الرئيسية / مقالات / عندما تكونُ القِراءَةُ من أسباب الضحالة في الفِكْر..

عندما تكونُ القِراءَةُ من أسباب الضحالة في الفِكْر..

ذهبَ بعضُ المُفكِّرين إلى أنَّ للأشياء أربعة وجودات:

وجودان حقيقيان، هما: الوجود الخارجي كوجود الجبل والبحر وما شابه، والوجود الذهني وهو العِلم بالأشياء الخارجية، وَوُصِفَا بالحقيقة لاستغنائِهما عن الوضع والاعتبار.

ووجودان اعتباريان، هما: الوجود اللفظي، وهو وجود الألفاظ الدالة على المعاني، والوجود الكَتبي، وهو وجود الرسم الدال على المعاني.

يرجعُ هذا التقسيم إلى حاجة ذاتية في الإنسان، وأخرى اجتماعية، أمَّا الذاتية فهي إدراك الخارج لغايات مهمَّة تقوم على أصلين رئيسيين، هما: تكميل النفس، ودفع الضرر، فالإنسان يتكامل بإدراك محيطه وكل ما يتعلق به كنفسٍ مجبولة على التكامل والسمو، غير أنَّ هذا التكامل مهدَّدٌ بالانتقاض من مجموعة من المخاطر يأمنها الإنسانُ بإدرَاكِها مقدِّمة للتعامل معها بما يجنِّبه خطرها.

وأمَّا الاجتماعية فهي أيضًا راجعة لنفس أصلَي تكميل النفس، ودفع الضرر، ولكن من خلال التكامل مع إدراك العقول الأخرى.

لذا، فإنَّ الإنسان يُدرِك (الوجود الخارجي) فيحضر عنده (وجودًا ذهنيًا) ثُمَّ أنَّه يتكامل به مع الاخرين من خلال (الوجود اللفظي)، وإن تعذَّر أو غير ذلك من مرجحات الانصراف عنه انتقل إلى (الوجود الكتبي).

نحن إذن، نتعامل فيما بيننا بناءً على إدراكاتنا الفردية، وإذا ما تمَّ ذلك على الوجه الصحيح فإنَّ الإدراك الجمعي يرتقي من خلال منظومة تكاملية قِوامها تلك الإدراكات الفردية.

يتحصَّلُ من ذلك أنَّ العِلمَ حالةٌ من التباني الفِكري تقوم به الإدراكات البشرية في عملية مقصودة.

فلنُدَقِّق قليلًا..

قال الله سبحانه وتعالى في محكم الذكر العظيم: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ)، والقراءة في الآية المباركة بمعنى التدبر والتحليل، فعقَّب سبحانه وتعالى بمادَّة ذلك مقدِّمةً وبناءً، أمَّا المقدِّمة فباسم الربِّ الخالق، وبما أنَّ التدبر لن يخرج عن حدود المخلوق إلَّا بمقتضيات المقابلة، فالمَرْجِعُ دائِمًا إلى الخالق، وهو ربُّ كل شيء. وأمَّا البناء فأوَّله أنتَ أيُّها الإنسان. ثُمَّ إنَّك لن تُعدَم الهداية ما دمت مع الله (الأكرم)، فهو مصدر العلم والمعرفة.

تتَّسِمُ هذه المنهجية القرآنية بالعمق في التدبر والتحليل لبناءٍ صحيحٍ مستقيمٍ، وهذا ما ينبغي طلبُه في الوجودات الذهنية واللفظية والكتبية، فالتحصيلُ من خلال انتزاع المفاهيم من الوجود الخارجي، والتحصيل من خلال الحوارات والمناقشات، والتخصيل من خلال القراءة والكتابة، لن يكون تحصيلًا مُنْتِجًا ما لم يقم على التدبر والتحليل بغرض المقابلة والنقض على طريق طلب الحقيقة، وينبغي لنا الالتفات إلى أنَّ للحقيقة مراتب على طول الخط من إدراكات الإنسان إلى عالم الواقع في نشأة عالية فوق هذه النشأة الدنيا، وكلَّما ترَقَّى الإنسان في معارفه كلَّما حقَّق قربًا أكبر من الحقيقة الحقَّة، وبالتالي فإنَّ النتائج التي نخالِف فيها ما دوَّنه المتقدِّمون عنَّا، ليس بالضرورة أن تكون مقابلة لها مقابلة النقيض، بل في كثير من الأحيان تصحُّ نتيجتان، كما قد يُقال في التعريف بالجنس البعيد، فهو وإن لم يكن تامًّا إلَّا أنَّه ليس بخاطئ، ولكنَّ الإنسان كلَّما دقَّ في نظره، وتكامل مع العقول المُنْتِجة، كلَّما اقترب من النتيجة الحاصرة الأدق.

نحن في حاجة ماسَّة لتدبُّر العِبارة ومناقشتها أكثر من حاجتنا لمجرَّد جمع الآراء وتقريرها، وهو ما أٌقرِّبُه بالمثال التالي:

قال الخواجة نصير الدين الطوسي (رحمه الله) في كتابه الجليل تجريد الاعتقاد: “الفصل الأوَّل: في الوجود والعدم، وتحديدهما بالثابت العين والمنفي العين، أو الذي يُمكِنُ أن يُخبَر عنه ونقيضه، أو بغير ذلك، يشتمل على دور ظاهر، بل المرادُ تعريف اللفظ؛ إذ لا شيء أعرَفُ من الوجود”.

أقول:

نتمكن من فهم عبارة الطوسي بالرجوع لمجموعة من الشروح، وهو أمر متيسر بلا إشكال، ولكنَّ هذا الفهم إن لم يقم على استيعاب بناءات العقل الذي أنتج هذه العبارة، فهو لن يكون أكثر من تكرارٍ لما قيل وما قد يُقال، وإن زِيدَ عليه فهي زيادة في نفس الدائرة، أي بالبناء على (الوجود والعدم).

عندما يقصدُ القارئ التباني الفكري فإنَّه يفتح أوَّلًا باب المناقشة مع الكاتب، فيسأل: ما هو نوع المقابلة بين الوجود والعدم؟

هل تقصد بالعدم عدم الوجود الخاص؟ أي: عدم وجود الممكن مثلًا، أو عدم هذا الموجود. أو أنَّك تقصد به النقيض المباشر، وهو: اللا وجود؟

ثُمَّ إنَّ الفِكر يفترض جوابًا من الخواجة (رحمه الله)، هو: أقصد بالعدم المقابل ضرورة للوجود، سواء وجِدَ خارجًا أو لا، فالأمر راجِعٌ للاعتبار الذهني.

فيقول القارئ: ينبغي عليَّ الاتِّفاق معك على صِحَّة القول بالاعتبار، وإلَّا فالمسألة تحتاج إلى بحث مبنائي.

مِثالٌ آخر:

تعلَّمنا في المدارس أنَّ الماء يغلي عند درجة 100، وعلى هذه الحقيقة تقوم بناءات كثيرة، غير أنَّ الفِكر التدبري لا يشعر بأدنى اكتفاء؛ فهو يطلبُ القانونَ الظَرْفِي لهذه العملية، لا القانون الذي يسَجِّل نقطة الغليان عند تساوي ضغط البخار للمادَّة الضغط الجوي!

لماذا، وكيف؟ هنا يعمل الفِكر، ولا ينتهي تكرُّر لماذا وكيف، إلَّا عند الجواب الحِكَمي، وهذا ما يطلبه القارئ.

معلومة واحدة تفتح العقل على مباحث ذات آفاق واسعة رحبة، في حين أنَّ قراءة عشرات الشروح دون إعمال للاستقلالية العلمية الفكرية لن يورث أكثر من ضحالة تفرِضُ نفسها عمقًا في ميادين الفِكر، فيتحول الجهل المركب إلى علم ومعرفة وفهم، وتتزايد هذه الحالة كلَّما ارتفعت نسبة الصور المُخزَّنة، وتراجعت نسبة التدبر والتحليل بعقول علمية مستقلة في داخل أُطر العلم التكويني الصحيح. وهنا المعضلة!

إنَّه وبِقَدَرِ أهمية القراءة والحاجة إليها، إلَّا أنَّها من أشدِّ أدوات الجهل ما لم تُعرفُ ماهيتها، ومن نتاج ضعف المعرفة ظاهرة التَسقُّف بمقولات العلماء والمفكرين، وهي ظاهرة متكرِّرة في مختلف المدارس الفِكرية، فهناك من يتسقف بماركس، وآخر بداروين، وثالث بالملا صدرا.. وتتلون مظاهرُ التسقف فتبدو في بعضها استقلالًا، إلَّا أنَّ بشيءٍ من التدقيق نرى الحالة نفسها برشاقةٍ تمويهية لا أكثر.

ينبغي لنا الانتباه إلى أنَّ العالِم لا يقبل أن يكون سقفًا في العِلم، بل من معالِم عالِميَّتِهِ أن يدفع المُحَصِّلينَ لتكميله والتكاملِ بِه، فيرتفع سقفُ العِلمِ ببناءِ المُحصِّلين.

الآن، ما الفرق بين القراءة والمناقشة؟

القراءة وهي وجود كتبي حالة إظهارية للوجود الذهني تخضع -بحسب بعض الموازين الاعتبارية- إلى تنظيم معين يساعد القارئ على فهم مرادات الكاتب، وهنا حقيقة مهمَّة يقرِّرها الإمام أبو جعفرٍ الباقر (عليه السلام)، إذ يقول: “من أصْغَى إلى نَاطِقٍ فقد عَبَدَهُ، فإنْ كان الناطِقُ يُؤدِّي عن اللهِ عَزَّ وجَلَّ فقد عَبَدَ اللهَ، وإن كان الناطِقُ يُؤدِّي عن الشيطانِ فقد عَبَدَ الشيطَانَ”.

ومن هنا تتضاعف أهمية التدبر والتحليل لكلِّ ما يُقال لفظًا أو كتابةً، فقد يحسب المُظهِرُ لوجوده الذهني أنَّه يُؤدِّي عن الله، ولكنَّه في الواقع يُؤدِّي عن الشيطان.. فتتركَّب المُعْضِلات، ويتعقَّد حلُّها كلَّما تعمَّقت الضحالة الفكرية كما نشهده اليوم في الكثير من المقاطع المرئية التي يتمُّ تداولها على أنَّها مواد علمية، والحال أنَّها من أكثر مناطق الجهل عمقًا!

وخاتِمَةُ الكلام أنَّ ليس كل ما يلمعُ ذهبًا، وليس كل ما يبرقُ فِضَّةً، بل قد تكون الحياة في الفحم..

فتدبر..

السيد محمَّد علي العلوي

30 من ذي القعدة 1438 هجرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *