الرئيسية / مقالات / نَظَرِيَّةُ الفوضَى فِي قِبَالِ بُرهَانِيَّةِ الكُلِّيَاتِ الخَمْسِ على الخَالِقِ جَلَّ فِي عُلَاه

نَظَرِيَّةُ الفوضَى فِي قِبَالِ بُرهَانِيَّةِ الكُلِّيَاتِ الخَمْسِ على الخَالِقِ جَلَّ فِي عُلَاه

Burhan-300x300

هل سَقَطَ المَطَرُ ليروي الأرضَ فَتَخْضَرُّ ويخرج الزرعُ؟

قالوا: لا، بل سقط بلا مخطَّط، وكانت الأرض محلَّ سقوطه، فاستجابت له مواقعُ منها فاخضرَّتْ وخرج الزرع وأثمر بعضُه.. كلُّ هذا بلا تخطيط ولا مقاصد، ولا يتعدَّى الأمرُ أكثر من استجابات أظهرت حالةً من الانتظام، وإلَّا فالواقع أنَّ كلَّ هذه الحركة ذات حقيقة واحدة هي: الفوضى والعشوائية، وأمَّا ما نراه انتظامًا فهو من اختراعاتنا كبشر، ولو أنَّ غير التربة الأرضية استجابت للمطر لقال الإنسان بانتظام الأمر هناك، وهكذا فإنَّ مقولة الانتظام راجِعَةٌ لتصوراتٍ بَشَريَّةٍ لا أكثر.

من جهةٍ أخرى فقد اشتهر بينهم مثال المسمار والمملكة، وهو كالتالي: بسبب ضياع مسمارٍ، ضاعت الحدوة، وبضياع الحدوة، ضاع الحصان، وبضياع الحصان، ضاع الفارس، وبضياع الفارس، خسرنا المعركة، وبضياع المعركة، ضاعت المملكة، وكل هذا بسبب مسمَارِ حدوَةِ الحصان!

ومن هنا وقف الإنسان على مدى بعده عن إمكان تحقيق مستوى الإحكام في توقعاته؛ إذ أنَّ اختلافًا بسيطًا جِدًّا عند نقطة من نقاط المعادلة، يُورِثُ فوارق هائلة في النتائج، ولذلك قالوا بأنَّ: طنطنة جناح فراشة في البرازيل يمكن أن يتسبب بإعصارٍ في تكساس، بعد أن كانت كلُّ التوقعات تشير إلى طقس هادئ! وقد عُرِف هذا عندهم بتأثير الفراشة (butterfly effect).

هذا هو منشأ نظرية الفوضى (chaos theory) التي يقول بها الملحدون صراحةً وغيرُهم بطرحٍ فيه بعض التواري، وهي نظرية فيها الكثير من العمق العلمي الذي أنتج وينتج نظريات في غاية الأهمية، وعندما أقول بعمقِ مثل هذه البحوث فكلامي في طبيعتها، وأمَّا النتائج فراجعة للمباني الفكرية وما نحوها ممَّا يدخل في تركُّب منهجية البحث الأعم من أطره القانونية والنظر الخاص للباحث.

وكيف كان، فإنَّ ما أنا بصدده هنا هو الانتقال بالفكر والنظر إلى نقطةٍ عِلميَّة لا تتأثر على الإطلاق بمقولة الموجودات من حيثُ كون الأصالة فيها للفوضوية أو للانتظام، ومن بعد ذلك أبين -إن شاء الله تعالى- الغاية من طرحها.

أوَّلُ الكلام أنَّ التقاءَ الموجوداتِ ببعضها البعض التقاءٌ حتميٌّ لجهة المجانسة الدقيقة المحكمة، وبيان ذلك بتوضيح ما اصطُلِحَ عليه في العلوم العقلية بالكليات الخمس، وقبل الحديث عنها أقدِّم بالتالي:

عندما تذهب التوقعات إلى هدوء الطقس في (تكساس) فإنَّ ذلك مبني على معطيات عبارة عن متواليات من العِلَلِ والمعلولات، كلَّما وجبت عِلَّة وجب معلولُها، وبالبناء على المُتَوَفِّر من هذه المتواليات المُحكمة إحكام قضاءٍ مُتَحَقِّق عينًا يفترِضُ خبراء الطقس متواليات لم تتحقَّق بعد، ولكنَّ استمرار التوالي على نفس النسق بحسب المعادلة يساوي تَحقُّقها على نحو الحتم.

في فرض طنطنة الفراشة بجناحها (في البرازيل) فإنَّ الحاصل هو متواليات جديدة من العلل والمعلولات تدخل على خطِّ المتواليات السابقة فتؤثِّرُ تأثيرَ عِلَلٍ ومعلولات جديدة، وبالتالي فإنَّ المتحقِّق هو في الواقع وجودٌ جديد مُحْكَمٌ إحكامُ قضاءٍ محتوم بقوانين المجانسة.

نرى أنَّ المعادلةَ الكونيةَ مُنْتَظِمَةٌ تمامًا، وتَغَير المسارات لا يَضُرُّ بانتظامها على الإطلاق، وهذا ما أبينه بعد قليل إن شاء الله تعالى، غير أنَّه من المهم الإشارة إلى أنَّ التغير الكبير في نتيجة المعادلة راجع إلى خلل في تقديرات العقل البشري عندما يعتمد أرقامًا تقديرية لن تصيب الواقع مهمَّا دقَّت آلتها، وبالتالي فإنَّ نظرية الفوضى راجعة في أصل مبانيها لعجز الإنسان عن إصابة التقديرات الكونية إلَّا بالتقريب الذي قد يكون بعيدًا عن الواقع، وهو قوله تبارك ذكره (وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)، وقال جلَّ في علاه (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ). كلُّ ما في الأمر أنَّ الإنسان حسب نفسه (إلهًا) يحيط بكلِّ شيء، وعندما صُدِم بواقع تخلُّفه الكبير عن قصور عظيم في الإحاطة بمعادلات النظام الكوني، اتَّهم الكون بالفوضوية والعشوائية، ولهذه الثقافة السلوكية نتائج أُبينها في مقالات قادمة إن شاء الله تعالى.

  • المجانسة:

تشترك الموجودات على إطلاقها في نقاط تحقِّق الارتباط فيما بينها، فالجسم أوَّلًا، ثُمَّ الجسم النامي، ثُمَّ النامي الحسَّاس، ثُمَّ النامي الحسَّاس المتحرِّك بالإرادة.

نُلاحِظُ وجودَ الجسمية فيها كلها، ووجود النمو في كلِّ جسم ما عدا الأوَّل الذي يرجع إليه النامي في جسميته، وهكذا تضيق الأنواع كلَّما تحققت جهة اشتراك خاصة.

يُسمَّى هذا بمشجرة الأجناس، وما أريد الإشارة إليه هنا هو أنَّ الجسم النامي الحسَّاس المتحرِّك بالإرادة، قد يكون أيَّ نوع من أنواع الأجسام النامية الحسَّاسة المتحرِّكة بالإرادة، فربَّما كان فرسًا أو غزالًا أو فيلًا أو إنسانًا، ولكنَّه لن يرجع ليكون ماءً أو جبلًا أو ما نحو ذلك ممَّا يقع فوق جنس الجسم النامي الحسَّاس المتحرِّك بالإرادة؛ وذلك لأنَّ جهة المجانسة انحصرت في نقطة محدَّدة هي نقطة التحرُّك بالإرادة في الجسم النامي الحسَّاس.

أرجو بشدَّةٍ الانتباه إلى أنَّ العمقَ الفكري ليس محله نفس الجسم، وإنَّما هو في المعاني الربطية ابتداءً من الجسمية للجسم انتهاءً بالناطقية للإنسان، مرورًا بكلِّ ما يُحقِّق الالتقاء بين العارض والمعروض.

  • توضيح:

الحيوان هو الجسم النامي الحسَّاس المتحرِّك بالإرادة، يقع تحته كلُّ ما صدقت عليه هذه الحدود، وتسمَّى أنواع وهو جنسها، ويتميز كلُّ نوعٍ عن الآخر بمائزٍ فاردٍ يسمَّى فصل، وشرطه أن يكون مساويًا من جهة المصداق للنوع، فالفصل في الإنسان هو الناطقية، فكلُّ ناطقٍ مصداقًا إنسانٌ وكذلك كلُ إنسان ناطق، كما وأنَّ الفصل لا يتخلَّف عن نوعه مطلقًا، فالإنسان ناطق على الدوام. ولكن عندنا ما هو خاص ومُمَيِّز للإنسان، إلَّا أنَّه قد يتخلف عنه في بعض الأوقات، مع عدم عروضه على غيره، مثل الضحك، فالإنسان يتميز بكونه ضاحكًا، ولكن ليس على الدوام، وهذا ما أسموه بالعَرَضِ الخاص، فالضحك للإنسان عرضٌ خاص. وهناك ما يعرض على الإنسان وغيرِه من الأنواع الواقعة تحت جنس الحيوان، وعروضه أيضًا ليس على الدوام، مثل المشي الذي يصدق -مثلًا- على الإنسان والفرس والغزال، وهذا ما أسموه بالعرض العام.

وبالتالي عندنا: جنسٌ ونوعٌ وفصلٌ وعَرَضٌ خَاصٌّ وعَرَضٌ عَامٌّ.

الإنسان: حيوانٌ ناطِقٌ، وهو: ضاحِكٌ، و: ماشٍ. والنظر في الجهة الربطية بين الحيوانية والناطقية، وبين الضحك والإنسان، بل وبين الضاحكية والضحك؛ إذ أنَّ نفس الضحك مُرَكَّبٌ من أجزاء اجتمعت فحقَّقت الضاحكية لمجموع ما أطلق عليه اسم: الضحك.

موضوع الكلام في مسألة النظم والانتظام إنَّما هو الانتظام المُحكم إحكامًا حتميًا لخصوص هذه الجهات الربطية، ففي مقام الفِكر والنظر لا نلتفت إلى المواضيع المُتشخصة، ولكنَّنا نذهب في عمق ما حقَّق لها التَشَخُّصَ، وهذا ما يُوقِفنا على الإحكام المطلق في توالي العلل والمعلولات.

نعم، قد نُخطئُ في الوقوف على حدِّ الإنسان -مثلًا-، ولكنَّ هذا لا علاقة له بما نحن فيه؛ فالكلام في خصوص المعاني الربطية، وهي في الواقع قانون تكويني مُطلق الإحكام.

 

إنَّ القول بالفوضوية والعشوائية راجعٌ إلى ذهول الإدراك البشري عندما يقف أمام تردُّد التحقق بين هذا الكم الهائل من الأنواع، ولكنَّ هذه النظرة تحتاج إلى تَرَاجُعٍ أولًا وطَلَبٍ للدقَّةِ في النظر ثانيًا؛ إذ أنَّ الإحكام الضابط إنَّما هو في المجانسة المتوالية عِلِّيًا في كلِّ الموجودات الممكنة مطلقًا. ومن هنا تحديدًا يظهر البرهان التكويني على وجود خالقٍ غني منزَّهٍ عن مجانسة مخلوقاته.

وهذا ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى في مقالات قادمة. إلى حينها أرجو من المتفضلين بالقراءة عدم التهيب من بعض المصطلحات، فبشيءٍ من تَكْرَارِ القِراءة وتفكيك العبارات لن تتأخر الرؤية عن الحضور في أذهانكم الواعية إن شاء الله تعالى، كما وأنَّ التدرج في المقالات سوف يوقفنا على المشهد بشكل أكثر وضوحًا.

 

السيد محمَّد علي العلوي

13 شعبان 1438 هجرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *