الرئيسية / مقالات / كَرْبَلاءُ.. الحَوَادِثُ المَنْقُولَةُ وكُبْرَى (تَكْثيرِ المَصَائِبِ) 3/3

كَرْبَلاءُ.. الحَوَادِثُ المَنْقُولَةُ وكُبْرَى (تَكْثيرِ المَصَائِبِ) 3/3

تذكر كتب التاريخ وروايات المقتل مجموعة كبيرة من المصائب تحت مصيبة ما جرى على الإمام الحسين (عليه السلام) من قتل وسلب وانتقام من جسده الشريف بالرض والتكسير والتقطيع، وفي الكثير منها تداخل النفس بعضُ الأسئلة والاستفهامات الموضوعية والمُبرَّرة، وفي الغالب لا ترقى الإجابات عليها إلى مستوى الاستقرار الفكري الصادق.

فنتأمل جيِّدًا..

قال أبو جعفرٍ الباقر (عليه السلام): “أُصيبَ الحُسَينُ بنُ عليٍّ (عليهما السلام) ووُجِدَ بِهِ ثلاثمائة وبضعة وعشرون طعنةً برُمحٍ، أو ضربةً بسيفٍ، أو رميةً بسهمٍ، ورُوي أنَّها كانت كُلُّها في مُقَدَّمِهِ لأنَّه (عليه السلام) كان لا يُوَلِّي”[1].

يُقال:

كان في إمكان الحسين (عليه السلام) تجنُّب وقوع هذه المصيبة العظمى لو أنَّه سلك طريقًا إلى غير العراق، أو لو أنَّه كرَّرَ ما قام به أمير المؤمنين (عليه السلام) في تعاطيه مع الوضع السياسي على مدى ثلاثة عقود..

ولكنَّه لم يفعل، بل وأصرَّ على العراق غاية لرحلته الحاسمة، مع علمه بما يقع عليه وما يجري على نسائه وأطفاله!!

في حديث له (عليه السلام) مع أمِّ سلمة، قال: “يا أُمَّاه، قد شاءَ اللهُ أنْ يَرَانِي مَقْتُولًا مَذْبُوحًا ظُلمًا وعدوانًا. وقد شاءَ أنْ يَرَى حَرَمِي ورَهْطِي ونِسَائِي مُشَرَّدينَ، وأطفالي مذبوحينَ مأسُورِينَ مظلُومِينَ مُقَيدِينَ، وهم يستغيثون فلا يجدون ناصِرًا ولا مُعِينًا”[2]، وكرَّر هذا الموضوع في حوار له (عليه السلام) مع أخيه محمَّد بن الحنفية[3].

يختلج في النفس سؤالٌ..

هل تعلَّقت المشيئة الإلهية بتعريض النساء والأطفال لمثل هذه المصائب؟ كيف نتصور هذا الأمر؟ كيف نفهمه؟ ما هو تفسيره؟

مضى (عليه السلام) نحو مصرعه في كربلاء العراق، وطوال مسيره كان على تذكير مستمر لمن معه بما يجري عليهم، وأنَّ الشهادة أمر محسوم ما لم يتركوه، وفي آخر اللحظات قام فيهم خطيبًا، فقال:

“اللهم إنِّي لا أعرفُ أهلَ بيتٍ أبَر ولا أزكى ولا أطهر من أهل بيتي، ولا أصحابا هم خير من أصحابي، وقد نزل بي ما قد ترون، وأنتم في حِلٍّ من بيعتي، ليست لي في أعناقكم بيعة، ولا لي عليكم ذمَّة، وهذا الليل قد غشيكم فاتَّخِذُوه جَمَلًا، وتَفَرَّقُوا في سواده، فإنَّ القومَ إنَّما يطلبونني، ولو ظفروا بي لذهلوا عن طلب غيري”[4].

في تصوري أنَّ في مثل هذه المقامات، ومع هذه التصريحات، يظهر المتحدِّث في حال من الانكسار وقلَّة الحيلة، والحال أنَّ الإمام (عليه السلام) كان قادرًا على انتهاج القوة الخطابية والتحشيد الجماهيري ضدَّ جيش الشام، ولكنَّ الذي فعله عكس ذلك تمامًا!

دارت رحى الحرب، وبدأ معسكر الإمام الحسين (عليه السلام) الدخولَ في منعطف ظهور النقص والانكسار، فتحول الأصحاب إلى البروز واحدًا تلو الآخر، حتَّى مضوا جميعهم شهداء صرعى، فتقدَّم أبو عبد الله (عليه السلام) نحو الخيام يطلب طفله الرضيع ليودِّعه.. قال:

“ناولوني ذلك الطفل حتَّى أودِّعه.

فناولوه الصبي، جعل يُقَبِّله وهو يقول: يا بُنَي، ويلٌ لهؤلاء القوم إذا كان خصمهم مُحَمَّدٌ (صلَّى الله عليه وآله).

قيل: فإذا بسهم قد أقبل حتَّى وقع في لُبَّةِ الصبي فقتله، فنزل الحسين عن فرسه وحفر للصبي بجفن سيفه ورَمَّلَهُ بدمه ودَفَنَه”[5].

ممَّا يحوم في النفس..

يا أبا عبد الله.. ترى وحشية القوم وتعطشهم للنيل منك وكافة من معك، فلماذا تُبرِز هذا الرضيع أمام طغيان قلوبهم؟ ألم يكن من الممكن المحافظة عليه داخل الخيمة؟

أكتفي بذكر هذه الشواهد؛ فهي ليست أكثر من مصاديق فِعلية قد نتمكن من ضمها في عنوان مشترك يُفسِّرُ الكثير من المواقف التي ربَّما أنكرتها ثقافات وقبلتها أخرى، وهذا الضم يرجع إلى منهجية علمية طبَّقها الدكتور جودت القزويني في بعض بحوثه الموضوعية الجيِّدة[6].

في تصوري القاصر أنَّ الإمام (عليه السلام) كان يسعى لتكثير المصائب في داخل المصيبة العظمى وهي عموم ما جرى عليه وعلى أهل بيته وأصحابه من قتل وذبح، وعلى نسائه واطفاله من سبي؛ فليعلم الناسُ على مرِّ الدهور والعصور أنَّ الظالم لا يرعوي ولا يردعه ضعف طفل ولا شيخ ولا امرأة ولا صبية.. ولا غير ذلك..

وأهمُّ من ذلك، أنَّ التخاذل عن نصرة أئمَّة الحقِّ (عليهم السلام) تنتهي بالأمَّة إلى أن تُنتهك أعلى مقدَّساتها، وعليه، فإنَّ مُقتضى الغيرة الصادقة أن يسعى المؤمنون من بعد كربلاء إلى إحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام) في كلِّ مفاصل الحياة، وعن الهروي قال:

“سمعتُ أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) يقول: رَحِمَ اللهُ عَبْدًا أحيا أمرنا.

فقلتُ له: وكيف يحيي أمركم؟

قال: يتعلم علومَنَا ويعلمها الناس، فإنَّ الناسَ لو علموا محاسن كلامنا لاتَّبعونا”[7].

ننتهي إلى:

إذا تخاذل الشيعة عن إحياء الدين في كافَّة مفاصل حياتهم، فإنَّهم يُنتَّهكُون ولا تبقى لهم حرمة؛ فإنَّ عصمتهم بالتزامهم الإسلامي الدقيق.

ويكون الحثُّ العظيم منهم (عليهم السلام) على إحياء عاشوراء ومصائبها ونوائبها راجعًا في بعض ما يرجع إلى التذكير بضرورة الالتزام عقيدة وفقهًا وأخلاقًا.

في حال ثبوت هذه الكبرى بأدلة غير الاستنباط التاريخي الاجتهادي، يتأكدُّ أنَّ شأنية كربلاء بما جرى فيها تتوسَّع لتشمل سياسات مارسها الإمام الحسين (عليه السلام) قد تجاوز بها ظروف الحرب ومواجهة القتل والذبح، وقد تُصحَّح بعض الروايات بالقياس عليها، وعندما أقول (تُصحَّح) لا أعني القطع بثبوتها، ولكن لا أقل التخفيف من حِدَّة إنكارها، إضافة إلى التمكن من فهمها في ضمن سياق منطقي سليم.

ولا بدَّ هنا من الإلفات إلى أنَّ قول وفعل وتقرير المعصوم (عليه السلام) حجَّة بلا كلام، ولكن هناك ما يصح للمعصوم (عليه السلام) ولا يصح لغيره مطلقًا، وهناك ما يصحُّ له (عليه السلام) ولا يصحُّ لغيره إلَّا بإذن، فلا يُقال: هل نُكثِّرُ المصائِب تأسيًّا بالإمام الحسين (عليه السلام) كما هو مُدَّعاكم؟

والجواب: لا. وأمَّا الضابطة فتأتي إن شاء الله تعالى في بعض البحوث المُفصَّلة.

أردتُ إثارةَ هذا التوجيه الممكن، وأمَّا التفصيل فيه ومناقشة ما يردُ عليه، فأوكِله إلى مقامات قادمة أعِدُ بها إن شاء الله تعالى. أمَّا الرسالة المهمَّة في هذا المقام، فمُفادها:

علينا أن نتريث قبل القطع بالرفض والإنكار، فهناك مساحات للمناقشات الهادئة والمحاورات المُثمِرة، ولا ينبغي -والحال هذه- الاستعجال بالمصادرات وتهويل التهم بألفاظ جارِحَة.

أسأل الله تعالى للمؤمنين سعة الصدر وأريحية البال، خصوصًا في مناقشاتهم البينية، كما وأسأله عزَّ وجلَّ أن يوفقنا لمراعاة بعضنا البعض والتحرُّز من استعمال توصيفات في غير محالِّها، مثل: خرافة.. بِدعة.. أساطير.. هُراء..؛ فإنَّها في الغالب بلا موضوعية صحيحة..

فلنتريث، ولنكن رحماء بيننا في مواطن الاختلاف، ومقامات النُصح.  

 

السيد محمَّد علي العلوي

17 من المحرَّم 1439 هجرية

  

[1] – الأمالي – الشيخ الصدوق – ص 228
[2] – لواعج الأشجان – السيد محسن الأمين – ص 31
[3] – اللهوف – ابن طاووس – 63
[4] – الأمالي – الشيخ الصدوق – ص 220
[5] – الاحتجاج – الشيخ الطبرسي – ج 2 – ص 25
[6] – راجع: 1- تاريخ المؤسَّسة الدينية الشيعية من العصر البويهي إلى نهاية العصر الصفوي الأوَّل. 2- المرجعية الدينية العليا عند الشيعة الإمامية، دراسات في التطور السياسي والعلمي. كما ويمكن التوسع بالقراءة في مدارس ومباني فلسفة التاريخ.
 
[7] – بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج 2 – ص 30

2 تعليقان

  1. محمد عبدالرضا

    احسنتم سيدنا…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *