع التي تتعلَّق بالموقع:
  • تقديم الصِّلة على الموصول: لا يجوز تقديم الصِّلة ولا تقديم جزءٍ منها على الموصول، سواء كان الموصول اسمًا موصولاً أم حرفًا مصدريًّا أو مصدرًا، فلو قلتَ: الذي ضرب زيدًا عمرٌو، فأردتَ أن تقدِّم (زيدًا) على (الذي) لم يجز؛ لأنَّها معمولةٌ لصلة الموصول، فهي منهُ.
  • تقديمُ التَّوابع وما يتعلَّق بها على المتبوع: لا يجوز تقديم الصِّفة على الموصوف، ولا تقديم شيءٍ ممَّا يتَّصل بالصِّفة على الموصوف، ولا أن تعمل الصِّفة فيما قبل الموصوف، وكذلك الأمرُ بالنِّسبة لبقيَّة التَّوابع كالتَّوكيد وعطفِ البيان والبدل وعطف النَّسَق. فلا يجوز في نحو: مررتُ برجلٍ مُكرِمٍ عليًّا، أن تقول: مررتُ عليًّا برجلٍ مُكرِمٍ، ولا: عليًّا مررتٌ برجلٍ مُكرِمٍ، وهكذا.
  • تقديم المضاف إليه وما اتَّصل به على المضاف: فلا تقول في (أجيئك حين تُكرِمُ عليًّا) أجيئك عليًّا حين تُكرم، وهكذا.
  • تقديم الجواب على المجاب – شرطًا كان أو قسمًا -: فلا تقول: أقُمْ إنْ تقُم. وكذلك الأمرُ بالنِّسبة إلى جواب القسم فإنَّه لا يتقدَّم على القسم، فلا يصحُّ: هو مسافرٌ واللهِ، فهو دالٌّ على الجواب ولكنَّه ليس جوابًا للقسم.

تقديم الضَّمير على متأخِّرٍ لفظًا ورُتبةً: فلا تقول: أقفالها على القلوب، وصاحبُها في الدَّار، وهكذا. بل تقول: {عَلَىْ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}[10]، وفي الدَّار صاحبها.

وهناك مواطنُ عِدَّة في هذا الباب نُعرِضُ عنها في هذا المختصر.

  • الموانع التي تتعلَّق بالعمل:
  • الأفعال غيرُ المتصرِّفة لا يجوز أن يُقدَّمَ عليها شيءٌ ممَّا عملت فيه، كفعل التعجُّب وليس وعسى، فلا تقول في (ما أحسنَ محمَّدًا): محمَّدًا ما أحسنَ، ولا في (ليس أخوك منطلقًا): منطلقًا ليس أخوك.
  • معمولُ اسمِ الفعل لا يتقدَّم عليه كما هو مذهب الجمهور، فلا تقول في (دونك الكتاب): الكتاب دونك.
  • ما عمل فيه حرفٌ لا يُقدَّم على الحرف، فالمجرور لا يتقدَّم على حرف الجرِّ، والفعل المنصوب لا يتقدَّم على ناصبه، فلا تقول في (لن أضربَ زيدًا): أضربَ لن زيدًا. إلى غير ذلك من الموانع.

 

 

أغراض التَّقديم

في المسند، والمسند إليه، والمتعلِّقات

جرت عادةُ الكتب البلاغيَّة أن تذكرَ أغراضًا للتَّقديم، وكذلك كان من عادتهم أن يتحدَّثوا أوَّلاً في باب (المسند إليه)، ثمَّ (المسند)، ثمَّ (المتعلِّقات) كالمفاعيل والظُّروف وما شابههما، إلاَّ أنَّ بعض المؤلِّفين قد رتَّب كتابه ترتيبًا مختلفًا، فجعل عنوان الباب (التقديم والتأخير) وبيَّن أغراضه العامَّة الشاملة للثلاثة الأفراد السَّابقة، ونحن هاهنا نسيرُ بسَيره ونذكرُ الأغراض وشيئًا من التطبيق الموضِّح للقاعدة.

  • أن يكون التَّأخير موجبًا للإخلال ببيان المعنى، ولالتباسه بغيره، كقوله تعالى: {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ}[11]، فإنَّه لو أخَّر قولَه: {مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ} عن قوله: {َيَكْتُمُ إِيمَانَهُ} لتوَّهم أنَّه من صلة (يكتم)، فلا يُفهم أنَّه منهم.
  • لتعجيل المسرَّة، ومن هذا الباب قوله تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ}[12] حيث قدَّم ضمير المخاطب على ضمير الغائب؛ لأنَّ الخطاب فيها مع الفقراء، بدليل قوله: {مِنْ إِمْلَاقٍ}، فكان رزقهم عندهم أهمَّ من رزق أولادهم، فقدَّم الوعدَ برزقهم على الوعد برزق أولادهم. وخالف ذلك في آيةٍ أخرى فقال: {وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ}[13]، حيث قدَّم ضمير الغائب على ضمير المخاطب؛ لأنَّ الخطاب فيها مع الأغنياء، بدليل قوله: {خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ}؛ فإنَّ الخشية إنَّما تكون ممَّا لم يقع، فكان رزق أولادهم هو المطلوب، دون رزقهم؛ لأنَّه حاصلٌ، فكان أهمَّ، فقدَّم الوعد برزق أولادهم على الوعد برزقهم.
  • التَّشويق إلى الكلام المتأخِّر، كقوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}[14]، فالمخاطبون يتشوَّقون لمعرفة الخبر، ولا سيَّما وأنَّهم كانوا يحسبون أنَّ الكرم هو بالحَسَب والنَّسَب والغنى، ولكنَّه هنا شيءٌ آخر، إنَّه التَّقوى.

وقوله تعالى: {الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ}[15]. فقوله تعالى: {الَّذِينَ آَمَنُوا} (وهو المسند إليه) متَّصل بقوله تعالى: {وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ} اتِّصالاً يشوِّقُ النَّفسَ إلى معرفة الجزاء والثَّواب الذي يستحقُّه أولئك المؤمنون، فذكر تعالى: {أَعْظَمُ دَرَجَةً} فزاد تمكُّنًا وثباتًا لنفوسهم.

ومن ذلك قول أبي العلاء المعرِّي:

والذي حارت العقول فيه      ***     حيوانٌ مستحدثٌ من جماد

فأول البيت فيه تشويقٌ للسامع على معرفة كنه هذا الذي حارت الدنيا فيه، والسامع يتساءل: من هو هذا المخلوق؟ من أيِّ عجينةٍ صُنِعَ؟ هل يمشي على قدمَين أو أربع؟ أو يزحف على وجهه أو على بطنه؟… هل هو من عالم الإنسان أو الحيوان أو الجماد؟، وتتراكض الأسئلة وتتتابع تفتِّش عن الجواب. ثمَّ يأتي الجواب: (إنَّه حيوانٌ مستحدثٌ من جماد)، إذن هو الإنسان الذي خُلِقَ من فخار، وجبل من تراب. إذن، في التَّقديم فائدة التَّشويق

  • إرادة إفادة اختصاص المسند بالمسند إليه، إذا كان في السِّياق أو القرائن الأخرى ما يساعد على ذلك، كالرَّدِّ على مدَّعي خلافه، فإذا كان يدَّعي انفراد غيره به، أو مشاركته له فيه قال له: (أنا فَعَلْتُهُ)، أي: فعلته وحدي.
  • الرَّغبة في البدئ بالمسند إليه تفاخرًا، في المواطن التي يكون ذكر المسند إليه فيها يُشعِرُ بالفخر، كأنْ يقولَ من يريد الفخر من الهاشميّين: (محمَّدٌ رسولُ الله جدِّي)، وكأنْ يقولَ الطَّائيُّ: (حاتم الطَّائيُّ جدِّي)، وهكذا.
  • التَّخصيص أو القصر: وتعني إفادة قصر المسند إليه على المسند بحيث لا يتجاوز إلى غيره أصلاً، نحو قوله تعالى: {لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}[16]. أي: دينكم مقصورٌ على اتِّصافه بكونه لكم لا يتجاوز إلى اتِّصافه بكونه لي، وكذلك العكسُ في: {وَلِيَ دِينِ} فالقصرُ هنا إضافيٌّ في الموضعَين؛ قصرُ صفةٍ على موصوف. فنجد أنَّ المسند قد تقدَّم وهو {لكم} على المسند إليه وهو {دِينُكُمْ}، وكذلك تقدَّم المسند {وَلِيَ} على المسند إليه وهو {دِينِ}.

وقوله تعالى: {لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ}[17]. (الغَول) ما يتبع شرب الخمر في الدُّنيا من وجع الرَّأس واسترخاء الأعضاء، وتقديم المسند هنا لإفادة قصر المسند إليه {غَوْلٌ} على المسند {لَا فِيهَا}، ويقول البلاغيُّون:

أ. قصرُ الغَول على اتِّصافه بعدم حصوله في خمور الجنَّة، فلا يتجاوز إلى اتِّصافه بعدم حصوله في خمور الدُّنيا.

ب. قصر عدم الغَول على اتِّصافه بحصوله في خمور الجنَّة، فلا يتجاوز إلى اتِّصافه بحصوله في خمور الدُّنيا.

  • التَّنبيه مباشرةً على أنَّ المسندَ خبرٌ لا نعتٌ، كقوله تعالى: {فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا}[18]. فلو قيل: (رجال فيه يحبُّون أن يتطهَّروا) لتُوُهِّمَ أنَّ الظَّرفَ صفةٌ لـ(رجال)، و(يحبُّون) وما بعدها خبرٌ، على معنى: أنَّ الرجال الذين فيه يحبُّون أن يتطهَّروا، ولا سِيَّما أنَّ الحاجَةَ داعيةٌ إلى وصفِ المسند إليه؛ لوقوعه نكرةً، ولكنَّ المرادَ الإخبارُ عن الرِّجال بالحصول في المكان، لا بالمحبَّة للتطهُّر، فقدَّم المسند لإدراك هذه الغاية.

وكقول حسَّان بن ثابت مادحًا الرسول (صلَّى الله عليه وآله):

له هِمَمٌ لا منتهى لكبارها      ***     وهِمَّتُهُ الصُّغرى أجلُّ من الدَّهرِ

له راحةٌ لو أنَّ مِعشارَ جودِها ***     على البَرِّ كان البَرُّ أندى من البحرِ

أي: أنَّ هِمَمَهُ الكبيرة لا يحصيها عدٌّ، ولا يحيط بها وَهْمٌ، وأنَّ صُغرى هممه فوق همَّة الدَّهر، بمعنى أنَّ هِمَّةَ الدَّهرِ – على عظم خطره – لا يفلُّ من عزيمته، ولا يحول دون إرادته. والشَّاهدُ تقديم (له) على (همم) و(راحة) وهي خبرٌ، ولو قال: (هممٌ له، وراحةٌ له) لتوَّهَمَ السَّامعٌ ابتداءً أنَّ (له) في كِلا المثالَين نعتٌ، وأنَّ الخبرَ سيُذكَرُ فيما بعد، وذلك لأنَّ حاجة النَّكرة إلى النَّعت أشدُّ من حاجتها إلى الخبر

  • التَّفاؤل بتقديم ما يُسِرُّ، كقول الشَّاعر:

سَعِدَتْ بِغُرَّةِ وَجْهِكَ الأيَّامُ      ***     وتَزَيَّنَتْ بِبَقَائِكَ الأعْوَامُ

فقد قدَّمَ فعل السَّعادة لإدخال السُّرور على قلب المخاطب.

  • المساءة نكايةً بالمخاطب، كقول المتنبِّي:

ومِنْ نَكَدِ الدُّنْيَا على الحُرِّ أنْ يَرَى      ***     عَدُوًّا لَهُ ما مِنْ صَدَاقَتِهِ بُدُّ

قدَّم المتنبِّي المسندَ (ومن نكد) على المسند إليه – المصدر المؤوَّل المقدَّر بـ(رؤية) – لإظهار أنَّه مستاءٌ من المخاطب مريدًا إغضابه، وتقدير الكلام: رؤية الحرِّ عدوًّا لا بُدَّ من صداقته هو من نكد الدُّنيا وإيلامها.

  • الدَّلالة على الوعد والضَّمان، كقوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ}[19]. وذلك أنَّ الملك أراد أن يفسّر له الرُّؤيا التي رآها، فضمن له الذي نجا من السِّجن مِمَّن كان مع يوسف (عليه السلام) فأخرج الكلام مخرج التأكيد؛ ضمانًا للوعد الذي قاله.

 

وهناك الكثير من الدَّواعي والأغراض للتَّقديم يذكرونها أربابُ هذا العلم في مصنَّفاتهم، سواء المختصَّة بالمسند إليه، أو بالمسند، أو بمتعلِّقات الفعل، أو العامَّة لها كلَّها. ولا بأس بالإشارة إلى أنَّ هذه الدَّواعي ليست منحصرةً، بل هي من نتاج تأمُّل أصحاب النَّظر والتَّدبُّر، فهي استقرائيَّةٌ وليست على سبيل الحصر.

ونحنُ في المقام نُعرِضُ عن ذكرها وتعدادها، فمن أراد فليرجِعْ إليها في مظانِّها. ولكن لنا حديثٌ عن الغايةِ الأولى والأخيرة للتَّقديم؛ التي تتفرَّع عليها جميع هذه الأغراض والدَّواعي التي ذُكِرَت، والتي لم تُذكَر كذلك، ألا وهي (الاهتمام والعناية)، وينبغي التَّقديم لها بكلامٍ لِعَلَمَين من أعلام البلاغة؛ أحدهما من المتقدِّمين، والآخر من المعاصرين. يقولُ عبدُ القاهر الجرجانيّ في «دلائل الإعجاز»: “وقد وقع في ظنون النَّاس أنَّه يكفي أن يقال إنَّه قُدِّمَ للعناية ولأنَّ ذِكْرَهُ أهمُّ، من غير أن يذكر من أين تلك العناية، ولِمَ كان أهمَّ. ولِتَخَيُّلِهِمْ ذلك قد صَغُرَ أمرُ التَّقديم والتَّأخير في نفوسهم، وهَوَّنوا الخَطْبَ فيه، حَّى إنَّك لَتَرى أكثرهم يرى تتبُّعَه والنَّظر فيه ضَربًا من التكلُّف، ولم تَرَ ظنًّا أزرى على صاحبه من هذا وشبهه”[20]. ويقول الدكتور فاضل السَّامرائي في «التعبير القرآني»: “فإذا أردت أن تبيِّنَ أسباب هذا التَّقديم أو ذاك فإنَّه لا يصحُّ الاكتفاء بالقول إنَّه قدَّم هذه الكلمة هنا للعناية بها والاهتمام دون تبيين موطن هذه العناية وسبب هذا التَّقديم.

فإذا قيل لك مثلاً: لماذا قدَّم اللهُ السَّماءَ على الأرض هنا؟ قلتَ: لأنَّ الاهتمام بالسَّماء أكبر. ثم إذا قيل لك: ولماذا قدَّمَ اللهُ الأرضَ على السَّماء في هذه الآية؟ قلتَ: لأنَّ الاهتمام بالأرض هنا أكبر. فإذا قيل لك: ولماذا كان الاهتمام بالسَّماء هناك أكبر وكان الاهتمام بالأرض هنا أكبر؟

وجب عليك أن تبيِّن سبب ذلك وبيان الاختلاف في الموطنَين، بحيث تبيِّن أنَّه لا يصحُّ أو لا يحسن تقديم الأرض على السَّماء فيما قُدِّمَت فيه السَّماء، أو تقديم السَّماء على الأرض فيما قُدِّمَت فيه الأرض بيانًا شافيًا. وكذلك بقيَّة المواطن الأخرى. أمَّا أن تكتفي بعبارة أنَّ هذه اللَّفظة قُدِّمَت للعناية والاهتمام بها فهذا وجهٌ من وجوه الإبهام، والاكتفاء بها يُضَيِّعُ معرفةَ التَّمايُز بين الأساليب فلا تعرف الأسلوب العالي الرَّفيع من الأسلوب المهلهل السَّخيف، إذ كلُّ واحدٍ يقول لك: إنَّ عنايتي بهذه اللَّفظة هنا أكبر، دون البصر بما يستحقُّه المقام وما يقتضيه السِّياق.

إنَّ فنَّ التَّقديم فنٌّ رفيعٌ يعرفه أهلُ البصر بالتَّعبير والذين أوتوا حظًّا من معرفة مواقع الكلام وليس ادِّعاءً يُدَّعى أو كلمةً تقال.

وقد بلغ القرآنُ الكريم في هذا الفنِّ – كما في غيره – الذّروة في وضعِ الكلمات الوضعَ الذي تستحقُّه في التَّعبير بحيث تستقرُّ في مكانها المناسب. ولم يكتفِ القرآنُ الكريم في وضع اللفظة بمراعاة السِّياق الذي وردت فيه، بل راعى جميع المواضع التي وردت فيها اللفظة، ونظر إليها نظرةً واحدةً شاملةً في القرآن الكريم كلِّه. فنرى التعبير متَّسِقًا متناسقًا مع غيره من التعبيرات كأنَّه لوحة فنِّيَّةٌ واحدة مكتملة متكاملة.

إنَّ القرآن الكريم دقيقٌ في وضع الألفاظ ورصفِها بجنب بعضٍ دِقَّةً عجيبةً، فقد تكون له خطوط عامَّة في التَّقديم والتَّأخير، وقد تكون هناك مواطن تقتضي تقديم هذه اللفظة أو تلك، كلُّ ذلك مُراعًى فيه سياق الكلام والاتِّساق العام في التعبير على أكمل وجهٍ وأبهى صورةٍ”[21].

بعد إيراد هذَين النَّصَّين كمُقدَّمة لما سأورده، ننتقلُ لآخر فقرةٍ من فقرات هذا البحث، أوردُ فيه عِدَّةَ تطبيقاتٍ تكشفُ لنا شيئًا من جماليَّة هذا المبحث الرَّائع، فلربَّما كانت بعض القواعد السَّابقة غير مُجْلِيَةٍ لأصلِ هذا المبحث. ولا بأسَ بأنْ أذكرَ أنَّني قد جمعتُ عِدَّةَ تطبيقاتٍ من كتب التَّفسير البلاغيّ، وهذَّبتُها بالنَّحو التَّالي:

  • التطبيق الأول: قال الله (عزَّ وجلَّ) في سورة النَّمل: {وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ}[22]، (فَهُمْ يُوزَعُونَ): أي فهم يجمعون في مكان جامع، ويُرتَّبون صفوفًا ويُسوَّونَ بانتظام، للقيام بما يُكلَّفون من أعمال أو للاستعراض. وأصلُ الوزع: الكفُّ والحبس، والمراد: كفُّهم – بترتيبهم صفوفًا منتظمة – عن التفرُّق والانتشار، ومعلومٌ أنَّ الجنود حين يُجمعون صفوفًا مُسوَّاة منتظمة يسهل توجيه الأوامر والنَّواهي لهم للتحرُّك والتوقُّف.

وقد جاء تقديم المسند إليه في هذه الجملة لتأكيد الخبر باعتباره أمرًا غريبًا، إذ من المستغرب أن يُجمَعَ جيشٌ واحدٌ في مكانٍ جامع، ويُنَظَّم صفوفًا مُسوَّاةً، وأن يكونَ جنود هذا الجيش من الجنِّ والإنس والطَّير. مع ما في تأخير المسند من داعٍ جماليٍّ في اللَّفظ، وهو مراعاة التَّناظر في رؤوس الآيات.

  • التطبيق الثاني: قال الله تعالى: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ}[23]، وكان الأصل أن يُقال: (كذلك يطبع الله على قلبِ كلِّ متكبِّرٍ جبَّار)، ولكنَّه عَدَلَ إلى هذا التَّعبير لفائدةٍ لا يؤدِّيها التَّعبير المفترض، ذلك أنَّ التَّعبير القرآنيّ أفادَ معنيَين، الأوَّل: أنَّه يطبع على قلب المتكبِّرين عمومًا، فهو يشمل قلب كلَّ متكبِّرٍ جبَّار وهو ما يُفهم ابتداءً من الآية. والثاني: أنَّه يطبع على كلِّ قلبه وليس على جزءٍ منه، فيكون الطَّبع على كلِّ قلبه وعلى كلِّ القلوب، فيكون الطَّبع عامًّا مستغرِقًا للقلب كلِّه لا يدع منه شيئًا وأنَّه مستغرِقٌ لقلوب المتكبِّرين الجبابرة عمومًا.
  • التطبيق الثالث: تقديم لفظ (الضَّرر) على (النَّفع) وبالعكس. قالوا: إنَّه حيث تقدَّم النَّفع على الضَّرر فَلِتَقَدُّمِ ما يتضمَّنُ النَّفع، قال تعالى: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ}[24] فقدَّم النَّفع على الضَّرر؛ وذلك لأنَّه تقدَّمه في قوله: {مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}[25] فقدَّم الهدايةَ على الضَّلال، وبعد ذلك قال: {وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ}[26] فقدَّمَ الخيرَ على السُّوء، ولذا قدَّم النَّفعَ على الضَّرر؛ إذ هو المناسب للسِّياق.

وقال: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ}[27] فقدَّم الضَّرر على النَّفع، وقد قال قبل هذه الآية: {وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ}[28]، وقال: {وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ}[29]، فقدَّم الضُّرَّ على النَّفع في الآيتَين، ويأتي بعد هذه الآية قوله: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ}[30] فكان المناسب تقديم الضَّرر على النَّفع ههنا.

  • التطبيق الرَّابع: قال اللهُ تعالى: {فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ}[31]، فقدَّم الجارّ والمجرور (عليه) على نائب الفاعل، في حين قال: {أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ}[32]، فلم يقدِّم الجارّ والمجرور، وإنَّما جاءت الآية على الأصل، وذلك إنَّ الكلام في «الزُّخرف» على موسى (عليه السَّلام)، قال تعالى على لسان فرعون: {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ * فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ}[33] فناسب تقديم (عليه) – أي: على موسى – لأنَّ السِّياق في ذكره.

في حين أنَّ الكلام جرى في سورة «القمر» على الأصل، ذلك أنَّ السِّياق هو في التَّكذيب بالنُّذُر، ومدار التَّكذيب قائمٌ على إنكار إنزال الذِّكر عليهم {أَؤُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ}، فالمسألة أصلاً في إنكار الإيمان بالنُّبُوَّةِ وإنكار أنَّ الله أوحى إلى بشرٍ ليبلِّغوا عنه، ولا يختلف الإنكار باختلاف الشَّخص المرسَل، فإنَّ الاختلاف ليس على الشَّخص وإنَّما على أصل المسألة، في حين كان السِّياق في «الزُّخرف» في المفاضلة بين شخصَين: موسى وفرعون {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ} فناسب تقديم ما قُدِّمَ.

  • التطبيق الخامس: يقولُ الله تعالى في سورة «فاطر»: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}[34]، ويقول (عزَّ اسمُهُ) في سورة «غافر»: {وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ}[35].

فقد قدَّم الكتابَ على الحملة في آية «فاطر» وقدَّم الحملةَ على الكتاب في آية «غافر»، ذلك أنَّ الكلام في آية «فاطر» على الكتاب، فقد قال قبل هذه الآية: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ}[36]، وقال: {وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ}[37]، ثمَّ قال: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}، فالكلام على الكتاب كما ترى.

في حين أنَّ الكلام في «غافر» على حَمَلَةِ الهدى والمنذَرِين به، فناسب تقديمهم فقد بدأت الآيات بقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ * إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ}[38]، فموسى هو حامل الرِّسالة، وفرعون وقومه هم المبلَّغون بها، وقد قُدِّمَ موسى على الآيات. ثم يستمرُّ الكلام على فرعون وقومِه وموقفهم من موسى من نحو قوله: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ}[39]، {وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ}[40]، {وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ}[41]، ويستمرُّ الكلام على موسى وفرعَون وقومه إلى أن يختمه بقوله: {وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ}[42].

فقدَّم موسى على الهدى ههنا، كما قدَّمه في بدء الكلام على (الآيات) بقوله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا}. ثمَّ إنَّ الأنبياء ينبغي أن يكون لهم ورثة يبلِّغون عنهم بعدهم فقال: {وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ} فكما قدَّم موسى قدَّم بني إسرائيل، وكما أخَّر الهدى أخَّر الكتاب.

أضِف إلى ذلك كلِّه أنَّ السِّياق هو في الكلام على حامل الرِّسالة والناس الذين حملت إليهم، فاقتضى تقديم بني إسرائيل على الكتاب في آية «غافر» كما اقتضى تقديم الكتاب على المصطفين في آية «فاطر».

  • التطبيق السادس: قوله تعالى: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ * وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ}[43]، فقدَّم القتل على الموت في الآية الأولى، وقدَّم الموت في الآية التي تليها، وسبب ذلك – والله العالم – أنَّه لمَّا ذكر في الآية الأولى {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} وهو الجهاد، قدَّم القتل إذ هو المناسب؛ لأنَّ الجهاد مظنَّة القتل، ثمَّ هو الأفضل أيضًا ولذا ختمها بقوله: {لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ} فهذا جزاء الشَّهيد ومَن مات في سبيل الله.

ولمَّا لم يقُلْ في الثَّانية: {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} قدَّم الموتَ على القتل؛ لأنَّه الحالة الطَّبيعيَّة في غير الجهاد ثم ختمها بقوله: {لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ}؛ إذ الميِّت والمقتول كلاهما يحشرُهُ الله إليه، فشتَّان ما بين الخاتمتَين. فلم يزد في غير الشَّهيد ومَن مات في سبيل الله على أنْ يقولَ: {لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ} وقال في خاتمة الشَّهيد: {لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ} فوضع كلَّ لفظةٍ الموضعَ الذي يقتضيه السِّياق.

  • التطبيق السابع: قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا}[44]، فهو بيانٌ أنَّ الله لا يستحي أن يضربَ مثلاً ما، أيًّا كان ذلك المثل على جهة العموم، ولو قال: (إنَّ الله لا يستحي أن يضرب بعوضةً فما فوقها مثلاً) لتخصَّص ذلك بالبعوضة فما فوقها، ولم يتَّسِع اتِّساع التَّعبير الأوَّل، فاتَّسع بالتَّقديم ما لا يتَّسِع بالتَّأخير.

نكتفي بهذا القَدَرِ اليسير، فليرجع إلى المطوَّلات وكتب التفسير البيانيّ.

[1] المنطق، للشيخ محمد رضا المظفَّر، ص32.

[2] سمعتُ من أستاذنا الأديب سماحة الشَّيخ صالح بن جعفر الجمريّ (دامت بركاته): أنَّ العلماء سابقًا كانوا يدرسون النَّحو مع البلاغة في آنٍ واحدٍ؛ لأنهما كالرُّوح والجسد، فالقواعد النَّحوية بمثابة الجسد، والمعاني البلاغيَّة بمثابة الرُّوح، ولكن مع تقادم الأيَّام صار تدريس كلِّ واحدٍ مستقلاًّ.

[3] يراجع في ذلك مثلاً: الطِّراز، ليحيى بن حمزة اليمنيّ، ج2، ص33 وما بعدها.

[4] الفضلة: هي كلُّ أمرٍ زاد على المسند والمسند إليه.

[5] الجملة العربيَّة: تأليفها وأقسامها، للدكتور فاضل السَّامرَّائيّ، ص35.

[6] نظمَ ابنُ مالكٍ الأندلسيّ منظومةً في النَّحو تقع في ثلاثة آلاف بيتًا أو يزيد، ثمَّ لخَّصها في ألفٍ بيتٍ تقريبًا وسمَّاها (الخلاصة)، واشتُهِرَت بـ(الألفيَّة)، وهي المعروفة في أوساط أهل اللُّغة العربيَّة وعليها مدار الشَّرح والتَّدريس منذ يومها إلى الآن.

[7] شرح ابنُ عقيل، ج1، ص183.

[8] شرح ابنُ عقيل، ج2، ص69.

[9] البرهان في علوم القرآن، لبدر الدين الزركشي، ج1، ص75.

[10] محمد:24.

[11] غافر:28.

[12] الأنعام:151.

[13] الإسراء:31.

[14] الحجرات:13.

[15] التوبة:20.

[16] الكافرون:6.

[17] الصَّافات:47.

[18] التوبة:108.

[19] يوسف:45.

[20] دلائل الإعجاز، لعبد القاهر الجرجانيّ، ص149.

[21] التعبير القرآني، للدتور فاضل السامرائي، ص52-53.

[22] النمل:17.

[23] غافر:35.

[24] الأعراف:188.

[25] الأعراف:178.

[26] الأعراف:188.

[27] يونس:49.

[28] يونس:11.

[29] يونس:12.

[30] يونس:50.

[31] الزخرف:53.

[32] القمر:25.

[33] الزخرف:52-53.

[34] فاطر:32.

[35] غافر:53.

[36] فاطر:29.

[37] فاطر:31.

[38] غافر:23-24.

[39] غافر:26.

[40] غافر:27.

[41] غافر:28.

[42] غافر:53.

[43] آل عمران:157-158.

[44] البقرة:26.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *