الرئيسية / مقالات / أوقِفْها أبا أحمد.. أوقِفْها يا أبا طالب

أوقِفْها أبا أحمد.. أوقِفْها يا أبا طالب

في المزارع القديمة.. بين يدي البحر.. أزِقَّة ترتمي في أحضان حيطان الطين..

أشعرُ بذاتي، وأتلمس عمقًا لا أجده في غير رائحة الماضي..

وضع قبل أيام أخونا وصديقنا الغالي سماحة الشيخ محمود سهلان[1] صورةً لمزرعة بحرانية لا تزال أكفٌّ عتيقة مُشَقَّقة تتلو من ترابها نغمات العرق الطاهر وهي تجني قطفةً من نبات الرويد (الفجل) الأخضر..

أسَرني المنظر وبعث في صدري بردًا حانيًا اجتاحني بلطفٍ (لن) أقاومه. سألتُ الشيخ: أين هذه المزرعة؟

فأجاب متفضلًا: هي عندنا في قرية العِكر الشرقي.

فقلتُ متمنيًا راجيًا: هل يمكنني زيارتها؟ بشرط أن يكون هذا الرجل بإزاره البحراني و(غترته) العكراوية موجودًا.

سألَ الشيخُ وعاد لي بالجواب: نعم سيدنا ممكن.

عقدتُ العزمَ، وقصدتُ الأرض الراسخة اليوم الجمعة 19 شوَّال 1438 هجرية..

وصلتُ وإذا بالحاج أبي أحمد وولده أبي طالب يشتغلان بجمع (الرويد) من الأرض وصَرِّه في مجموعات للخَضَّارَةِ الذين يذهبون به إلى السوق فجرًا. بادرتُهما بالسلام، وكان بودي معانقة الحاج بقوة، فقد شعرتُ به روحًا من الأرواح التي يحفظ اللهُ تعالى بها هذه الأرض الطيبة، ولكنَّه كان مشغولًا وبالكاد تشرفتُ باستراق قبلة من خده الترابي الأصيل.

قلتُ: هل هذه الأرض لكم، أو أنَّها بالضمان من جهة معينة؟

قال الحاج: هذه الأرض إرثٌ لي وإخواني ذكورًا وإناثًا.

فقلتُ: تفاهموا على وقفها وعدم استثمارها في غير الزراعة.

أبدى الوالدُ والولدُ رغبتهما في ذلك لو لا صعوبة الأمر، فتفاهم الورثة ليس بالأمر السهل، خصوصًا وأنَّ التوجه العام اليوم ليس على وفاقٍ مع زراعة الأرض بهذه الطريقة القديمة!

بقدرِ سعادتي وأنا أقف في بعض عمقي وشيءٍ من جذوري، إلَّا أنَّ الحزن يتجدَّد دائمًا وأنا أرى الناس يذهبون بعيدًا في التصاقهم بالرأسمالية ومقتضياتها ولوازمها، وكافة وقوانينها البائسة.

لأنَّ الناس في جملتهم هكذا، فهم يعتقدون الزراعة والفلاحة مثل الطبابة والهندسة والمحاسبة، حيثُ طلب الرزق والمعاش، وهذا تصور خاطئ، بل هو ثقافة خطيرة جدًا.

الفلاحة -أيُّها الكرام-، ومثلها البحر والصيد، ثقافةٌ تربوية محكمة الآداب متينة الأصول، فهي فهم للطبيعة التكوينية، واندماج تفاهمي مع قوانينها الطيبة السمحة، والقوية الحازمة، فالزرَّاع عاقل حكيم فطِن، حِكمته من حكمة الأرض وفِطنته من فِطنة الإنبات، وكذا سماحة قلبه وطيب خاطره، وجودٌ نفسي من طبية التراب وبرد الماء..

تركنا الأرض.. هجرنا البحر.. فلم نعد لا أمراء، ولا نظراء، ولكنَّنا ويا للأسف…

قال أبو الحسنين (عليهم السلام): “أمنُن على من شئت تكن أميره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره، واستغن عمَّن شئت تكن نظيره”.

أدعو الإخوة والأخوات لتأمل وتدبر هذه الأحاديث تَأمُّل فِكرٍ وتدبر فهم..

 

عن يزيد بن هارون، الواسطي قال: سألتُ جعفر بن محمَّد (عليهما السلام) عن الفلاحين، فقال:

“هم الزارعون كنوز الله في أرضه، وما في الأعمال شيء أحب إلى الله من الزراعة، وما بعث اللهُ نبيًا إلَّا زَرَّاعًا، إلَّا إدريس (عليه السلام) فإنَّه كان خَيَّاطًا”.

قال أبو جعفر (عليه السلام): “كان أبي يقول: خيرُ الأعمال الحرث، يزرعه فيأكل منه البر والفاجر، فأمَّا البر فما أكل من شيءٍ استغفر لك، وأمَّا الفاجر فما أكل منه من شيء لعنه، ويأكل منه البهائم والطير”.

عن زيد بن هارون، قال: سمعتُ أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: “الزارعون كنوز الأنام يزرعون طيبًا أخرجه اللهُ عزَّ وجلَّ، وهم يوم القيامة أحسن الناس مقامًا، وأقربهم منزلةً. يُدْعَونَ المُباركين”.

الفلاحة علم، والصيد علم، وينبغي أن نفهم جيدًا، بأنَّ العلم أوسع من المدارس بكثير، و (ليست الشهادة معيارًا له).

خرجت من مزرعة الحاج أبي أحمد، وتوجهتُ لمزرعة أخرى قاصدًا العين، فطالما اشتقتُ لعطاء الأرض بعيدًا عن عبث الإنسان وغروره..

وصلتُ إلى مزرعة بيت حسين، ولم أجدني إلَّا والبسمات تغمرني وأنا أنظر إلى الأطفال يسبحون في عين صغيرة بماء بارد طاهر قد جادت به الأرض عن طيب خاطر..

هذا مشهد لم أره منذ عقود.. آه وألف آه على نفوس نُصرُّ على إقبارها في لحود غباوة العصرِ وئدًا وئدًا..

ليتنا نتوقف قليلًا.. لنفهم كثيرًا ونعي عميقًا..

ليتنا..

السيد محمَّد علي العلوي

19 شوَّال 1438 هجرية

 

[1] – أحد طلبة العلوم الدينية المجدين، وله صفحة خاصة على مدونة ارتقاء: http://www.ertiqabh.com/?cat=60

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *