الرئيسية / مقالات / العلومُ الإنْسَانِيَّةُ فِي مُجْتَمَعَاتِنَا.. هُدَىً أو ضَلَال؟

العلومُ الإنْسَانِيَّةُ فِي مُجْتَمَعَاتِنَا.. هُدَىً أو ضَلَال؟

ينظرُ العاقِلُ المُدرِكُ إلى الخارِجِ متدَرِّجًا فِي مَرَاتِبِ الإدْرَاكِ من المُجرَّد إلى التحليلي الأوَّلي إلى المُفصَّل، وإعمال المقارنات بين المُدْرَكَات، فالوقوف على المشتركات وتمييزها عن المُتباينات.

بهذا الإعمال الفِكري تظهر قوة الإدراك، وكلَّما دقَّ النظرُ وتعمَّقَ التحليلُ موضوعيًا، كلَّما تمكَّنت الحِكمةُ في الإنسان حتَّى تندمج مع قواه النظرية وتتحول إلى مَلَكَةٍ، وربَّما اتحدَت معها.

مِنَ المُنْجَزَاتِ المُهِمَّة والخَطيرَة للقوى الإدراكية استخلاصها للكليات من الجزئيات الخارجية، وهذه الكليات قد تكون: مفاهيم، قواعد، نظريات، ضوابط… على الفروقات العلمية الدقيقة بينها.

من الأمثلة على ذلك: لو رأى المُدْرِكُ سلوكًا يُنكِرُه مجتمعٌ ويتسامحُ معه مجتمعٌ آخر ويراه مجتمعٌ ثالِثٌ أمرًا عاديًّا، كالنوم على الرصيف -مثلًا-، فإنَّه يجدها (نومةً) واحِدَةً في المجتمعات الثلاثة، ولكنَّه يتوسَّع ليقِف على العناوين التي تَخُصُّ (النائم)، ثُمَّ يتساءل: هل الإنكار أو التسامح أو طبيعية الأمر موضوعها النوم أو النائم أو أمر آخر؟

من خلال هذه المتابعات والتتبعات بالأسئلة والفروض، ينتهي المُدرِكُ إلى كليات غاية في الأهمية، قد تتعلَّق بالمعاش وقد تتعلق بالثقافة، وربَّما كان سورُها نظريةً سياسيةً…

تَصُبُّ مِثلُ هذه الجهود التأسيسية في علوم ومعارف مختلفة، قد تخصُّ نفسَ الفرد، وقد تذهب للاستقرار إلى جانب كليات خاصَّة بعلم من العلوم، وخصوصًا العلوم الإنسانية مثل النفس والاجتماع والسياسة على اتِّساع تفرُّعاتها، ولا شَكَّ في استدعاء عمقها الموضوعي لطاقاتٍ بشريَّةٍ وفِكْريَّةٍ أكبر، وعلى نفس الخط فهي تحتاج إلى ميزانيات مالية مُخصَّصة.

فلنتأمَّل قليلًا..

تُنفِقُ الدولُ العربيةُ مجتمعةً ما يُقَدَّرُ بـ 353 مليون دولار أمريكي سنويًا على مجالات البحث العلمي، وتُنفِقُ عليها الولاياتُ المتحدةُ الأمريكيةُ منفردةً ما يُقَدَّرُ بـ 417 بليون دولار أمريكي سنويًا (لاحظوا، هنا “باء” وهناك “ميم”).

 (راجع: أزمة البحث العلمي والتنمية، للدكتور فهد العرابي الحارثي، مدير مركز أسبار للدراسات والبحوث والإعلام: http://www.asbar.com//ar/monthly-issues/994.article.htm).

 ويذكر الدكتور الحارثي أيضًا “وفي إحصائيات صادرة عن الجامعة العربية في العام 2006م أنه يقابل كل مليون عربي 318 باحث، في الوقت الذي تصل فيه النسبة في الغرب إلى 4500 باحث لكل مليون شخص”!

 ثم قال: “تشير التقارير الصادرة عن منظمة اليونسكو للعلوم والثقافة في العام 2008م، إلى أن الدول العربية تنفق 14.7 دولارًا على الفرد في مجال البحث العلمي، بينما تنفق الولايات المتحدة 1205.9 دولار لكل مواطن، والدول الأوروبية حوالي 531 دولار”!![1]

نحن نفتقر كثيرًا للأدوات التنفيذية المطلوبة في النظر العِلمي، وفي نفس الوقت نحتاج حاجة مُلِحَّة لفهم واقعنا النفسي والاجتماعي والسياسي، ولا نَجِدُ أمامنا غير ما يُقدِّمُه غيرُنا في مثل هذه الميادين، ومن هنا تبدأ المشكلة التي أراها (كارِثة)!

لن نواجه مشكلة لو أخذنا مفهوم (الطاولة) من مجتمعٍ غير مجتمعنا، ولكنَّنا في قبضتها عندما نأخذ مفهوم (المجتمع) -مثلًا- من رأسمالي أو اشتراكي أو علماني أو حداثي أو أيِّ أحدٍ من خارِج أطرنا الاجتماعية الخاصَّة، والآخر كذلك بحسب الميزان المنهجي؛ حيثُ إنَّ في البحثين النفسي والاجتماعي خصوصًا يصعب تجريد المسائل عن البناء الثقافي الخاص، فهي استطلاعية استقرائية، إلَّا أن يقوم النظرُ بمسحٍ شاملٍ لأكبر عددٍ من المجتمعات في بحثٍ ضخم، وأرى أنَّ الانتهاء سوف يكون إلى كليات في دائرة ضيقة جدًا؛ والسبب راجع إلى التفاوت والتباين الثقافي بين المجتمعات وعلى مختلف الأصعدة.. حتَّى التي لا نتصور اختلافًا فيها، كستر العورة -مثلًا-، وينبغي الانتباه جيدًا وعميقًا إلى أنَّ مردَّ هذه الفروقات والتباينات إلى البناء الثقافي لا الطبيعة البشرية. فتأمَّل.

أطرح هنا منهجين فيما يخصُّ استخلاص الكليات في العلوم الإنسانية:

  • الأوَّل:

يقوم الباعِثُ السياسيُّ التسَلُّطِيُّ أساسًا في تحريك الآلة العلمية، وفيما نحن فيه نرى أنَّ دراسة المجتمعات ابتداءً من نفسية الفرد إلى طبائع المجتمع ترجع إلى طلبٍ مِنَ السُلْطَةِ السِيَاسِيَّةِ، أو مَنْ يُريِدها، والغَايَةُ هي وضع خطَّة تثقيفية تؤدي إلى تغيير الناس بما يتوافق والمباني السياسية للسلطة أو من يريدها.

تتحدَّد بذلك مشكلةُ البحث، وهي: كيف نخلق مجتمعًا يخدم الرؤية السياسية ولا يعارضها إلى بحسب ما تقتضيه الحاجة.

يبدأ الباحثون، سواء بتكليف مباشر، أو بعملٍ في السياق، فيشرعون بدراسة المجتمعات واستخلاص الكليات والنظر فيما يمكن تغييره، وكيف يمكن تغييره.

هي بحوث تراتبية تبدأ من الغاية وتنتهي إليها، سواء كان السور اجتماعيًا أو نفسيًا، فالدائرة واحدة مركزها السلطة السياسية.

  • الثاني:

تعملُ في هذا المنهج نفسُ الكليات في تحريك النظر للبحث في تفسيراتها مقدمة لمعالجة المجتمع بحسبها؛ إذ أنَّ جهة صدورها معصومة.

هذا ما يقدمه القرآن الكريم والحديث الشريف، وعلى العالِم في النفس أو الاجتماع أو السياسة أو غير ذلك إعمال النظر في تشخيص الزوائد والنقائص في المصاديق الخارجية لتحديد طبيعة العلاج المطلوب.

مثال: يقول الله تعالى: (وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ).

مجموعة من الكليات تقدمها الآية الكريمة، منها:

  • إذا مسَّ الإنسانَ ضرٌّ فإنَّه يبحثُ عن ركنٍ قوي وثيق يلجأ إليه.
  • ينسى الإنسانُ يدَ الإنقاذ بعد انكشاف الضر عنه.
  • قد نستخلص من هاتين الكليتين كلية ثالثة، هي: ينسى الإنسان يدَ الإنقاذ بعد انكشاف الضر عنه إذا كان لجوؤه إليها طارئًا عرضيًا، وليس عن عقيدة صحيحة.
  • وقد نستخلص كلية رابعة، وهي: الإنسان نكور.

لا شكَّ في أنَّ هذه الكليات مستخلصة من الطبيعة البشرية للإنسان وبحسب معادلات تكوينية دقيقة ترجع فيها النتائج إلى أحد أمورٍ ثلاثة، هي: الإفراط، التفريط، الاعتدال، وهنا شيءٌ مِنَ التوضيح:

لا يمكن للإنسان أن يعيش بنجاح ما لم يتوفر على مقدار من حبِّه لذاته؛ إذ أنَّ هذا الحب يبعثه للمحافظة على حياته من مختلف جهاتها المادية والمعنوية، وإنَّما الكلام في نوع وطبيعة ومقدار ما يُحصِّله للمحافظة على حياته، فلا إفراط ولا تفريط، ولكن اعتدال يحصل معه الغرض.

في مساحات هذه الحرية المتسعة من الاعتدال وجانبيه إفراطًا وتفريطًا تتحرك نقاط الخطأ وما يترتب عليها من ضلال، ولا ننسى هنا الطبيعة البشرية للإنسان، وسمتها الركون إلى الدعة والاستلقاء، كما هي سمة الأرض، وقد جاء الإسلام العظيم للأخذ بيد العقلاء ورفعهم عن دناءة الأرض إلى تعالي السماء، وسمة هذه الأخيرة السعة والعروج.

نلاحِظُ أنَّ الكليات التي تُفِيدها الآية المباركة هي من نوع ما يجب العمل على نفيه، وبالتالي يتحرَّرُ محلُّ المسؤولية التي ينبغي للإنسان تحمُّلِها، وهو العمل في مساحات التأديب والتزكية.

ومن خطوط النظر العِلمي هنا، البحثُ في تفسيراتٍ لهذه الكليات المُقرَّرة في القرآن الكريم، فيتحصل فهمٌ أعمق للإنسان وطبائعه.

إذن، في منهجنا البحثي كمسلمين نمتلك قواعدَ بَيَانَاتٍ علمية تستوعب كلَّ مجالات الوجود مطلقًا (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) نفترق عن غيرنا من حيث منطلقات البحث والنظر، فهم يستخلصون الكليات من الواقع الخارجي استطلاعًا واستقراءً، وأمَّا نحن فنرسم خطوط العمل في الخارج من الكليات المعصومة المقرَّرة في الثقلين المقدَّسين، الكتاب العزيز والعِترة الطاهرة، وهذا بعد جوهري ينبغي الانتباه إليه بجدية تامَّة.

إنَّه عندما اعتمدنا ما يُقرَّر في العلوم الإنسانية بجهد الآخرين، أردنا تطبيق سياسة غاندي الهندي أو جيفارا اللاتيني أو مانديلا الأفريقي أو ماركس الألماني أو لوك الإنجليزي أو روسو الجنيفي أو ذاك الحداثي أو العلماني أو الملحد في مجتمعاتنا دون عرضٍ قياسي على الثقلين المُقدَّسين، فكانت النتيجةُ: لا حمامة ولا غُراب، ولكنَّها أقرب ما تكون إلى وجودٍ تابِع ولا يعرف كيف يتبع!

 

السيد محمَّد علي العلوي

27 شعبان 1438 هجرية

 

[1] – من مقال: البليون ألف مليون.. إنَّها كارثة:
http://ertiqabh.blogspot.com/2014/10/blog-post.html

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *