الرئيسية / دراسات وبحوث / الله موجود.. ثُمَّ ماذا؟

الله موجود.. ثُمَّ ماذا؟

000

يقال في مقام الجواب: الله موجود، وعلى الإنسان أن يعمل لنيل رضاه والفوز بالجنة.

فيُقال: وعلى أيِّ القوانين يعمل؟ وكيف يعمل دون أن يفهم؟

فيُجاب: لقد أمرنا رسولُ اللهِ (صلَّى الله عليه وآله) أن نتَمَسَّكَ بالثقلين، فنكون على الهدى وننال رضاه سبحانه وتعالى.

فيُقال: وكيف نفهم الثقلين فهمًا حكيمًا مُحكَمًا لنتمسَّك بهما تمسُّكًا صحيحًا مُنجيًا؟

ويستمرُّ الجدل بين كذا وكيف، ولا أظنُّ نتيجةً تثمر فتستريح لها قلوب الطالبين للعلم والمعرفة؛ فما أعتقده هو وجود خللٍ في العمق البنائي للفكر العام، وهذا ما أحاول توضيحه تاليًا إن شاء الله تعالى.

تتحرَّكُ القيادات النظرية والعملية في الأمم المُتسلِّطة من خلال أطرٍ فلسفية أبدعها مُفَكِّرون بعد كثير تأملٍ وتدبر للإنسان فردًا ومجتمعًا، في تاريخه وحاضره ومستقبله، وبالبناء عليها صيغت السياسات ورُسِمَت خرائط الخطط على الآماد الثلاثة، القصيرة، والمتوسطة، والبعيدة. ومن الواضح أنَّها في الجملة تهتم بالدنيا وإن آمن بعض من أربابها بيوم آخر، وهذا ما تبلور سريعًا خلال وبعد عصر النهضة (بين القرنين 14 و17 الميلادي).

في الجانب الآخر اهتم علماءُ الإسلام بالإعمال الفلسفي في إثبات الخالق (جلَّ في علاه) وأسمائه وصفاته، وهي بحوث عالية لا شكَّ في كونها الأصل والأساس لأي فِكرٍ ينشد الاستقامة، ولكنَّ المُشكِل الذي زَاحَمَنَا فِكرًا هو الوقوع تحت سيطرة الآثار العقلية التي تميَّزت بها بعض الأمم منذ العصور القديمة، كاليونان والهند وفارس والروم، وهذا في حدِّ ذاته لا أراه مشكلة إلَّا أن يكون المُكتَسب طرفَ القياسِ في معارفنا، وتبقى المشكلة قائمة حتَّى لو قلنا بثبوته عن اجتهاداتنا الفكرية؛ إذ أنَّ نفس هذا الاجتهاد قد لا يسلم من التأثر سالف الذكر.

وهنا أُشير إلى أنَّ التأثر المقصود في المقام ليس تهمة، فهو في الواقع نتاج ضغط سياسي واقتصادي واجتماعي وفكري شديد تعرَّض له معتنقو الحق منذ اليوم الأول لبروز اسم عليٍّ (عليه السلام) على خط الدعوة المحمَّدية المباركة.

أرى أنَّ انحصار الشغل الفلسفي عندنا في العناوين الكلامية (التوحيد، النبوة، العدل، الإمامة، المعاد)، مع التأثر الذي أشرت إليه، أبعَدَنا كثيرًا عن البحث المعمَّق في فلسفة الخِلافة الأرضية من الله تعالى للإنسان (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)، وربَّما لا نتمكَّن من تحقيق نقلات نوعية صحيحة ما لم نقم بمراجعة بعض مبانينا الفلسفية والكلامية، وهذا ما أحاول إثارة بعض من مسائله في السطور التالية.

يبحثُ علماؤنا الكرام مفهوم الوجود في بداية مباحث الكلام، ويثبتون له الاشتراك المعنوي، فيكون من جهة مفهوم الوجود لا فرق بين واجب الوجود وممكن الوجود، ولا محذور في المقام لكون الاشتراك مفهومي، والمفهوم محلُّه الذهن، وإنَّما يقع الإشكال لو كان الاشتراك المقصود على مستوى المصاديق الخارجية.

أناقش هنا في جهتين:

الأولى: واجب الوجود لذاته هو غير المسبوق لا بعلَّة ولا بعدم، وطبيعة المعلول تحدِّدُها طبيعَةُ علَّته، فإذا استغنى الموجود في وجوده عن علَّة مُوجِدَة امتنع حدُّه لاستغنائه عن عِلَّة التحديد وهي العِلَّة المُوجِدة، وبذلك يثبتُ الغِنى المطلق لواجب الوجود لذاته، فيمتنع (العِلمُ) به لامتناع مجرَّد تفكير المحدود مطلقًا بالغني مطلقًا، فينفصل تمامًا البحثُ في الممكن عن البحث في الواجب، ولا يستقرُّ القولُ بالاشتراك المعنوي.

الثانية: قالوا عن الوجود الذهني أنَّه محلٌّ لحضور المُدْرَك الخارجي، ومنهم من قال: انتقاش، ومنهم من قال: انطباع، ومنهم من قال أنَّه حضور شبحي، وغير ذلك.

أقول: عندنا مُدرَكٌ ومُدرِكٌ، فإدراكٌ، ثُمُّ حصولُ علمٍ.

مثال: يُدرِكُ الذهِنُ البحرَ -مثلًا- عن طريق الباصرة (العين)، فتحدث عملية يتبعها عِلمٌ بالبحر.

السؤال هنا: ما هي حقيقةُ انتقال المُدرَك الخارجي إلى الذهن، وكيف حصل بعد ذلك العلم؟

ينبغي الانتباه إلى أنَّ الإدراك مستحيلٌ ما لم يلتق المُدْرَكُ بمادَّةٍ علميَّةِ أوَّليَّةٍ التقاءً عِلِّيًا لإدراكها وحصول العلم من بعد ذلك، ولا يُمكِن تحليل المُدرَك ما لم تتوفَّر في جهة الإدراك مادَّة يُحلِّلُ على أساسها؛ فالإدراك والتحليل وكافَّة العمليات الذهنية والعقلية والتعقلية إنَّما ترجع في أصل عملها إلى المقارنة، وإلَّا لكان الإنسانُ أعمى وإن رُكِّبتْ فيه ألفُ عين!

أقول: الإدراكُ هو مطابقةٌ حتمية بين المُدْرَك وبين تركيب ذهني معلول لعملية تحليلية عقلية، ومادَّة التحليل هي مطلق المفردات التي تتركب منها الموجودات الخارجية، ووجودها في الذهن وجود أصلي تكويني، وكلَّما كانت العملية التحليلية أدق، كلَّما صحَّت المطابقة.

مثال: تنقل العينُ كلَّ ما تُدرِكه من هذا المُشخَّص في الخارج، وليكن (كرسي)، وعندها يعمل العقل على استخراج ما ترَكَّبَ منه (الكرسي) بحسب ما وَلَّدَتْهُ القوةُ الإدراكية، فالإدراك هو في الواقع عملية استثارة لما هو موجود تكوينًا في وعاء الفِكر، وقد يساعد على هذا المعنى قول أمير المؤمنين (عليه السلام): “بعث فيهم رُسُلَهُ وَوَاتَرَ إليهم أنبِيَاءَهُ، ليسْتَأدُوهُم مِيثَاقَ فِطْرَتِه، ويُذَكِّرُوهم مَنْسِيَّ نِعمَتِهِ، ويَحْتَجُّوا عليهم بالتبليغ، ويُثِيرُوا لهم دَفَائِنَ العُقُولِ”، والشاهد إضافة لما تفيده عبارات الحديث، هو قوله (عليه السلام): ” ويُثِيرُوا لهم دَفَائِنَ العُقُولِ”، كما ويصحُّ تمامًا -في نظري- الاستناد المباشر لآيات المواثيق، من قبيل قوله تعالى (وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)، وقوله جلَّ في علاه (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ)؛ حيث إنَّ العلم -كما هو واضح -موجود فعلًا في إنسان تلك النشأة.

ومن هنا، أقول: يُصرِّح الكتابُ العزيزُ بشدَّةِ العِقابِ الذي يتوعَّدُ اللهُ تبارك ذكره الكافرين، وبالنظر الدقيق لا منطق في قبول إنسانٍ دعوى آخر حتَّى لو جاء له بمعجزة؛ فالسَحَرَةُ والمشعبِذُون يأتون بالأعاجيب الذي تُذهل العقول، ولكن ثمَّة فرق دقيق بين أفاعيل السحرة ومعاجز الأنبياء، وهو أنَّ المطابقة الوجدانية بين المُدْرَكِ من السحرِ وبين العِلم التكويني في الإنسان يكشف عن كونه سِحرًا، وأمَّا المطابقة بين المعجزة النبوية ونفس العلم التكويني كاشفة عن كونه حقًّا، ولا ضمانة في المقام إلَّا ضمانة السلامة النفسية.

عن سليمان بن جعفر الجعفري، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، قال: قال لي: “يا سُليمَان، إنَّ الله تبارك وتعالى خلق المؤمِنين مِنْ نوره، وصبغهم في رحمته، وأخذ ميثاقهم لنا بالولاية، فالمؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمِّه، أبوه النور وأمُّه الرحمة، فاتَّقُوا فِرَاسَةَ المُؤمِنِ، فإنَّه ينظُرُ بنور الله الذي خُلِقَ مِنْهُ”.

وفي جانب سخطه تعالى على المُكذِّبين يقول سبحانه (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ)، وما يظهر للنظر هو أنَّ الجحودَ عمليٌّ، في حين أن الاستيقان نظري محلُّه النفس، وهي الجهة التي نراها محلًّا للعلم المجعول تكوينًا في الإنسان.

والنتيجة أنَّ الوجود الذهني هو في الواقع نشأة وجودية في طول الوجود الخارجي، فما أمكن في أحد النشأتين أمكن في الأخرى، وما امتنع امتنع، وما يُقال هنا يقال هناك، ولا فرق إلَّا في خصائص كلِّ نشأة، فحرارة النار خارجًا هي هي ذهنًا، ووجودها يليق بكلِّ نشأة توجد فيها، والإحراق الفيزيائي من خصائص نشأة الوجود الخارجي، فلا يأتي إشكال عدم احتراق الذهن بالنار.

قد يُقال: كيف تقولون بالمطابقة المطلقة بين الخارج والداخل، في حين أن الذهن يتصور العدم، ومن أمثلته تصور الجاهل، وهو صفة عدمية، وتصور العمى، وهو أيضًا عدم الإبصار؟

أقول: بغض النظر عن تقسيم المعقولات، وما قيل في الاتصاف العروض بين قسمي المعقولات الثانية (الفلسفية والمنطقية) -من شاء فليراجع المختصرات حول تقسيمات المعقولات إلى أولية وثانية-، فإنَّ المثالين لا عدم فيهما.

أمَّا الجهل في قِلَّة العِلم، كما أنَّ القِصر قلَّة الطول، والظلمة قلَّة النور، وهكذا، فإنَّ قولنا: فلان جاهل، هو في الواقع قول بقلَّة علمه، وهو أمر وجودي وليس عدمي.

وأمَّا القول بالعمى، فالبصر في الواقع تعبير عن جارحة خاصة بجهة من جهات النفس المُدرِكة، وفقدانه ليس حالة عدمية كما قد يُظن، ولكنَّه رجوع إلى الحالة الأولى، وهي حالة النفس دون إضافة آلة الإدراك وهي العين الباصرة، وبالتالي فالعمى هو عدم العين الباصرة، ودوران الأمر في نفسها بين الوجود واللا وجود، ونسبة العمى للإنسان نسبة مجازية؛ حيث إنَّ الإنسان لا يعمى، بل هو مُدرِكٌ ذاتًا، والعمى هو رفع الزائد وهي العين الباصرة.

وهكذا بالنسبة لكلِّ ما يحسبه البعض عدمًا يقال باستحالته خارجًا فيجيزونه ذهنًا.

من الأخطاء التي وقعت فيها الفلسفة -في نظري- هو اعتماد الخارج تارة والمُدرِكُ تارة أخرى معيارًا في القياس، في حين أنَّ الذي أراه حقًّا هو معيارية الحقيقة الأوَّلية، وهي منطقة الخلق الأولى، وبحثها يأتي في محلِّه إن شاء الله تعالى.

بذلك، لا يبقى مجالًا للقول بالاشتراك المعنوي للوجود، ولا يستقيم القول بالفصل على نحو العرضية بين الوجودين الذهني والخارجي، بل ما أقوله هو الطولية المطلقة بين الوجودات المتعدِّدة بحسب النشئات، وهذا أيضًا يأتي بحثه في محلِّه إن شاء الله تعالى.

تَتَرَتَّبُ على هذا النظرِ أمورٌ، أذكر منها أمرًا واحِدًا ثُمَّ أصل إلى الخلاصة المطلوبة من هذه السطور.

يتحدَّث العلماء عن الوجود بالقوة والوجود بالفعل، فيقولون -مثلًا-: الإنسانُ قبل أن يتعلَّم هو في الواقع عالم بالقوة، وإذا تعلَّم يكون عالِمًا بالفعل.

فنطرح السؤال التالي:

ما معنى القوة في قولكم (عالم بالقوة)؟

فيجاب: هو الاستعداد للعلم، وهو قابلية أن يكون عالمًا.

فنقول: ما هو هذا الاستعداد، وما هي هذه القابلية؟ أي: كيف يكون مستعِدًّا وقابِلًا، وكيف تتمُّ العمليَّةُ فينتقل العلم من القوة إلى الفعل؟

بالبناء على ما نذهب إليه من حقيقة مطلق الوجود العلمي في الإنسان، فإنَّ القوة في الواقع هي نفسُ المُدْرَك مكنونًا في النفس بحسب نشأتها، والتعلُّم هو استثارة المكنون، وبالتالي فالتحول من القوة إلى الفعل هو في الواقع تحول للمعلوم من منطقة الكمون إلى منطقة الفعل والانفعال، والمنطقتان في نفس الإنسان كما مر.

سؤال المُحصلة:

ما هو حجم المسؤولية التي يتحمَّلها الإنسان تجاه نفسه في هذه الدنيا؟

كلُّ الحقِّ موجودٌ داخل الإنسان، وإنَّما مسؤوليته في إعمال قواه للمطابقة الصحيحة بين الخارج والداخل، ولا سبيل إلى ذلك إلى باستثارة المكنون، وهذه الاستثارة إذا كانت بحسب الموازين الصحيحة، فهي عِلَّة التعقل والتفكر والتدبر بحسب التعبير القرآني؛ إذ أنَّ المطاوعة -وهي دلالة صيفة تَفَعَّل- تُتَصور في المطابقة بين المُدرَكِ وما يختزنه المُدرِك من العلم التكويني.

تتضح بذلك قيمة الحركة العلمية، وهي فلسفة الخلافة في الأرض، وبما أنَّ الخلافة الأرضية جعلٌ إلهي، فلا يصح أن يصبَّ الحِراكُ العلمي والمعرفي من الإنسان في غير المشروع الإلهي، وغايته الكبرى في قوله تعالى (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)، فتنتفي أولى المباني الفكرية المتسالم عليها في عصورنا، وأقصد مبنى قياس صحة العمل على نتيجته، ففي فلسفتنا الإسلامية لا نتيجة مرجوة قبل ظهور الحق الأعظم على يد صاحب الأمر (أرواحنا فداه)، كما وأنَّ التوقف عن العمل في هذا الطريق مخالفة صريحة لأصل فلسفة الخلافة في الأرض، ومن هنا تحديدًا ينطلق بناؤنا الفلسفي.

 

السيد محمَّد علي العلوي

غرَّة شعبان 1438 هجرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *