الرئيسية / مقالات / العقيدةُ في قِبَالِ مَقُولَتَيّ: التوريث، والحرية

العقيدةُ في قِبَالِ مَقُولَتَيّ: التوريث، والحرية

00000

دعونا نأخذها من مختلف الاتِّجاهات..

القائلون بأصالة الفوضى ينتهون إلى أنَّ نفسَ الفوضى التي يقولون بها آلت إلى منظومة وجودية تتكامل في إطار عامٍّ لا تحيد عنه، وإن حادت ففي داخل نفس التصارع المتحرِّك من الفوضى إلى النظام، وبالتالي فإنَّ كلَّ حركةِ فوضى تعود نظامًا، وهكذا هو الإطار العام الذي يحافظ على الحركة، سواء قلنا بتكاملها أو بتردُّدِها غير المُضبط بين التكامل والانحدار.

يذهب بعضٌ من أصحاب هذا الاتِّجاه إلى تبعية المجتمع البشري لقانون الفوضى المتبوعة بانتظامٍ ففوضى فانتظام، وهكذا..، وقد استغلَّ بعضُ السياسيين هذه النظرية في إبداع ما أسْمَوه بالفوضى الخلَّاقة (creative chaos)، ويقوم فيها مُتَوَارُونَ بإحداثِ فوضى لِغَرَضِ الانتهاء من خلالها لتعديلات سياسية معيَّنة.

الشاهد في موضوعنا هو أنَّ هذا التحريك والسَوق في اتِّجاه الفوضى حصرٌ ثقافي بحسب إرادة من بيده صناعة الحدث، وبالتالي فحتَّى هذه الفوضى هي في واقعها قانون يُدَانُ بِمُوجِبِهِ الخَارِجُ عن (منظومة الفوضى)!

أصحاب نظرية الحرية الفكرية الأعم من الدينية والسياسية وغيرها (Liberalism)، هم في الواقع يفرضون نظامهم الخاص، فيُدَانُ عندهم من يُمارِس حُريَّته في توريث عقيدته لأولاده مثلًا، ويُتَّهم الأولادُ بالصنمية والتخلف والانغلاق إذا كبروا ولم يقبلوا بترك ما ورِثُوهُ عن آبائهم!

فليذهب الناسُ إلى أبعد من ذلك، وليتركوا رضعانهم عرايا ودون تعليمٍ أو أيِّ شيءٍ غير الإطعام، والغاية أن يُبعِدُوهم عن كلِّ ما قد يؤثر في خياراتهم الفكرية، فإنَّ هذا الترك هو في الواقع قانون، قد يُعاقِبُ الوالِدان أولادَهم إن خرجوا عليه!

أحدٌ منهم لم يُخطئ، فمسألة التقنين والتوريث مسألةٌ اجتماعيةٌ طبيعية جدًّا، ولا مفَرَّ من الوقوع في نقض التالي للأوَّل بمجرد التفكير في نفيها والترويج للتملص منها؛ وذاك لكونِها من طبيعيات الاجتماع.

نعم، لا ينبغي أن يكونَ عُنوانُ الحُجَّةِ في اعتناق عقيدة ما هو (حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا)، ولكنَّ هذا لا يُمكِنُ بِحَالٍ مِنَ الأحْوَالِ أنْ يَنْفِي مَدْخَليةَ ما عليه الآباء في تكوين ثقافة الأبناء، وما عليه المجتمع في تكوين ثقافة أفرادِه، وهكذا..

نخلص هنا إلى أنَّ فِكرةَ الحرية في اعتناق العقيدة الدينية أو السياسية أو الاجتماعية أو ما شابه فِكرةٌ متناقضةٌ في أصل بنائها، وليُجَرِّب صاحِبُ أي عقيدة مع أولاده، بل حتَّى مع أصدقائه، أن يتعامل معهم وفق مبدأ الحرية الفكرية المطلقة، فإنَّه لن يصمد أمام أدنى اختلافٍ حقيقي، ويتراجع الصمود أكثر وأكثر كلَّما اقترب الاختلاف من العمق الفكري، وخصوصًا في المجالين الديني والسياسي.

نُسلِّمُ عند هذا الحدِّ بِحرِيَّةِ العقيدة، ولكن ينبغي الانتباه أيضًا إلى موضوعيةِ حُرمَةِ المجتمع في المسألة. فلنلاحظ التالي:

يَنْفَتِحُ الغربُ على حُريات واسِعَةٍ بحسب ما يُناسِب خرائطهم السياسية والاقتصادية بشكل عام، وبالرغم من سعة الحريات في بلادهم، إلَّا أنَّ قيودًا يفرضونها على مُعْتَنِقِي بعض الديانات؛ لمخالفتها قوانين ومقتضيات مساحات الحرية التي يفرضونها، وفي مثل هذه المجتمعات يعيِّنُ اللهُ تعالى للمؤمنين وظيفتهم العملية، فيقول في كتابه العزيز: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا).

إشارةٌ أضعها بين (قوسين):

(يسخرُ (…) من العربيَّ إذا لبس لباسه الشعبي في بلاد الغرب، ويسخرون من المرأة العربية، ولتكن بحرانية، لو لبست رداءها الشعبي (المشمر) في بعض شوارع فرنسا، ولكنَّهم يُدِينُونَ وبشدَّة المسلم في بلاده لو اعترض على تعرِّي الغربية أو غيرها، ويدافعون عنها بحجَّة الحرية! ولا يطلبون من الأشقر لبس الثوب، كما يلبسون من العربي لبس البنطال في بلاد الغرب!).. هل تفهمون وجوه هذه المعادلة؟

وبالقياس على نفس (المِلاك)، فإنَّه يَسُوغُ للحداثي ولليبرالي وللعلماني وللملحد التهجم على الدين والسخرية من آياته والاستهزاء بمعتنقيه، ولكنَّ العكس عندهم لا يصح، بل يكون وفق حساباتهم تخلف ورجعية وانغلاق فكري!

بحسب الموازين الاجتماعية السوية فإنَّ للمجتمعات حُرْمَةٌ ينبغي أن تُحترم، ومِنْ أهَمِّ حُرُمَاتِها خُطُوطُها الثقافيَّة والفكرية والعقدية العامَّة، وهذا لا أقل أن يكون في زمنٍ بلا رايةٍ معصُومَةٍ شَاخِصَةٍ.

أمَّا أن يدخل في المجتمع من يتلون ويراوح ويخطط لضربه في عمقه الثقافي والفكري والعقائدي، باسم الحرية والتعددية، فهذا أمر منتقِضٌ من جهة، ويكشف عن عقلية غير سوية من جِهَةٍ أُخْرَى.

إنَّنا اليوم على عقيدة انتظار الفرج، ولا نحيد عنها إن شاء الله تعالى، ولكنَّ هذه العقيدة متصالحة تمامًا مع ما يقع تحتيًّا في طول قوله تعالى (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ)، ونُكرِّرُ في حدود مجتمعنا، وهو حقٌّ لنا كما هو حقُّ الآخرين في مجتمعاتهم..

نُكرِّرُ: (فَإِنِ انتَهَوْا فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ).

ويأبى قانونُ التباني المجتمعي غيرَ ذلك. فلنتأمل بهدوء كي لا تكون (فتنة).

 

السيد محمَّد علي العلوي

6 شعبان 1438 هجرية

 

   

  

   

 

 

  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *