الرئيسية / دراسات وبحوث / تقنية تصوير الفاصل الزمني (time laps) ومسألة الوحي والنظر التجريدي

تقنية تصوير الفاصل الزمني (time laps) ومسألة الوحي والنظر التجريدي

اطَّلعتُ على مشهدٍ مرئي بتقنية الفاصل الزمني (time laps)، و”هي تقنيةُ تصويرٍ تعتَمِدُ على التلاعب في الفاصل الزمني بين الإطارات المعروضة، فمثلًا لو التقطنا مجموعةً من الصور (إطارات) بفاصل زمني بين كل واحدٍ نصف ثانية، وقمنا بدمج هذه الإطارات معًا بفاصل 0.03 من الثانية بين كل إطار، فإنَّه سينتج لدينا مشهد سريع، وعادة ما تُسْتَخدم هذه التقنية للأشياء التي تحدث ببطىء مثل شروق الشمس وغروبها، أو نمو النباتات، أو المجرَّات، وما شابه”[1]، وفيه قدَّم المخرج والمنتج والمصور السينمائي الأمريكي (لوي تشوارتسبرغ) مشاهد لمجموعة من الحركات الهائلة في هذا الوجود[2]، مبينًا أنَّ الحواس الطبيعية لا تُدرِكُ حقائق الأشياء، وكان في بداية عرضه لنتاجه التصويري قد أشار في سؤال افتتاحي إلى العلاقة البِنَائِية الداخلية بين التقنية العلمية (technology) والفن والعلم، وعلى ذلك أشاد رسالته من عمله الفني.

قدَّم بعضٌ المشهد على برنامج (youtube) تحت عنوان: “أجملُ 7 دقائق ممكن أن تتخيلها.. المخرج (لوي تشوارتسبرغ) تخطَّى حدود الزمان والمكان”.

لا شكَّ في أهمية مثل هذه المشاهد التي تعكس من الواقع ما لا تدركه الحواس، بل وفيها ما يُصحِّح نقولات الحواس للذهن، كما في ضرب اليعسوب بأجنحته، والتي يخال لنا انتظامها من الأعلى إلى الأسف، في حين أن الواقع المنقول بتقنية الفاصل الزمني بانَ أنَّها تضرب إلى الأعلى وإلى الأسفل وإلى الأمام وإلى الخلف! ناهيك عن النقل التقني الصوري للهالات الوجودية المنبعثة من الأجسام..

بالرغم من جمال ما تقدمه هذه التقنية من حقائق جليلة، إلَّا أنّ محذور الانبهار المُخرِج عن حد التعقل الفلسفي يبقى قائمًا يُنذِرُ باستراقات مُضيِّعة.

بيان ذلك:

لاحظتُ أنَّ العنوان العربي لمُقدِّم المشهد اشتمل على عبارة: ” المخرج (لوي تشوارتسبرغ) تخطَّى حدود الزمان والمكان”، والواقع أنَّ لازم التخطي اجتماع النقيضين، وهو مُحال؛ إذ أنَّ عالَمَ الخَلْقِ واقِعٌ بالضرورة تحت قاهرية الزمان والمكان؛ وإلَّا لكان قديمًا لا أوَّل له، وما لا أوَّل له لا آخر له، والاستغناء عن الزمان والمكان يعني بالضرورة نفي النواقص مطلقًا، لا جوع ولا شبع ولا تفكير ولا إحساس؛ حيثُ إنَّ كلَّ هذه العوارض تتحقق في الزمن؛ ضرورةَ الانتقال فيها من حال إلى حال.

نعم، تذهب بنا تقنية الفاصل الزمني (time laps) إلى عمق غير محسوس في هذا الوجود العظيم، فيُدرِكُ العقلُ السليمُ شيئًا من عظمة الخالِق في جهات عدَّة، من أهمها -في نظري- الثبات الجنسي المطلق في عالم الإمكان، فليس من حركة تتحقَّق خارج الوحدة الارتباطية للوجود، التي لو لاها لما أمكن الإدراك، ولما أمكن التمايز بين الموجودات أصلًا.

توضيح بسيط:

أنت الآن تقرأ هذه السطور، فما هي القوة الوجودية التي من خلالها ترتبط حاسَّتُك الباصِرَة بالمُبصَرِ، وما هي القوة الوجودية التي ينتقل من خلالها المُبصَرُ إلى الذهنِ، وما هي القوة الوجودية التي تتحرَّك فيها الصور الذهنية.. وهكذا..

إنَّه نظمٌ عزيز يكشف كشفًا يقينيًا عن خالِقٍ عزيز، فسبحان الله وبحمده.

ثمَّة مشكِلةٌ فِكريةٌ أكثر خطورة، وهي أنَّ الانغماس في التدوينات المادية يؤسِّس لارتباط التعقلات البشرية بالتجربة المادية، ولذلك نرى كثيرًا سعي جملة من الباحثين، وربَّما العلماء لإثبات الآيات القرآنية والمعاجز النبوية ببعض المقرَّرات العلمية التجريبية، والحال أنَّ هذه الأخيرة متغيرة بحسب الجهد العلمي البشري. وهذه هي البحوث حول كروية الأرض -مثلًا- قد عادت من جديد، وبدفع من قوى علمية ترى عدم صحة القول بكروية الأرض!

في الواقع أنا لست من المتتبعين لهذه المسألة، ولكن ما أردتُ الإشارة إليه، هو أنَّ مثل هذه المسألة المسلَّمَة تمامًا، تُطرح اليوم على طاولة البحث العلمي نقضًا وتأسيسًا. فبأيِّ حجَّة راسخة نعتمد المُنجَز العلمي ميزانًا في إثبات وتوجيه النص القرآني والعِتروي المعصوم؟

نحن نقول: هذه إنجازاتٌ علميةٌ رائدةٌ، ولكنَّنا نقطع قطعًا يقينيًا بخطئها في نفس اللحظة التي يعارضها نصٌّ معصوم، ونبقى على يقيننا وإن قال العَالَمُ بصحتها؛ حيثُ إنَّ هذا اليقين ينتهي إلى ثبوت خطئها ولو بعد حين. أمَّا النص المعصوم، فهو الحاكم على هذا الوجود طولًا وعرضًا.

قال الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَن يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَم مَّن يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌلا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ).

  • العقيدة والتجرد:

أشرتُ إلى أنَّ المشاهد المُصوَّرة بتقنية الفاصل الزمني تكشف لنا عن عظمة الخالق سبحانه وتعالى، ولكنَّها تكشف أيضًا عن ضرورة كون الخالق حاكمًا على القانون الكلي العام للتجانس، وهو قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في دعاء الصباح: “وتَنَزَّه عن مجانسة مخلوقاته”، وبالتالي فإنَّ الحُكْمَ الأولي الدال على المعرفة الأولية ممتنع عن القيام في ظلِّ عالم الحسِّ والمادة؛ فهو فوق الزمان والمكان، والمادة والحس فيهما.

لقد اعتنى الوحي المقدَّس بدفع الفكر في اتِّجاه الإعمالات النظرية الدقيقة، والغاية من ذلك -كما في فهمي القاصر- التجريد مقدَّمة للمعرفة.

أمَّا في التنزيل الحكيم، فقد قال الله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)[3]، والشيء هو المحدود، سواء وقف المُدرِك على حدِّه أو لا، ولا حدَّ إلَّا بجنس وفصل، ونفي المثلية نفي للجنس، فلا يأتي الكلام عن الفصل، وبالتالي فهو جلَّ في علاه خارج حدود إمكان التصورات الذهنية القياسية إلَّا بما أسميه: قياس حدِّ النقيض في طول مدارج الضد، أي أنَّ الاحتياج بمختلف درجاته في عالم الإمكان ينتهي عند نقيضه، وهو اللا احتياج مطلقًا، وهو الباري تبارك ذكره. وليس القول هنا بوقوعه جلَّ وعزَّ ضدًّا لغيره، فهو لا ضدَّ له ولا شبيه، ولكنَّ القول هو الانحصار في حقيقة الكمال المطلق والبناء عليه عند الحديث عن الخالق سبحانه وتعالى.

وفي الكافي الشريف[4]، عن عبد الرحمن بن أبي نجران، قال: سألتُ أبا جعفرٍ (عليه السلام) عن التوحيد، فقلتُ: أتوهمُ شيئًا؟

فقال: “نعم، غير معقول ولا محدود، فما وقع وهمُك عليه من شيءٍ فهو خِلافُه، لا يُشبِهُهُ شيءٌ ولا تُدرِكُهُ الأوهام. كيف تُدرِكُهُ الأوهامُ وهو خِلافُ ما يُعْقَلُ، وخِلافُ ما يُتَصَورُ في الأوهام؟! إنَّما يُتَوهم شيءٌ غير معقول ولا محدود”.

وعن الحسين بن سعيد، قال: سُئِلَ أبو جَعفَرٍ الثاني (عليه السلام): يجوزُ أن يُقَالَ لله إنَّه شيءٌ؟

قال: نعم، يُخرِجُه مِنَ الحَدَّين: حَدِّ التعطيلِ وحَدِّ التشبيه”.

وعن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: “إنَّ الله خلوٌ مِنْ خَلقِهِ، وخلقَهُ خلوٌ مِنْهُ، وكُلَّمَا وَقَعَ عليه اسمُ شيءٍ فهو مخلوقٌ، ما خلا الله”.

عندما نريد إخراج الباري تبارك ذكره في أفهمنا عن حدود التميز، وعن المعقول المُدْرَكِ بالحس، وعن الشبه، وعن التصور، فإنَّ ذلك يحتاج إلى قانون -ما أسميه-: حد النقيض في طول مدارج الضد، وإلَّا فالانحصار في نفس الضد المخلوق يوقِع في تناقضات استدلالية لن تنفع معها فنون الجدل مهما دقَّت.

ولذا، فإنَّ ما أذهب إليه هو ضرورية التجريد العلمي لاستيعاب مثل هذه النصوص القويمة، والتجريدُ ليس ممَّا يُمكِن تدريسُه، بل هو من مبادئ تزكية النفس التي أوكلت مهمة إقامتها للرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ)[5]، وقد قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام): “أوَّلُ الدينِ مَعرِفَتُهُ، وكمالُ معرِفتِه التصديقُ به، وكمالُ التصديقِ بِهِ توحيدُه، وكمالُ توحيدِهِ الإخلاصُ له، وكمالُ الإخلاصِ لهُ نفيُ الصفاتِ عنه؛ لشهادة كُلِّ صِفَةٍ أنَّها غير الموصوف، وشهادةِ كُلِّ موصوفٍ أنَّه غير الصفة. فمن وصفَ اللهَ سبحانه فقد قَرَنَهُ، ومن قَرَنَهُ فقد ثَنَّاه، ومن ثَنَّاهُ فقد جَزَّأه، ومن جَزَّأه فقد جَهِلَهُ، ومن جهله فقد أشار إليه، ومن أشار إليه فقد حَدَّهُ، ومَنْ حَدَّهُ فقد عَدَّهُ. ومن قَالَ فِيمَ فقد ضَمَّنَه، ومن قال عَلَامَ فقد أخْلَى منه. كائِنٌ لا عن حَدَثٍ. موجُودٌ لا عن عَدَمٍ. مع كُلِّ شيءٍ لا بِمُقَارَنَةٍ، وغير كُلِّ شيءٍ لا بِمُزَايَلَة. فاعِلٌ لا بِمَعْنَى الحَرَكَاتِ والآلَةِ. بصيرٌ إذ لا منظور إليه من خَلْقِهِ. مُتَوَحِّدٌ إذ لا سكن يستأنس به ولا يستوحش لفقده”[6].

ليس القام -كما يرى النظر القاصر- مقام نهي عن الوصف الإقراني، أو عن التثنية، أو التجزئة، أو ما إلى ذلك، ولكنَّه مقام بيان المنتهى ما لم يتجرد النظر عن كلِّ ضدٍّ مخلوق، ليقف على واقعية وحقيقة الغنى المطلق للباري جلَّ في علاه.

 

السيد محمَّد علي العلوي

21 من ذي القعدة 1438 هجرية

 

[1] – موسوعة ويكي بيديا: https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%AA%D8%A7%D9%8A%D9%85_%D9%84%D8%A7%D8%A8%D8%B3
[2] https://youtu.be/L2NyZAzIxqk
[3] – الآية 11 من سورة الشورى
[4] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 1 – ص 82
[5] – الآية 2 من سورة الجمعة
[6] – نهج البلاغة – خطب الإمام علي (عليه السلام) – ج 1 – ص 14 – 16

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *