الرئيسية / مقالات / إحكامُ النظر في إثبات ولادة المهدي المنتظر (أرواحنا فداه) -1-

إحكامُ النظر في إثبات ولادة المهدي المنتظر (أرواحنا فداه) -1-

تتحدَّثُ العقائِدُ الدينيةُ (والفكرية) الأعمُّ من السماويةِ وغيرِها عَنْ زَمنٍ تَتَخلَّصُ فِيهِ الأرضُ مِنَ الظُلمِ والشَرِّ وتنْعَمُ بانتشَارِ العدلِ والخيرِ، وبالرُغمِ من وحدَةِ النتيجة، إلَّا أنَّ مُقدِّماتها الموضوعية مختلِفَةٌ من مدرسة فكرية أو فلسفية أو دينية إلى أخرى، فهناك من يرى حتميةَ الخلاصِ بِفعلِ التصَارُعِ العِلِّي الذي يُحَقِّقُ التَكامُلَ فِي نتَائِجِهِ دَائِمًا، ويقعُ الخيرُ في نِهَايَةِ المَطَافِ فيَعُم البسيطةَ مُعلِنًا عن انتهاء الشرور، وهذا ما يذهبُ إليهِ الفيلَسُوفُ الألماني هيغل من خِلالِ فَهمِهِ لِطَبِيعَةِ التَصَارُعِ الحَتمِي (الديالكتيك).

ويذهبُ آخرون إلى أنَّ وراءَ هَذهِ الشرور التي تعمُّ المجتمعات البشرية يَسْتَقِرُّ إنسانٌ على خطِّ التكامل سائرًا دون تَوَقُّفٍ حتَّى يصِلَ إلى الكَمَالِ المَاحِقِ لِكلِّ الشرور، فيظهرُ مشرِفًا على الوجُودِ البشري ويُخَلِّصُهُ ممَّا هو فيه.

أمَّا في عقائد الأديان السماوية فيُقَالُ بأنَّ الخالِقَ سُبْحَانَهُ وتَعَالَى قَدِ ادَّخَرَ رجُلًا يبعثُه في آخر الزمان ليملأ الأرض قِسْطًا وعَدْلًا كَمَا مُلِئت ظلمًا وجورًا، ويُقال في بعضها بولادته مُنذُ زَمَنٍ بعيدٍ ولكنَّه رُفِع إلى السَمَاءِ حِمَايَةً لَهُ مِنْ سَطَوةِ طَواغيتِ الأرض، وفي بعضٍ آخر أنَّه لم يُولدُ بعد، ولكنَّه يُولد في آخِرِ الزَمَانِ ويَجْعلُ اللهُ لَهُ اليدَ على مَنْ سِوَاه، ويقول آخرون بولادته ووجوده غائبًا مستورًا عَنِ الأنْظَارِ حتَّى يأذنَ اللهُ لهُ بالظهور.

في قبال هذه العقيدة يَبْرُزُ توجُّهٌ يُنكِرُ أصلَ فِكرةِ المُخلِّص من رأس، ويَعْزُوهَا لِحَالَةٍ مِنَ النَقصِ المَرَضي يُتَغلَّبُ عليه بنسجِ خيوطِ هذا الوهم، ويرى هذا التوجُّه طبيعيةَ استمرَارِ فِكرةِ المُخَلِّصِ فِي المُجتَمَعَاتِ الضعيفةِ فكريًا وعلميًا من جهتين، الأولى هي نفس الناس الذين يبحثون عن مُؤَمِّنٍ يركنون إليه هربًا من مواجهة المخاطر التي لا يقوون على ردِّها، وأمَّا الثانية فهي الطَبَقَةُ المُتَسَلِّطَةُ التي تَجِدُ في فِكْرَةِ المُخَلِّص أداةً للسيطرةِ على الضِعَافِ مِنَ النَاسِ.

أعتَقِدُ بأنَّ الحديثَ عَنِ المُنقِذ أو المُخلِّص باهِتٌ لا رُوحَ فيه عند أغلبِ القائلين بِهِ، ما عدا الشيعة الإمامية، وأكثر من ذلك أنَّ حراكهم الفكري في الدفاع عن عقيدة (المهدي المنتظر) يشتَدُّ كلَّما اشتدتْ هجمات المُنكرين، بل وكلَّما زاد عددُهم وكَثُرتْ مَواقِعُ تواجُدِهم، لا، بل وكلَّما ظَهَرَ مُنْكِرُون مِنْ نَفسِ الشِيعَة!

رأيتُ مؤخرًا تجدُّدًا للحديث عن (ولادة) الإمام المهدي المنتظر (أرواحنا فداه) يَرْتَكِزُ فِيهِ المُنكرِون على عَدَمِ نُهوض الأدِلَّةِ لإثبات ولادته (عليه السلام)؛ وإن صَحَّتْ بعضُ الروايات من جِهَةِ السند فإنَّها تبقى ظنيةً، ولا يصحُّ إثباتُ العَقيدَةِ بِدَليلٍ ظنِّي.

أمَّا من يعتقد بولادته (عليه السلام) فيُثبِتُ التواترَ في النقل بجمعِ أكبَرِ عَدَدٍ مِنَ الروايات مِنْ مُختَلَفِ كُتُبِ الفِرَقِ الإسْلامِيَّةِ، وإذا ثبتَ التواترُ اسْتُغنِيَ عَنِ البحثِ في صِحَّة الأسناد؛ حيثُ إنَّ التواترَ في نَفْسِهِ يُورِثُ القَطْعَ بالموضوع -كما هو المشهور-.

أعتقِدُ بقُصُورِ منهجِيةِ البحثِ الروائي في إثباتِ الصُغْرَى دُونَ النَظرِ فِي الكبرى والصغرى من حيث الطبيعة، بل ورُبَّما دون التفات إلى كون البحث صغرويًا أو كبرويًا! وفي مقامنا نقول بقطعية، بل بحتمية ولادة المهدي المنتظر (عليه السلام) حتَّى لو لم تُوجَد رواية واحدة تنقل الولادة كَحَدَث مُؤَرَّخ، وما نذهبُ إليه هو ثبوتية المقدمتين الكبرى والصغرى، وأمَّا إثباتيتهما فمقامها لا علاقة له بالمسألة من جهة العقيدة، وهذا ما يتضح قريبًا -إن شاء اللهُ تعالى-.

نبحثُ في هذه الورقة ولادة الإمام المهدي (أرواحنا فداه) من جهة الإثبات بعد الفراغ من بحث ثبوتها، ونُفصِّلُ الكلامَ -إن شاء الله تعالى- في مقدّمةٍ ومحورين، أوَّلهما: طبيعةُ العَالَمِ المُدرَكِ بالحسِّ ودرجتُه الوجودية. وثانيهما: مُصَادَريَّةِ النفي عِنْدَ عَدَمِ الإثبات. أمَّا المقدّمة ففي إثبات عُلوِّ الحضور الإدراكي في زمن النصِّ عمَّا هو عليه اليوم، وذلك دفعًا لشبهة استغناء الإدراك عن الإعمال العقلي (التحليل) في زمن الصدر الإسلامي الأوَّل واكتفائه بظواهر النصوص كما نفهمها اليوم.

ومراعاةً لأهمية التهيؤ الفكري، فإنِّي أطرح الورقة في حلقات، هذه أُولَاها، وتبقى ثلاثٌ للمقدّمة والمحورين.

 

السيد محمَّد علي العلوي

9 شوَّال 1438 هجرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *