الرئيسية / مقالات / الرسالة العملية للفقيه، ومطلب (التبسيط)

الرسالة العملية للفقيه، ومطلب (التبسيط)

 

 

الرسالة العملية للفقيه، ومطلب (التبسيط)

يدور الحديث بين بعض المؤمنين حول الرسائل العملية للفقهاء المراجع من حيثُ صعوبة عباراتها على غير المتخصصين من عامَّة المُكلَّفين، ويستشهدون على ذلك بسهولة عبارات قلَّة من الفقهاء في رسائلهم العملية، ممَّا يعني إمكانية التبسيط!

قبل مناقشة هذه المسألة، نحتاج أوَّلًا إلى الوقوف على ماهية الرسالة العملية.

الرسالة العملية عبارة عن وجود كتبي لفتاوى الفقيه المجتهد، والفتوى بيان للحكم الشرعي الكلي دون نظر للواقعة الخارجية، فهي خلاصة النظر العلمي للفقيه، ومُدَّعَاه على كونِها مطلوبَ الباري سبحانه وتعالى، وبالتالي يقع هو موضوعًا خاصًّا يَعتَذِرُ بِهِ المُكلَّفُ بين يدي الله تبارك ذكره.

بالبناء على ذلك، فإنَّ ما يريده المُكلَّف من الرسالة العملية هو بيان الحكم الشرعي بعبارة مفهومة سلسة ودون أدنى تعقيد، ومع الاستغناء على المصطلحات الخاصَّة، واستبدالها بتعابير يستوعبها الصغار والكبار.

هل هذه الفكرة صحيحة؟

فلنتأمَّل الأحاديث التالي:

قال الإمامُ الباقِرُ (عليه السلام): “تَفَقَّهُوا في الحلال والحرام، وإلَّا فأنتم أعراب”.

وعنه (عليه السلام)، قال: “سارِعُوا في طلب العلم، فوالذي نفسي بيده، لحديث واحد في حلال وحرام تأخذه عن صادق، خيرٌ من الدنيا وما حملت من ذهب وفضة”.

وقال الإمامُ الصادِقُ (عليه السلام): “ليتَ السياط على رؤوس أصحابي حتَّى يتفقَّهُوا في الحلال والحرام”.

ترتكز مضامين هذه الأحاديث وأمثالها على بُعدِ التفقه في الحلال والحرام، لا مجرَّد المعرفة السطحية، فالمسألة بذلك راجعة إلى تأسيسات ثقافية يريدها المعصومون (عليهم السلام) للشيعة، ولا يعني ذلك أن تتعالى الرسائل العملية على أفهام الناس، ولكنَّه أيضًا لا يعني أن تنزل بحيث تفقد القدرة على رفع المستويات الثقافية العامَّة لما يُرتجى أن يكون عليه الشيعي.

نحتاج أن نُؤكِّد على مسألة مهمَّة، وهي افتقار كل التخصُّصات العلمية والحِرف والمِهَنِ للرسالة العملية، واستغناء العَالِم الفقيه ابتداءً عن غير ما يُمكِّنه من استنباط الحكم الشرعي، ومن هنا نفهم الضرورة المجتمعية للتفقُّه في أحكام الحلال والحرام.

أقول الآن..

أفْتَرِضُ احتِمَالين رئيسيين لمحافظة أكثر الفقهاء على اللسان العِلمي (الحوزوي) في صياغة رسائلهم العملية، هما:

  • دفع عامَّة المؤمنين لتحصيل الثقافة الإسلامية بما يُؤهل لفهم كلمات الفقهاء، وبالتالي فإنَّ الرسالة العملية مشروعٌ ثقافي إلى جانب كونها وجودًا كتبيًا لفتاوى الفقيه المجتهد.
  • إرادة الفقهاء للمحافظة على ارتباط عامَّة المؤمنين بالعالِم، بحيثُ أنَّ لا يغنيهم توفرهم على الرسالة العملية عن الاستيضاح من العالم القريب، وبذلك تبقى هذه الصلة لتمنع بعض المشاكل من جهة، وتثمر بعض المحاسن من جهة أخرى.

أمَّا الاحتمال الأوَّل فليس من الصعب الاستدلال عليه بكثير من النصوص الواردة في القرآن الكريم وعن أهل بيت العصمة (عليهم السلام)، بل لا شكَّ في أنَّ الحِراك الثقافي على أُسُسٍ إسلامية صحيحة محورٌ من محاور الخلافة الإلهية في الأرض، كيف لا، وقيام الاحتجاج الإلهي كان على العلم بالأسماء (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا).

وأمَّا الثاني فقد جاء عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أنَّه قال: “الفقهاءُ أمناء الرُسُل”.

وقال أبو عبد الله (عليه السلام) لحمران بن أعين في شيءٍ سأله: “إنَّما يهلك الناسُ لأنَّهم لا يسألون”.

وعنه (عليه السلام)، قال: “إنَّ هذا العلم عليه قِفْلٌ، ومفتاحه المسألة”.

وعن زيد الشحَّام، عن أبي جعفرٍ (عليه السلام) في قول الله عَزَّ وجَلَّ: (فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ)، قال: “قلتُ ما طعامه؟

قال: علمه الذي يأخذه، عَمَّن يأخذه”.

من هذه النصوص وغيرها، يتحصَّل العلم بأهمية ارتباط عامَّة الناس بالعلماء المرتبطين بالعلم الصحيح الموافق للثقلين المُقدَّسين، بل إنَّ من أهمِّ وظائف العلماء الاعتناء بالمؤمنين وحفظهم عن الضلال والوقوع في مزالق التِيه والضياع.

من جهة أخرى، فقد أشرنا قبل قليل إلى أنَّ فتوى الفقيه هي بيان للحكم الشرعي الكلي دون نظر إلى الواقعة الخارجية، وبعبارة أخرى: يرجع تشخيص الموضوع الخارجي لنفس المكلَّف، وأمَّا الحكم فهو مسؤولية الفقيه.

مثال: يقول الفقيه بجواز الصلاة من جلوس عند الضعف عن القيام ضعف مشَقَّة فِعْليَّة. وعند هذه النقطة ينتهي دور الفقيه، بل ودور كل أحد غير نفس المُكلَّف، فلا يقول الفقيه للمكلف: صلِّ من جلوس، ولكنَّ المكلَّف يقول: وظيفتي الصلاة من جلوس.

نحن نعاني مشكلة متعبة، وهي أنَّ بعض المؤمنين لا يريدون إتعاب أنفسهم في تشخيص الموضوعات، ويريدون من الفقيه أو العالِم المُبلِّغ أن يكفيهم كلَّ شيء، حتَّى التشخيصات الموضوعية، وهذا خطأ، بل ربَّما كان بلادة ينبغي التخلص منها.

وبالرجوع إلى أصل الموضوع، فما أراه هو أنَّ الرسائل العملية ليست على هذا القدر من الصعوبة كما يُصَوِّرُ البعض، ولكن كل ما في الأمر أنَّنا بعيدون عمَّا ينبغي أن نكون عليه من مستويات ثقافية إسلامية بشكل عام، وفقهية بشكل خاص، وهذا مع وجود الكثير من المقالات والكتيبات والكتب الخاصة بتفسير المصطلحات الفقهية الواردة في الرسائل العلمية..

وبالرغم من ذلك..

وحتَّى لو عمد كلُّ الفقهاء إلى تبسيط عباراتهم في رسائلهم العملية..

بل وحتَّى لو جعلوها بسهولة مشاهد (الرسوم المتحرِّكة)..

فإنَّ الأمر لن ينتهي عند هذا الحد (…).. وهنا مربط الفرس!

وأنتم -أيُّها الأكارم- سادة الألِبَّاء.

وسؤالٌ قبل السلام..

هل قرأت ما مقداره 5% من المسائل الابتلائية؟

 

السيد محمَّد علي العلوي

4 من ذي الحجَّة 1438 هجرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *