الرئيسية / مقالات / الرأسمالية و(القيامة)

الرأسمالية و(القيامة)

أكتب هذا المقال للأيام، فما فيه لن يروق إلَّا -ربَّما- لقلَّة تشبه كاتبه..

وأكتبه لقلَّة أخرى قد تتأمله ساعة وتتدبره أخرى.

لم يُقصِّر خلقُ الله مع بعضه البعض أبدًا، وعلى وجه الخصوص الإنسان، فهو لم يشعر يومًا بمعاناة في حياته سببها الافتقار إلى أداة يحتاجها، وكلامي بالطبع عن نفس الوقت المؤرَّخ، فهو قبل 100 سنة مثلًا لم يشعر بالحاجة إلى جهاز لا سلكي يتحدَّث من خلاله مع آخرين يبعدون عنه أميالًا، ولم يشعر بحاجة إلى وسيلة للنقل أسرع من الدابَّة..

لم يُنقل في التاريخ كلام عن التخلف والرجعية عمَّا ينبغي (ادعاءً) أن يكون عليه الحال، بل على العكس تمامًا، كانت الأمور ملائمة للطبيعة بشكل كبير، ولم يحتج الإنسانُ في تلك الأزمنة إلى أدوية وعلاجات لأمراض تورثها الطبيعة!

نعم، كان هناك الطاعون والجذام والصرع والعمى، ولها أدوية طبيعية تُقَاومها، وإذا قرَّر مرضٌ القيام بعملية اجتياح، فمجاله يبقى في حدود جغرافية معينة، فينتشر في قرية أو مدينة، وربَّما بلد، ثُمَّ يرحل بعد أن يحصد بضع مئات أو أكثر من الأرواح.. وتستمر الحياة..

الآن..

اجتياح الأمراض اليوم يستوعب الكرة الأرضية بجبالها وسهولها، وليس من أمثلة أوضح من الإيدز والسرطان وضغط الدم والسكري والفشل الكلوي، ناهيك عن الأمراض النفسية من قبيل التوحد والاكتئاب والوسواس بأنواعه..

ولكن.. الحمد لله.. الحمد لله.. الحمد لله، فتحت أيادينا دواء لكلِّ داء.. والحمد لله.. الحمد لله.. الحمد لله، فنحن نمتلك أدوية للأمراض التي تخلِّفها الأدوية الأولى، مثل دواء السكري الذي يؤدي إلى الفشل الكلوي، ودواء الكلى الذي يؤدي إلى ضعف المناعة، ودواء ضعف المناعة الذي يؤدي إلى خسارة الجسد البكتيريا النافعة.. وهكذا، فالحمد لله.. الحمد لله.. الحمد لله..

نحن ننتقل بكلِّ سهولة من بلاد العُربِ أوطاني إلى أقصى البلدان في أحضان بني الأشقر والأصفر والأحمر، ولله الحمد، فإنَّ الغازات التي تُخرجها وسائل النقل بملايين الأطنان لن تصيب الإنسان بأكثر من سرطان الرئة أو انسداد الشرايين، وسوف يرمى سهم الاتهام في كبد (التبغ)!

ألف الحمد لله على ما نحن فيه من نعم لا تُعدُّ ولا تُحصى، فالسيارات من جهة، والأجهزة الإلكترونية من جهة أخرى.. كلُّها ولله الحمد لا تصدر لا غازات ولا أدخنة ولا أشعة حمراء وبنفسجية فوق وتحت!!

السُكَّر يُصنَّع، والملح مثله، وكذا الطحين، والحليب، والآلاف من الأطعمة والأشربة تحولت إلى معادلات مصنعية ومواد تحفظها..

لا داعي للقلق، ولا مبرر للخوف، فكل الأمراض التي تورثها هذه (النِعم) أخترع لها الإنسانُ أدوية، ولأمراض الأدوية أدوية أخرى.. وهكذا نحن ولله الحمد نعيش في أوج عصور التقدم والرقي..

ماذا؟

عن ماذا تتحدث؟

اكتئاب؟ توحد؟ حالات انتحار؟

لا تقلق، فهذه بسبب تكنلوجيا السلاح الجميلة، فبدل ذاك التعب والعرق وروائحه التي تصدر من الرجال وهم يحاربون بالسيف، فاليوم نحن ولله الحمد بضغطة زرٍّ واحدة نقتل المئات. ومَنْ تضطرب نفسُه لمثل هذه الأحداث اليومية، ليس عليه أن يقلق، فالدواء موجود، ودواء مرض الدواء موجود..

الحمد لله الذي حمانا وخلَّصنا من عنف الإسلام والمسلمين في غزواتهم وحروبهم التي قُتل فيها رجال بحد السيف ونصل الرمح..

فاليوم نعيش الراحة والطمأنينة مع أنواع وأصناف الطائرات والرشاشات والصواريخ والقنابل الذرية والنووية وغيرها من إبداعات الإنسان صاحب القيم والمبادئ، فالحمد لله كثيرًا كثيرًا كثيرًا..

لا تقلق يا ابن آدم، فما ورَّثته حروب المسلمين في بدر وحنين وخيبر وغيرها من امراض نفسية وعاهات مزمنة، قد صنع لها إنسانُ التقدم والرقي والحضارة أدوية، ولهذه الأدوية آثار جانبية بسيطة جدًّا، مثل السكتة الدماغية والشلل والجلطة والفشل الكلوي، وما نحوها من أمراض لها أدوية.. فلا تقلق يا سيدي..

من المفترض أن تكون الفكرة، بهذا القدر، واضحة. ولذلك لن أستطرد.

أقول:

بكلِّ بساطة، فإنَّ الإنسانَ اليوم يمضي في طريقه، وبإصرار غريب، نحو الدمار والفناء والتحول إلى واقع ممسوخ لا روح فيه ولا قيم ولا مبادئ، والسبب لم يخرج يومًا، ولن يخرج عن جشع ووحشية رأس المال.

جشع جعل يلف نفسه على عنق البشرية، ووحشية جثمت على صدرها، فصرنا لا نتمكَّنُ من التخلص. وها أنا أمامكم أعي تمامًا خطورة هذا الهيجان ضدَّ الزمن باختراعات سمتها اختصار الوقت، ولكنِّي منغمس فيها، ولو قرَّرتُ الانعتاق كان من اللازم علي الانعزال في صومعة بعيدة عن كلِّ شيءٍ حتَّى الحياة الاجتماعية في أضيق دوائرها!

يقولون الآن: هل تريد إرجاعنا للخيمة والناقة؟

أقول: لن أجيب.

لست ضد التقدم والاختراعات، ولكنَّ قناعتي هي في ضبط أي فكرة أو اختراع بنظام الطبيعة وما توفره لنا من أدوات، فهي خلق الله تبارك ذكره، وفيه صلاح الإنسان بلا شك.. (وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا).

عندما أتأمل هذا الحال وأحاول قراءة ما ورائه، ينقطع نظري عن كلِّ شيءٍ غير يوم قيام الساعة، وسرعان ما شخص على صفحات قلبي قوله تبارك ذكره (وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلاً).

بالله عليكم.. أيّ عمى أشد وأقسى من هذا العمى الذي حولنا إلى مخلوقات متخبطة، تحسب تخبطها هدى..!!

اللهم يا مجير أجرنا من غرور الدنيا وخلِّصنا من مشانقها المتكثرة بكثرة الرقاب حية وميتة.

أترك نفسي، وأترككم مع قوله تعالى:

(ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).

 

السيد محمَّد علي العلوي

18 شعبان 1438 هجرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *