الرئيسية / مقالات / ماذا سوف يفعلُ اللهُ بعد القيامة؟

ماذا سوف يفعلُ اللهُ بعد القيامة؟

يهتم البعض بالتواجد، ولو السلبي، في مناقشات تتسم بطابع الإثارات التشكيكية في العقائد والأديان، وقد يتأثر بعضٌ منهم دون رجوع بالسؤال خارج نطاق محل النقاش، ومنهم من يراجع آخرين على سبيل طلب الفهم والمعرفة.

تواصل معي عصر اليوم أحدُ الإخوة ناقلًا لمضمون حديثٍ دار بين مجموعة (الكترونية) حول مسألة (الوظيفة الإلهية بعد القيامة)، وبدا لي حديثهم أشبه ما يكون بتقليب نتيجة يقطعون بها في أجواء من السخرية والتضاحك على من يخالفهم أو يرد دعاواهم!

وعلى أيَّة حال، فمثل هذه المحادثات تنتشر اليوم بسرعة غريبة، ويتداولها الناس صغارًا وكبارًا بين رافضٍ لطبيعتها؛ كونها تمسُّ هويته الاعتقادية، وبين متردِّدٍ متذبذب لا يريد قبول ما يقولون، ولا يتمكن من رفضه.. وهناك من يقبل دون تصريح!

وبالطبع بيننا من يردُّون هذه الإثارات من منطلقات وبناءات علمية رصينة، وهم من نتعلم منهم إن شاء الله تعالى.

نرجع إلى الإثارة محل الكلام، وفي البدء مقدَّمة أُحرِّرُ فيها مرجع مثل هذه (الإشكالات). إن صحَّ أن يُقال عنها (إشكالات).

أقول:

لا أجوبة حليَّة لمثل هذه الأسئلة؛ لانتفاء موضوعيتها، فهي كالسؤال عن تعريف (اللا شيء)!

البيان:

من أهمِّ مقومات الفِكر التمكن من تحقيق المستوى العلمي الصحيح من التجرد عن محيط الإدراك المحصور في دائرة المُدرِك، وبيان ذلك:

يقيسُ الإنسان إدراكاته على نفسه، فهو يرى الخارج المُدرَك من خلال نفسه، فيقطع -مثلًا- بسكون الجمادات لأنَّه يراها جامدة، ويحصر الأشياء في الوجود المُدرَك بالحواس، لأنَّه لم يلتفت إلى أنَّ وجوده الإدراكي يقوم على مُدرِكات غير هذه الحواس الخمس المعروفة، ويبحثُ الفِعلَ من الله تعالى كما هو مِنه.. وهكذا يستمر في عمق هذا المنهج القياسي، فلا يخرج على الإطلاق من شرنقة المادَّة وأبعادها وظروفها.

لاحظوا بحوث الأكابر من علماء الغرب والشرق، فهي في الغالب لا تناقش ولا تُبدِع في غير نفس الحركة المشهودة والمُدرَكة بالحواس والتي يمكن قياسها طولًا وعرضًا وعمقًا وكمًّا، ولكنَّها لا تتطرق إلى الوجود الربطي الدقيق لنفس هذه المُدرَكات، وقد تحدثت في غير مناسبة حول هذا الوجود الجوهري، وأشرتُ بوضوح إلى محوريته وعِمادته في الفِكر القويم القادر على تفسير مظاهر الوجود على أُسسٍ صريحة صحيحة.

ترى الكثيرُ من العقليات الإنسانَ محورًا يَرْجَعُ إليه، ويَتَوَقَّفُ عليه كلُّ شيء.. حتَّى الله سبحانه وتعالى، فيقول -مثلًا-:

ماذا كان يفعل اللهُ قبل الخلق؟ وماذا سوف يفعل بعد القيامة؟

منشأ هذه الأسئلة هو الانحصار في الذات، والتفكير من الداخل الذاتي إلى الخارج المُدرَك، وهذه منهجية قد تنفع في البحوث الابتدائية، ولكنَّها ضعيفة جدًّا عند مشارف البحث الحِكَمي الناضج.

لو أنَّ الفِكر ينطلِقُ في نظره من الخالق سبحانه وتعالى، فإنَّه يصطدم مباشرة بضرورة الخروج عن قاهرية الزمان والمكان، والخروج عن نفس قانون الخروج؛ حيثُ إنَّ هذه القوانين مخلوقة لقوَّة قاهرة، وعندها يُمسِكُ فتنبلج بين يديه أمتن القواعد الفِكرية على الإطلاق، فيدرِكُ أنَّ وجوده ليس أكثر من ذرَّةٍ في فلاة، ولعمري ما هو قدر كل ما تظله السماء الأولى بالنسبة لها، وما قدر الأولى بما تظل في الثانية والثالثة.. إلى السادسة، بالنسبة للسابعة؟

وما قدر وقيمة السماء السابعة وما تحتها من سماوات ووجودات لا يحصرها مُدرِك، بالنسبة لعرش الله سبحانه وتعالى؟

وهو القائل في كتابه العزيز: (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ)!

أيُّ شيء نحن في هذه العظمة وجلالها؟

مشكلة هذه العقول أنَّها لا تتمكن من الخروج عن خناقات الفعلية في داخل المكان وزمان المكان، فتقيس الخالق تبارك ذكره على هذه القواعد الممكنة الضيقة.. تقول: الآن يرى اللهُ تعالى عملي، وإذا كان يراه، فهو يرى اللحظة الفعلية منه، وبالتالي فهو ينتقل مع العمل كانتقالي معه من نقطة إلى أخرى!

تقول: إذا كان الله تعالى يعلم بكلِّ شيء، فلِمَ خلَقَ الخَلْقَ؟

تقيس علم الله وفعل الله وإحاطة الله بكيفية علم وفعل وإحاطة الإنسان، وهي كيفية مقهورة بظرفي الزمان والمكان، وبالتالي فإنَّ هذه العقليات لا ترى الله إلَّا في داخل هذه القيود، فترِدُ مثل هذه الإشكالات التي ترجع إلى منشأ عنواني واحد، هو:

القياس المطلق على الذات. وهذا خطأ عظيم لا خلاص من ضلالاته وانحرافاته إلَّا بالتخلص من مقتضياته قبل التفكير في علاجه، وأوَّل الخطوات العلمية هي الوقوف اليقيني على براهين الوجود الغني المطلق، المتعالي كل التعالي على الوصف، وإنَّما وصف نفسه لنا لضيق العبارة الدالة، بل لعجز كلِّ دالٍّ عن المطابقة الاستيعابية التامَّة للمدلول؛ والسبب أنَّ نفس الدال، ونفس العلاقة التي نُعبِّر عنها بالدلالة، هي مخلوقة لما نريد الدلالة عليه، وهذا هو قول العظيم الأكمل إمامنا الحسين (عليه السلام) في دعاء يوم عرفة: “كيف يُسْتَدَلُّ عليك بِمَا هو في وجودِه مُفْتَقِرٌ إليك، ألِغَيرِكَ مِنَ الظهور ما ليس لكَ حتَّى يكون هو المظهر لك؟ متى غِبْتَ حتَّى تحتاج إلى دليل يدُلُّ عليك؟ ومتى بَعُدْتَّ حتَّى تكون الآثارُ هي التي تُوصِلُ إليك؟ عَميتَ عينٌ لا تراك عليها رقيبًا…”.

إذا قام الأمر الإلهي في العقل، سلِمَ من مثل هذه السقطات، وفهم انتفاء موضوعية مثل هذه الأسئلة.

يرجع البعض قائلًا: لم تُجِب على السؤال.. ماذا سيفعل اللهُ بعد القيامة؟

أقول: عميتْ عينُكَ التي لا ترى اللهَ عليها رقيبًا، وخسرتْ صفقتك إذ لم يجعل اللهُ لك من حبِّه نصيبًا.

 

 السيد محمَّد علي العلوي

29 من ذي القعدة 1438 هجرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *