الرئيسية / مقالات / الإسلام وموجات التشكيك.. تصحيحاتٌ قبل البدء

الإسلام وموجات التشكيك.. تصحيحاتٌ قبل البدء

9

  • بين السهولة والتعقيد:

سمعنا، ونسمع كثيرًا عن ضرورة تقديم الإسلام للناس سهلًا بسيطًا كما هو، دون تعقيدات متعبة وتصعيبات مُنَفِّرة، ثُمَّ أنَّ هذه المطالبات امتزجت باعتراضات جديدة على عموم الخطاب الإسلامي، فهو كما يرى المُدَّعي: هزيل ضعيف سِمَتُهُ البعد عن العقل واعتماد الخزعبلات والخرافات!

الواقع أنَّ الإسلام صعبٌ، ولا يمكنُ تبسيطه إلَّا في إطار المتبوع والتابع، كما هو الحال في مختلف المجالات العلمية، فعوام الناس في الطب -مثلًا- يتَّبعون المختصين، ويبحثون دائمًا عن الأكثر كفاءة وعلمًا حتَّى لو تكرَّرت مصادفتهم لغير الأكفاء، بل وحتَّى لو دفعوا الثمن صِحَةَ حبيبٍ أو عُمْرَ عزيزٍ!

مثل ذلك عندما كان الناس في إسلامهم على خطى العلماء، فهم في الواقع لم يشعروا -غالبًا- بحاجةٍ لِتَعَمُّقٍ فِي العقيدة ولا لِوقُوفٍ على مداركِ الأحكَامِ الفِقهية، ولا للسؤال عن حال حديث مروي من حيث الصحة والضعف. ولكنَّ الحال اليوم مختلف تمامًا في خصوص الإسلام، فلم تعد المعادلة قائمة على متبوع وتابع، ولا أظنُّها تقبل الرجوع إلى ما كانت عليه.

من هنا، أقول: لا تصحُّ اليوم المطالبة بالتبسيط والتسهيل، خصوصًا في مسائل العقيدة، وليس الأمر بخافٍ على ذي اطلاع، فبرنامج تفكيك وضرب المنظومة الاجتماعية الإسلامية بدأت منذ زمن، ولست بصدد التفصيل؛ فالمقام -كما أرى- لا يُناسب.

نواجه -والحال هذه- مشكلة مرهقة تتمثل في مطالبة الناس بفهم ما يُدَرَّس في سنوات بعد دراسة مقدماته الآلية، ومع نفس هذه المطالبة يرفضون التعقيد ويحتجون بعجز العلماء عن التبسيط، بل ويذهب بعضهم إلى البناء على تعمُّد العلماء تعقيد المسائل للمحافظة على حالة من (الكهنوتية) تميزهم عن (عوام) الناس!

وقفتُ على مجموعة من النقوض يطرحها الملحدون على عقيدة التوحيد، وترتكز في بنائها على مسألة المكان والزمان من حيث كونهما مخلوقين أو لا، وإيراد مجموعة من النقوض مع الفرضين.

لاستيعاب وفهم وضبط بطلان هذا النقض، فإنَّ المقام يفتقر إلى مجموعة مقدِّماتٍ تقوم على قواعد كلية هي نتيجة لمقدمات انتهت إليها، ولا أرى إشكالًا في كلِّ ذلك، ولكنَّ الذي نواجهه هو رفض الناس بشكل عام، والمستشكلين منهم على وجه الخصوص للتعاطي الإيجابي مع الطرح العلمي المنهجي، والحجَّة في ذلك -كما مرَّ- التعقيد وعجز العلماء عن تبسيط الأمور، في حين -والكلام بلسان حالهم- أنَّ الإسلام يُفْتَرَض كونه لجميع الناس وليس مقصورًا على العلماء فقط!

من الواضح انحصار جريان كلامهم عن كل شيءٍ ما عدا الإسلام!

في تصوري أنَّه لا خيار اليوم غير الطرح العلمي العميق، ونشره كثقافة تصحح هذه التداخلات غير الواعية بين عناوين المشهد الثقافي العام.

  • كيف ردَّ النبيُّ وأهلُ بيته (عليهم السلام) الشبهات والإشكالات؟

لكلِّ مقامٍ مقال..

  • سُئِلَ أميرُ المؤمنين (عليه السلام) عن إثبات الصانع، فقال: “البعرَةُ تَدُلُّ على البعيرِ، والروثةُ تَدُلُّ على الحميرِ، وآثارُ القَدَمِ تّدُلُّ على المَسيرِ، فَهيكَلٌ علوي بهذه اللطافة ومَرْكَزٌ سُفْلِي بهذه الكثافة كيف لا يَدلان على اللطيف الخبير؟”[1].
  • قال رجلٌ للصادق (عليه السلام): “يا ابن رسول الله، دِلَّنِي على الله ما هو؟ فقد أكثر عليَّ المجادلون وحيروني.

فقال له: يا عبد الله، هل ركبتَ سفينَةً قَطُّ؟

قال: نعم.

قال: فهل كسر بك حيث لا سفينة تنجيك ولا سباحة تغنيك؟

قال: نعم.

قال: فهل تعلَّق قلبُك هنالك أنَّ شيئًا من الأشياءِ قادرٌ على أن يُخَلِّصك من ورطتك؟

فقال: نعم.

قال الصادِقُ (عليه السلام): فذلِكَ الشيءُ هو اللهُ القادِرُ على الإنجاء حيثُ لا مُنْجِي، وعلى الإغاثَةِ حيثُ لا مُغيث”[2].

  • سُئِلَ أبو جعفرٍ الثاني (عليه السلام): “يجوز أن يقالَ لله: إنَّه شيء؟

قال: نعم، يُخرِجُه مِنَ الحَدَّين: حَدِّ التعطيل وحَدِّ التشبيه”[3].

  • قَدِمَ يَهودِي على رسول الله (صلَّى اللهُ عليه وآله وسلَّم) يُقال له (نعثل)، فقال: يا مُحَمَّدُ إنِّي أسألك عن أشياء تلجلج في صدري منذُ حين، فإن أنت أجبتني عنها أسلمتُ على يدك.

قال: سَلْ يا أبا عمارة.

فقال: يا مُحَمَّدُ صِفْ لي ربَّك.

فقال (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم): إنَّ الخالق لا يُوصَفُ إلَّا بِمَا وصف به نفسه، وكيف يوصف الخالق الذي تعجز الحواسُّ أن تدركه، والأوهام أن تناله، والخطرات أن تحدَّه، والأبصار الإحاطة به؟ جَلَّ عمَّا يصفه الواصفون. نأى في قُربِهِ وقَربَ في نأيه، كَيَّفَ الكيفيَّةَ فلا يُقَالُ له كيف، وأيَّنَ الأينَ فلا يُقَالُ له أين. هو مُنْقَطِعُ الكيفية فيه والأينونية. فهو الأحدُ الصمَدُ كمَا وصف نفسه، والواصِفُونَ لا يبلغون نعته. لم يلِد ولم يولد ولم يكن له كُفُوًا أحد”[4].

نلاحظ التمايز بين إفادات المعصومين (عليهم السلام) من حيث السهولة والتعقيد أوَّليًّا، ولا أدري المستوى العلمي للمخاطب أو المخاطبين آنذاك، ولكنَّ طرح نفس الأحاديث اليوم يحتاج إلى بيانات عريضة بلا شك، حتَّى مع السهل منها، ولذلك أشرتُ بالأوَّليَّة في الحمل بالسهل أو المعقد.

نحتاج اليوم لبعض العلوم على نحو الاستعمال الآلي تارة والكشفي تارة أخرى؛ إذ أنَّ الثقافات المعاصرة بعيدة بشكل كبير عن مقدِّمات التصورات التجريدية، كما أنَّها أقرب إلى نكران، أو لا أقل من عدم الاهتمام بالمعاني الحرفية التي تُوقِفُ العقلَ على عمق المفاهيم الارتكازية من قبيل قوله (عليه السلام): “كيَّفَ الكيفية” و”أيَّنَ الأينية”، ولذا مسَّت الحاجة لمعالجات تلتزم التجديد وتحذر التحديث.

  • المفاهيم أوَّلًا:

خسرنا، ولا زلنا نخسر بسبب استعجالنا في تشكيل القضايا مع إهمال خطير للتثبت المفاهيمي، ولذلك نرى الأحكام شرقًا وغربًا دون أسس علمية صحيحة، والحال أنَّ في الكثير من الحالات تكون الاشتراكات كثيرة، والتوافقات أكثر، ولكنَّها تُسحق تحت عجلات الغفلة عن التثبت الصحيح على مستوى المفاهيم، وكم من مشتركات لفظية تحولت توهمًا إلى معنوية فعملت معاول الهدم في الضرب مُفرِّقةً بين أصحاب المذهب الفكري الواحد. وبعدها تسلك العزَّةُ طريقها لتأخذ جماعة بالإثم وآخرين بالآثام!

فلنتريث ولنحاول فهم بعضنا البعض، وإن عجزنا عن ذلك تركنا المقام تجنبًا للخسارة.

كم رفضنا ونرفض بعضنا البعض بسبب الانتماءات والتيارات والأحزاب، والنتيجة أنَّ الكثير منَّا غفل عن إشكالات صغيرة كانت في صدور بعض المؤمنين، ولكنَّها اليوم كبرت وفرَّخت، ولا يزال الكثير منَّا مشغولًا بالتخطيط لغلبة حزبية وما شابه!

 

السيد محمَّد علي العلوي

12 شعبان 1438 هجرية

[1] – بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج 3 – ص 55
[2] – التوحيد – الشيخ الصدوق – ص 231
[3] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 1 – ص 82
[4] – كفاية الأثر – الخزاز القمي – ص 11 – 13

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *