الرئيسية / مقالات / لِمَاذَا خَلَقَ اللهُ تَعَالى الخَلْقَ؟

لِمَاذَا خَلَقَ اللهُ تَعَالى الخَلْقَ؟

هذا بحثٌ عظيمُ في جَلَالِه، جَليلٌ في عظمته، يقوم عليه بُنيَانُ الفِكرِ صحيحًا مستويًا، وبالرغم من دقَّته، إلَّا أنَّ تَمَكُّن العُقَّالِ من مفتاح الفهم يجعله في حالة اندماجٍ علمي متقدم معه، ولذلك أقدم أوَّلًا بمقدمة ثُمَّ أنتقل لموضوع المقال.

المقدَّمة:

أشرتُ في مقالات سابقة، وأُكرِّرُ الإشارةَ في هذا المقال إلى خطورة البناء الظرفي في بحث التوحيد، ومن أعظم المواطن التي تتفلت في أرجائها البناءات الظرفية مواطن البحوث المُقدَّمة بأسئلةٍ ذات طابع ظرفي، مثل: متى وأين وكم وما في حكمها من حيث الدخول في معادلات المكان والزمان.

يقف العقل على متانة النظر في العقيدة بمجرد انعتاقه من قياسات هذه النشأة، والصعود في تحليلاته إلى مستوى تجريد الدوال المُدْرَكَة بالحواسِّ وبالتحليل وصولًا لمدلولاتها العالية.

مثال:

نُدرِكُ شجرةَ التين، ونسأل: أين كانت هذه الشجرة قبل وجودها المُدْرَك بحاسَّة البصر؟

فيقال: لم تكن شيئًا.

فنقول: هي لم تكن شيئًا مُدْرَكًا بحواسِّ الإنسان الظاهرية، ولكنَّ العقل يرفض فرضية عدمها المطلق؛ إذ أنَّ الموجود لا يُوجدُ من العدم، وإلَّا لاجتمع النقيضان ضرورة؛ حيثُ إنَّ نقطة الإيجاد في هذا الفرض نقطة اجتماع عدم الشيء ووجوده، وهذا محال.

لذا، لا بدَّ من وجود شجرة التين في نشأة أخرى بوجودٍ مُتَقدِّمٍ على هذا الوجود بنحوٍ خاصٍّ مِنَ التَقَدُّمِ، ونفس هذا الوجود المتقدم إمَّا أن يكون بدايةَ شجرة التين أو لا، فإن كان بدايتها فهو، وإلَّا انتقل الكلام إلى وجودٍ آخر مُتَقَدِّمٍ على الوجود الثاني بنحوٍ خاصٍّ مِنَ التَقَدُّمِ، وهكذا حتَّى نصلَ إلى بدايتها، ولا شكَّ في كونها عِلميَةٍ خَالِصَةٍ، وهذا بَحْثٌ دَقِيقٌ تَحُفُّهُ المزالق من مختلف الجهات، فنُعرِض عنه إلى أن يأتي حينه قريبًا بعد مقدَّمات ومقدِّمات تؤهل إليه إن شاء الله تعالى.

ثُمَّ نتساءل: لماذا كانت الشجرةُ شجرةَ تينٍ، ولم تكن شيئًا آخر؟

فنبحث في خواص شجرة التين، وفي خواص التين، ونُرجِع الكرَّة ثانية، ونصعد في التحليل إلى الحقائق العالية المدلولة لشجرة التين وصفاتها وخواصها، وللتين وصفاته وخواصِّه، وعندها سوف نقف مستريحين تمامًا على أفُقِ قول رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): “إنَّ اللهَ اختارَ مِنَ البُلدانِ أربعة، فقال: عَزَّ وجَلَّ (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِوَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ)، التين المدينة، والزيتون بيت المقدس، وطور سينين الكوفة، وهذا البلد الأمين مَكَّة”، وقول الإمام الكاظم (عليه السلام) في قوله تعالى: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ) قال: الحسن والحسين، (وَطُورِ سِينِينَ) قال: علي بن أبي طالب، (وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ) قال: مُحَمَّد”.

نتخلص من الانحصار في المعنى الدنيوية للشجرة وللتين، فنفهم أنَّ لشجرة التين مظاهر بحسب النشأة، وليس هذا المظهر الذي نُدرِكه بحواسِّنا إلَّا أحد هذه المظاهر، وكلَّما ارتفع المظهرُ في وجُودِهِ، كُلَّمَا تخلَّص وتجرَّد وارتقى، وفي كلِّ نشأة تلتقي موجودات مع بعضها البعض في مشتركات خاصَّة، كاشتراكها هنا في الجسمية مثلًا.

إذن، هناك اشتراك بين التين والمدينة المنورة والإمام الحسن (عليه السلام)، وقد تكون جهة الاشتراك بالإمام (عليه السلام) لكونه أحد المبادئ في عالم الإمكان، فعن النبي (صلَّى اللهُ عليه وآله) قال: “إنَّ اللهَ خلقني وخلق عليًّا وفاطِمَةَ والحَسَنَ والحُسَينَ قبل أن يخلق آدمَ (عليه السلام) حين لا سماء مبنية، ولا أرض مدحية، ولا ظلمة ولا نور ولا شمس ولا قمر ولا جنَّة ولا نار.

فقال العبَّاسُ: فكيف كان بِدْءُ خلقكم يا رسولَ الله؟

فقال: يا عَمُّ، لمَّا أراد اللهُ أن يخلقنا تكلَّم بِكَلِمَةٍ خلق منها نورًا، ثُمَّ تكلَّم بكلمةٍ أخرى فخلق منها روحًا، ثُمَّ مَزَجَ النورَ بالروح، فخلقني وخلق عليًّا وفاطمةَ والحسنَ والحُسينَ، فكُنَّا نُسَبِّحُهُ حِينَ لا تسبيح، ونُقَدِّسُهُ حِينَ لا تقديس، فَلمَّا أراد اللهُ تعالى أن يُنشِئ خلقه فَتَقَ نُوري فخلق منه العرشَ، فالعرش من نوري، ونوري من نور الله، ونوري أفضل من العرش. ثُمَّ فَتَقَ نور أخي علي فخلق منه الملائكة، فالملائكة من نور علي، ونور علي من نور الله، وعلي أفضل من الملائكة. ثُمَّ فَتَقَ نور ابنتي فخلق منه السماوات والأرض، فالسماوات والأرض من نور ابنتي فاطمة، ونور ابنتي فاطمة من نور الله، وابنتي فاطمة أفضل من السماوات والأرض. ثُمَّ فَتَقَ نور ولدي الحسن فخلق منه الشمس والقمر، فالشمس والقمر من نور ولدي الحسن، ونور الحسن من نور الله، والحسن أفضل من الشمس والقمر. ثُمَّ فَتَقَ نور ولدي الحسين فخلق منه الجنَّة والحُور العِين، فالجنة والحُور العِين من نور ولدي الحسين، ونور ولدي الحسين من نور الله، وولدي الحسين أفضل من الجنَّة والحور العين”.

فالمقام مقام المعاني العالية، وكلَّما علت اقتربت من الحقيقة أكثر واكثر، حتَّى يصِلَ النظرُ إلى نقطة الإيجاد العظمى، فيعي معنى الوَلاية وعظيم خطرها.

إنَّ المقام العلمي الذي يدور في فلكه النظر، إنَّما يتحدَّد بمدى تمكُّن العقل من تجاوز المقايسات الضيقة لهذه الدنيا، والانطلاق في أفق المعاني العالية التي تقف وجودًا وراء هذا الوجود المادي الصغير والضعيف.

هذا هو مفتاح الحِكمَةِ، وهو -كما أعتقد- وجه من وجوه الغيب الذي يؤمن به المتَّقون (المذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ)، والغيب ما قع وراء إمكان الإدراك بالحواس الخمس المعروفة، ولكنَّه ليس كذلك بالنسبة للقوة الإدراكية العقلية، وإلَّا لما جاز الإيمان بما لا يُدركه شيءٌ من قوى الإنسان. فتأمَّل.

خلاصة المقدَّمة:

لا يتمكنُ الإنسانُ من تحقيق بناءٍ عقائدي برهاني تنضبط على صراطه نفسُه وكلُّ ما يدور في فلكها (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا)، ما لم ينتهي في انطلاقاته الفكرية من الآثار إلى قوة التجريد والقدرة على تأسيسات تجريدية جديدة يبدأ معها التفصيل الممكن في البناء العقائدي، وأمَّا بقاؤه في سجن الاسقاطات الدنيوية فهذا من أعظم مصانع الموانع عن تحقيق أوَّل الدين، وهو معرفة الله تعالى كما في حديث أمير المؤمنين (عليه السلام): “أوَّلُ الدينِ معرِفَتُه”.

نرجع إلى سؤال المقال، فنقول:

سبَبُ الفِعلِ وجودُ باعِثٍ عليه يرجع إلى سدِّ حاجةٍ، ومنها طلب الكمال، وهذا لا يُتصور في غير الظرف الزماني؛ إذ أنَّ تحقُّق الفعل يمرُّ بمراحل بدايتها النقص وإدراكه وتكون الباعث وما إلى ذلك، وهذا محلُّه عالم الافتقار والنقص، ولا يأتي مجرَّدُ فَرضِهِ عند الحديثِ عن الباري الغني مطلقًا سبحانه وتعالى.

يقول جلَّ في علاه: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ)، والظاهر بحسب هذه الآية الشريفة انحصار علَّة الخلق في العبادة.

قيل للإمام الصادق (عليه السلام): لِمَ خَلَقَ اللهُ الخَلْقَ؟

فقال: “إنَّ اللهَ تبارك وتعالى لم يخلق خلقه عبثًا، ولم يتركهم سدى، بل خلقهم لإظهار قُدرَته وليُكَلِّفهم طاعته فيستوجبوا بذلك رضوانه، وما خلقهم ليجلب منهم منفعة، ولا ليدفع بهم مضرَّة بل خلقهم لينفعهم ويُوصِلهم إلى نعيم الأبد“.

المسألة الأولى:

خلقَ الله تعالى هذا الخلق من أوَّله إلى آخره لنفس الخلق. وبيان المسألة:

للخلق جهتان، جهة الحقيقة العلمية قبل ظهوره في عوالم الخلق، وجهة الفعل والانفعال وهي المتحقِّقة في عوالم الخلق، والله سبحانه وتعالى خلقَ الخلقَ في عوالم الخلق ليحققوا كمالهم بالعبادة. وبالتالي فإنَّ سؤال: لماذا خلق الله الخلق؟ أو ما هو السبب من الخلق؟ ينبغي إرجاعه إلى نفس الخلقِ لا إلى الخالق؛ للكبرى البرهانية الأصيلة، وهي: غناه المطلق.

المسألة الثانية:

إنَّنا لو أرجعنا كلَّ هذا الخلق بالتوالي من هذه النشأة إلى حقيقته الحقَّة لانتهينا إلى نقطة الاحتجاب العظمى، وهي الصريحة في قول الإمام أبي جعفر (عليه السلام)، عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: “َّإن اللهَ تبارك وتعالى أحدٌ واحِدٌ تَفَرَّدَ في وحدانيته، ثُمَّ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ فَصَارَتْ نُورًا، ثُمَّ خَلَقَ مِنْ ذَلِكَ النُورِ مُحَمَّدًا (صلَّى الله عليه وآله) وخَلَقَنِي وذُرِيَّتِي، ثُمَّ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ فَصَارَتْ رُوحًا، فَأسْكَنَهُ اللهُ في ذلك النُورِ، وأسْكَنَهُ في أبْدَانِنَا، فَنَحنُ رُوحُ اللهِ وكَلِمَاتُه، وبِنَا احْتَجَبَ عَنْ خَلْقِهِ. فَمَا زلنَا فِي ظُلَّةٍ خَضْرَاء حيثُ لا شَمْسَ ولا قَمَرَ ولا لَيلَ ولا نَهَارَ ولا عينَ تَطْرُف، نَعْبُدُهُ ونُقَدِّسُهُ ونُسَبِّحُهُ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ”.

وقد يتضح الأمر للقارئ الكريم باستذكار مَقَالَي الكليات الخمس[1] ومشجرة الأجناس[2]، وهذا هو عالم الفعل والانفعال الذي ترجع إليه كلُّ مدلولات المعاني الواقعة في ظرفي الزمان والمكان، وإن ارتفعت عنهما انتقلت إلى المعاني المجرَّدة وراء نقطة الاحتجاب، وهنا يرفع العقل قلم النظر ويقول: آمنتُ بالله واحِدًا أحدًا فردًا صمدًا، و”الحمدُ للهِ الذي انْحَسَرتِ الأوصَافُ عَنْ كُنْهِ مَعْرِفَتِهِ، ورَدَعَتْ عَظَمَتُهُ العُقُولَ فَلَمْ تَجِدْ مَسَاغًا إلى بُلُوغِ غَايَةِ مَلَكُوتِهِ. هُوَ اللهُ الحَقُّ المُبِينُ أحَقُّ وأبيَنُ مِمَّا تَرَى العُيُونُ. لَمْ تَبْلُغهُ العُقُولُ بِتَحْدِيدٍ فَيَكُونُ مُشبهًا، ولَمْ تَقَعْ عَليهِ الأوهَامُ بِتَقدِيرٍ فَيَكُونُ مُمَثلًا. خَلَقَ الخَلْقَ على غَيرِ تَمثِيلٍ وَلا مَشُورَةِ مُشِيرٍ، ولا مَعُونَة مُعِينٍ، فَتَمَّ خَلْقُهُ بأمْرِهِ، وأذْعَنَ لِطَاعَتِهِ، فأجَابَ ولَمْ يُدَافِع، وانْقَادَ ولَمْ يُنَازِع[3].

وهنا نقطة أخيرة:

لو قلنا بجريان الأفعال والأسباب والمسببات والعلل والمعلولات في أمر الله تعالى فوق نقطة الاحتجاب، فبالإرجاع إلى كبرى غناه المطلق تبارك ذكره، تكون معانيها تلك المعاني العلمية المجرَّدة قبل خلق الخلق، وهذا لا يُدرِكه الإنسان إلَّا على نحو الإجمال، وأمَّا التفاصيل فممتنعة عنه لعجزه وقصوره أوَّلًا وأخيرًا.

من المُهِمَّات التي ينبغي التوقف عندها مليًّا، مسألة رفض الكثير من المؤمنين للقضايا المتعلقة بالفضائل التكوينية العالية لأهل البيت (عليهم السلام)، والتي بها يُعرفُ اللهُ تعالى، وببركتها تتمُّ عقيدةُ التوحيد الخالص.

عن أبي جعفرٍ (عليه السلام) قال: “إنَّ حَديثَنَا هذا تَشْمَئِزُّ مِنْهُ قُلُوبُ الرِجَالِ فَمَنْ أَقَرَّ بِهِ فَزِيدُوهُ، ومَنْ أنْكَرَهُ فَذَرُوهُ. إنَّه لا بُدَّ مِنْ أنْ تَكُون فِتْنَةٌ يَسْقُطُ فِيهَا كُلُّ بِطَانَةٍ وَوَلِيجَةٍ حَتَّى يَسْقُطَ فِيهَا مَنْ كَانَ يَشُقُّ الشَعْرَ بِشَعْرَتَينِ، حَتَّى لا يَبْقَى إلَّا نَحْنُ وَشِيعَتُنَا”.

نقف في المقال القادم إن شاء الله تعالى عند هذه المسألة المهمَّة.

 

السيد محمَّد علي العلوي

19 شعبان 1438 هجرية

 

[1] –  http://main.alghadeer-voice.com/archives/4409
[2] http://main.alghadeer-voice.com/archives/4412
[3] – من خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) في صِفة الخفَّاش.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *