الرئيسية / مقالات / في فلسفة الصوم (6) ll سماحة الشيخ مهدي الجمري

في فلسفة الصوم (6) ll سماحة الشيخ مهدي الجمري

((الكلي الذاتي- كسر العادة و خلق العادة))

إنَّ الإنسان يمرُّ بمشاعر جزئية يجمعها كلي ذاتي واحد ينتزعه منها، ويمكن أن يكونُ هذا الكلي الذاتي مؤثرًا على ما يتوقعه بالنسبة لنفسه في المستقبل.

إننا عندما نصومُ نشعرُ بمشاعر خاصة ناشئة عن صيامنا، فما هي الكليات التي يمكن أن ننتزعها منها؟ هذا ما ختمتُ به المقال السابق وأبتدأ به هذا المقال.

نحنُ نصومُ (أي نمتنع عن الملذات) بنية التقرب إلى الله سبحانه، فنكف أنفسنا عن المفطرات بعد أن كنا على عادةٍ جاريةٍ طوال السنة من إشباع رغباتنا وانبعاثات أنفسنا.

إننا بالصيام نكسرُ عادتنا السابقة و نبدأ شيئًا جديدًا خارجًا عن عادتنا، و هو مرتبطٌ ارتباطًا وثيقًا بأنفسنا، فنشعر بالإرهاق و التعب في أول أيام الصيام و نلتفت كثيرًا للجوع و العطش الذي نشعر به، وهي مشاعر مرتبطة ببنيتنا الجسدية و ينبهنا دماغنا عن طريق الشعور بحاجة البدن للطاقة و القوة التي يستمدها من الطعام و الشراب، فهي ليست حاجات ثانوية بل أساسية، لكننا مع ذلك نكسرُ عادتنا على إشباعها، و نبدأُ بدايةً جديدة تخطو نحو بناء عادةٍ في فترةٍ، وبعد مدةٍ من الصيام –في الغالب- يقلُّ شعورنا بالإنهاك و التعب و الجوع و العطش، ونعتادُ على ذلك بقدرٍ ما، فنخلق بإرادتنا لطاعة الله سبحانه عادةً جديدة منافيةً لحاجة بدننا الضرورية التي لا تبقى الحياة بدونها، إننا ننافي أكثر الأشياء ربطًا ببقائنا من أجل الله سبحانه.

إذن: إننا شعوريًّا نكسرُ عادةً ونبني عادة أخرى منافيةٌ لها تمامًا.

ما هي العادة؟

العادة هي أمرٌ في نفس الإنسان ينشأُ عن تكرار سلوكٍ معين يجعله يفعله في المستقبل بتلقائيةٍ.

ويمكن من خلال هذا الشرح لمفهوم العادة أن نقول أنّ العادة ترتبط بفعل الإنسان في المستقبل، فهي تؤثر في الافتراض الذي يفترضه عن نفسه لكيفية أدائه في المستقبل، وإنْ تتطور أداؤه فهو مرتبطٌ بعادته وما يلائمها ما دام هو جارٍ على عادته نفسيًا.

وهنا أستدركُ شيئًا وأقول: إن العادة لا تتعلقُ بالسلوك وحسب بل هي أبعدُ من ذلك، وتتعلق بغير ذلك، فإن العادة له أثرٌ على فهم الإنسان وشعوره، ولعل تعبير الأثر قليلٌ في حقها، ولكن يمكن لنا أن نفهم ارتباط العادة بنفس الإنسان من خلال ما سنمثل به.

إن عالم الطبيعة قائمٌ على قانون الأسباب والمسبَبات، فالنار سببٌ والحرارةُ مسببُها، والثلج سببٌ والبرودة مسببه، وهكذا…

لكن في مقام الفحص عن السبب والمسبب ومعرفته يتوجه الإنسانُ إلى الشيء وما يصدرُ عنه، فإذا وجد أن الصادر عنه في المرة الأولى شيء، وفي المرة الثانية شيءٌ آخر، فإن مسببه الأساسي لن يكون معروفًا له، ويحتاجُ إلى فحصٍ أكثر لكي يحدده ويتعرف أيضًا على السبب الذي جعل المسبب في المرة الثانية مختلفًا عن المرة الأولى، وفي المرة الثالثة عندما يفحص السبب ويجرب الصادر عنه، فإنه يحتملُ صدور كلا الأثرين بلا فرق من ناحية المحتمل العقلي ولا مرجح لأحدهما على الآخر، فلو صدر الأثر الأول، فلعله في المرة الثانية يصدر الأثر الثاني، فأحتاج أن أجرب مرة رابعة لأتحقق، ففي مقام المعرفة تتوقف معرفتي بارتباط السبب بمسببه على أن أجدهما مقترنان معًا أكثر من مرة وأعتاد على ذلك، وبعد حينٍ أجدُ في نفسي أنني أتوقع المسبب والأثر بمجرد تصور السبب والمؤثر، وسأحكم بملازمة الأثر للمؤثر في المستقبل دائمًا، فهو أثره الملازم له.

إذن: تتدخل العادةُ في فهمي لقانون الطبيعة وارتباط الأسباب بمسبباتها.

ويمكنُ لي أن أقول إنني أعرف المستقبل بحكم العادة، فكيف لي أن أحكم بأنّ الغد ستشرق فيه الشمس؟ وكيف لي أن أحكم بأنّ النار في الغد ستكون محرقةً كما هي في هذا اليوم؟ وكيف لي أن أحكم بأن القانون الطبيعي ومجريات الحياة التي هي سارية اليوم ستكون سارية في الغد أيضًا؟ فالعادةُ تشكلُ ارتكازًا نفسيًّا متعلقًا بفهم المستقبل الذي لم يأت بعد إلينا، ولم يدخل في حيز الوجود.  

تنبيه: إنني أتكلمُ عن جانب المعرفة لا عن العلاقة بين السبب والمسبب، وهل توجد بينهما سنخية أو لا توجد؟ وهل هي مجرد اقترانات لا علاقة لها ببعضها البعض اكتشفناها بجريان العادة أم غير ذلك؟

وكما تتعلق العادة بفهم الإنسان تتعلقُ أيضًا بشعوره، فمشاعر الإنسان تجاه شخصٍ عامله بقسوةٍ وغلظة لمدةٍ طويلةٍ في كلامه وتعابير وجهه ونبرة صوته ومواقفه ستكونُ سلبيةً على نحو تَنْفِر نفسه منه بمجرد رؤيته، فقد اقترنت وصدرت منه أفعال وأقوالٌ كان لازمها في الغالب شعورٌ سيء، فاعتادت النفس على الشعور بذلك كلما قابلتْهُ، فلو غيّر هذا الشخص نفسيتهُ بأكملها و صار رجلاً خيرًا، فإن الشعور السيء سيصاحب الشخص المسائ له كلما قابله إلى أن يقترن شعورٌ آخر به وإن كان يريدُ المسائ له أن يرفع من نفسه  الشعور السيء ويتصالح معه، لا أقول أن هذه قاعدة تجري دائمًا بالنسبة للشعور لكن يحدث ذلك كثيرًا و ما أريد إظهاره هو قيمة العادة.

إذن: العادةُ تتعلق بالمستقبل وتصورنا وشعورنا تجاهه، وعلى أساسها نفترض ما سيكون حتى بالنسبة لأنفسنا، فملكاتنا الذهنية والنفسية نجريها في المستقبل ونتوقعها كما هي لا تخوننا وتفلت منا خصوصًا إذا افترضنا أنفسنا في موقفٍ ما.

ما هو ربطُ ذلك بالصوم؟     

إنني بالصوم أكسر عادتي وأجربُ شعور كسر العادة السابقة، وأبني لي عادةً جديدة محدودة بفترة زمنية (شهر رمضان)، وذلك بالاستعانة بالعامل الزمني وتكرر السلوك فيه، وبهذا تتحقق العادة الجديدة.

فهنا طرفان: الطرف الأول: كسر العادة، والطرف الثاني: خلق العادة.

وهذان الطرفان خاصان بمتعلق الصيام وهو المفطرات، فأكسر تعودي على الأكل والشرب، وأسعى في خلق عادةٍ جديدة في النفس وهي الامتناع عن المفطرات.

ونسأل الآن: ما هي قيمة المكسور بالنسبة للنفس؟

إن العادة المكسورة هي عادة النفس على أربط الأشياء بها وأقربها وأكثرها ضرورةً، والكاسر لها هي إرادة الإنسان الاختيارية لطاعة الله سبحانه، والمكسور به هو أبعد الأشياء عن نفس الإنسان وحاجتها، وهو الامتناع عن الملذات.

ومن هنا كانت التجربة الشعورية والجزئي الشعوري الذي يمرُّ به الإنسان له قيمته وأثره على النفس، ومن شأنِ هذا الجزئي الشعوري أن يُنتزع منه كليٌّ شعوري ذاتي، والكلي المنتزع هو كلي كسر العادة المتعلق بحاجة النفس، فالمجرب للصوم ليس كمن لم يجربه، فالمجرب له يتخيلُ نفسه يكسرُ المعتاد والارتكاز النفسي والشعوري الذي يجري عليه بتلقائية وسهولة إذا كانت له في ذلك غاية، إنه يجد في نفسه هذه القدرة، فينتزعُ هذا الكلي الذاتي من تجربته الشعورية، ولأنه مرتبط بشعوره ولأنه كسر أقرب الأشياء وأكثرها ضرورةً لنفسه وهي حاجته ورغبته الغريزية فإنّ نفسه ستتغير في نظره وفهمه بل ستتغير أبعد من ذلك، فإنه يتعلم بالإرادة الملزمة القائمة على داعي التقرب والطاعة لله الذي هو داعٍ عقلي في جهةٍ من جهاته على خلق عادةٍ نفسية جديدة مخالفة لأكثر الأشياء ضرورة لنفسه.

ونسأل الآن: ما هي قيمة (كسر العادة) و(خلق العادة) بالنسبة للإنسان؟

أكرر في الجواب ما ذكرته سابقًا: “العادةُ تتعلق بالمستقبل وتصورنا وشعورنا تجاهه، وعلى أساسها نفترض ما سيكون حتى بالنسبة لأنفسنا، فملكاتنا الذهنية والنفسية نجريها في المستقبل ونتوقعها كما هي لا تخوننا وتفلت منا خصوصًا إذا افترضنا أنفسنا في موقفٍ ما”.

إن ملكاتنا الذهنية والنفسية ليست على نحوها المثالي، فجرينا الاعتيادي عليها وافتراضنا الدائمي لها يعني ثباتنا عليها، وإنْ تحركنا فلن نتحرك بعيدًا عن اعتيادنا، لكن إذا جربنا كسر العادة وخلق العادة بإرادتنا، فإننا نتعلم كيف نبني ذواتنا ونسعى لسمونا الروحي وكمالنا ونفترضُ افتراضات لأنفسنا خلاف اعتيادنا، بل بحسب ما يوجهنا له عقلنا، فإنني أخرجُ من التلقائية التي يمكن أن تجري عليها نفسي وشعوري وسلوكي إلى أمرٍ أبنيه بتعقلي.

إنَّ القدرة على كسر العادة وخلق العادة بالمعنى الذي ذكرناه ضرورةٌ للبناء الأخلاقي للإنسان، وامتثالنا للصيام يصبُّ في بناء هذه القدرة من ناحية التصور الذهني حول المستقبل، نظرًا إلى أن كسر العادة يكسر المتوقع ويوسع من محتملات الذهن حول النفس، ومن ناحية قوة الإرادة ومن ناحية التجربة الشعورية التي تمكّنُ النفس بسهولة من انتزاع الكلي الذاتي المؤثر على سعة النفس والتصور المأخوذ عن قدرتها ومداها.

ويمكنُ لنا فهمُ هذه الحقيقة أيضًا عندما نقرأُ روايات أهل البيت (ع):

فقد ورد عن الإمام أمير المؤمنين (ع): ((للعادة على كل إنسان سلطان))

وقد مرَّ بيان تسلّط العادة على ذهنية الإنسان وتصوره عن نفسه، وتسلطها على قدرته وفعله.

وقد ورد عنه (ع): ((الفضيلةُ غلبة العادة))، وورد عنه (ع) أيضًا: ((بغلبة العادات الوصول إلى أشرف المقامات)).  

إذن: يمكن لنا أن نخرج في هذا المقال بقاعدة أخلاقية ضرورية في هذا المجال وهي: قاعدةُ كسر العادة وخلق العادة، وهذه القاعدة تنبني في أنفسنا بامتثالنا لأمر الله سبحانه بالصيام، ومن هنا نفهم جانبًا من كيفية إيصال الصوم لغايته.

 

مهدي صالح الجمري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *