الرئيسية / مقالات / أسلوبُ الخطاب والتوجيه ll مقال لسماحة الشيخ محمود سهلان

أسلوبُ الخطاب والتوجيه ll مقال لسماحة الشيخ محمود سهلان

لا يخفى على من أعملَ النظر أهمية الأسلوب عند توجيه الخطاب أو الموعظة أو ما شابه ذلك، فهو بحدِّ ذاته جزٌء من أجزاء العملية ككل، وتتعاظم أهمية الأسلوب كّلما زاد الموضوع حساسية، وكلّما زاد أهمية، وكذلك الظروف، وكلّ ما له علاقة بالأمر، ولعل أكثر الأمور خطورةً هي ما تتعلق بالتوحيد وعبادة الله عز وجل، خصوصًا مع صعوبة الطريق وما تعتريه من مشقَّاتٍ عِظام، وأحمالٍ جِسام.

عندما نطالع سيرة الأنبياء والأولياء عليهم أفضل الصلاة والسلام، نجد أنهم اتبعوا العديد من الأساليب الراقية والمنتجة، وقد نتمكن من الخروج بنقاط تلاقٍ بين ما اتخذوه من أساليب، كما أن أساليبهم في العمل لا تخلوا من نقاط افتراق، كلٌّ حسب الظروف المحيطة به، سواء على مستوى عمله بشكلٍ عام أو على مستوى الجزئيّات والمواقف المتفرقة هنا وهناك.

من الشخصيات العظيمة التي كان لها أسلوبًا مميزًا في دعوتها هي شخصية النبي إبراهيم عليه أفضل الصلاة والسلام، حيث عمد إلى أسلوب تشكيك الناس في مسألة الرَّبِّ الذي يعبدون، حيث كان الأمر يستدعي ذلك، لأن الشرك وعبادة الأوثان هو ما كان مسيطرًا على غالبية الناس، وفي ذلك أذكر موقفين منه عليه صلوات الله وسلامه:

الموقف الأول: في طريقةٍ استدلاليةٍ مناسبة لما كان عليه المشركون، انطلق إبراهيم عليه السلام ليُثبت عدم ألوهية الكواكب والشمس والقمر، ثم يُعلن أنه يعبد فاطرَ السماوات والأرض، فيجعل المشركين يتنقلون معه من معبودٍ يدَّعيه إلى آخر، فيعيشون الحالة معه، فيجعلهم في شكٍّ ممّا كانوا يعتقدون، ثم يُرشدهم للمعبود الحقيقي. قال تعالى: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)[الأنعام/ ٧٥-٧٩].

الموقف الثاني: خطَّط إبراهيم عليه السلام لتحطيم الأصنام في حربه ضد الشرك بالله، واستثمر فرصةَ غفلةِ القوم وانطلق يحطِّم أصنامهم التي كانوا عليها يعكفون، وجعل أداة الهدم لدى كبيرِ الأصنام، وعندما اتهموه بتحطيم الأصنام، أراد إقامة الحجة عليهم فقال: اسألوهم إن كانوا ينطقون!! وبهذا الأسلوب جعلهم في موقفِ العاجز، وإن حاولوا أن ينتقموا منه بعدها، ولكنّ الله ناصر عبده. قال تعالى: (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ * فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلاَّ كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ * قَالُوا مَن فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ * قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ * قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ * قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ * قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ * فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاء يَنطِقُونَ * قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلا يَضُرُّكُمْ * أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ)[الأنبياء/٥٧-٦٧].

في هذين الموقفين نجد أنّ نبيَ الله إبراهيم عليه السلام لم يجعل الناس في شكٍّ دون إرشاد وهداية، سواء أعلن عبادته لله مسبقًا أم لا، فيزرع الشكَّ في نفوس المشركين والملحدين، ثم يتدرج معهم حتى تكون له الحجةُ عليهم، ثم يرشدهم إلى الصراط المستقيم، فيما نجده من جهةٍ أخرى شديدًا في أمر الله تعالى، وملتزمًا به ومجاهدًا في سبيله، حيث عرَّض نفسه لأعتى العتاة والطغاة من أمثال النمرود، وكلّ ذلك من أجل أن تكون كلمة الله هي العليا.

من هنا أوجِّه كلمةً لمن يريد أن يعمل في الساحة الإسلامية، أن ينتبه كثيرًا للأسلوب والمخطط الذي يتّبعه، ولا بدّ له أن لا يغفل عن محدودية قدراته قبال الأنبياء والأوصياء مهما بلغ من العلم، فعندما يصدر منهم -عليهم السلام- بعض الكلماتِ والأفعال الصادمة لعامة الناس، أو المشكّكة، فإن الحقيقةَ والصورةَ لديهم كاملة، ويعلمون ما لا نُحيط به نحن، كما أنهم لا يعمدون إلى الركائز والثوابت ليجعلوها عُرضةً للشك، بل يجعلون الشكّ منصبًّا على طريق الضلال والشرك والإلحاد، وهذا ما ينبغي أن نكون عليه.

 

محمود سهلان

١٣ ذو الحجة ١٤٣٨هـ

٤ سبتمبر ٢٠١٧م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *