الرئيسية / مقالات / ليسوا مطايا.. ليسوا جنائز!!

ليسوا مطايا.. ليسوا جنائز!!

يتعرَّضُ الناسُ في مجتمعاتهم لضغوطٍ ثقافية ذات مناشئ سياسية واقتصادية، فقد تمنع دولةٌ الصحفَ والمجلات والمواقع (الإلكترونية) التي لا تتوافق مع مقاصدها السياسية ومتطلبات تلك المقاصد من اجتماعيات وتربويات، وتفرضُ الواقع الثقافي المطلوب بحصر الخيارات المعرفية فيما تُنتِجُهُ من مصادر للتعلم، فلا يجد الناس في مجتمع تلك الدولة غير صحف ومجلات وكتب ومواقع الحزب الحاكم، وهذا ممَّا وقع بالفعل في زمن نظام البعث العراقي وخصوصًا في آخر عقدين من حكمه.

في مواطن اجتماعية أخرى قد تعمد السلطات الإعلامية إلى إغراق الناس بما يؤسِّس إلى عدم الثبات الذهني، وذلك من خلال مجموعة من الإجراءات التي لا يتمكن الفرد من التخلص منها إلَّا بصعوبة بالغة وبدفع أثمان اجتماعية باهظة!

تُنتِّجُ هذه الحالاتُ ثقافاتٍ وعقلياتٍ مجتمعيةً مخنوقةً في خياراتِ الأنظمَةِ المُسَيطِرَة، سياسيَّةً كانت أو غير ذلك، فتتأثر طباع التعاطي بين الناس في تعاملاتهم التجارية والفكرية والحوارية وما نحوها، فقد تغلب حالةُ ضيق الصدور، أو العصبية، أو السخرية والاستهزاء، أو عدم المبالاة، أو التسرع، أو التخاذل، …، ولكنَّ هذا وبالرغم من تعقُّدِه، إلَّا أنَّه لا يعني (غباءً وبلاهةً) في الناس! فلننتبه جيِّدًا..

رفض أحدُ المؤمنين الذهاب إلى مجلسٍ إذا كان فيه (فلان). فقيل له: لماذا؟

قال: سمعته ذات مرَّةٍ يتحدَّث بكلام ملؤه الهُراء. وبعد فراغه سألتُه منفرِدًا: لم يكن كلامك صحيحًا، بل كان مجانبًا للصواب تمامًا، بل لم يكن ذا معنى أصلًا!

فأجاب: لا عليك يا أخي، فالناس (جنائز)!!

وقال آخر ممَّن يبيعون الكلام: قل ما يستهوي الناس وإن كان باطِلًا، فالناس (مطايا)!!

بلا أدنى شكٍّ ولا ريب، فـ(الجنازة) من يرى الناس (جنائز)، و(المطي) من يرى الناس (مطايا)، وبالفعل أنَّ الغبي من يعتقد بأنَّ الناس (أغبياء).

تعرَّض أحدُهم يومًا لموجات من الجرح والتسقيط، فقال في بعض كلامه: قال الإمام الصادق (عليه السلام): “إنَّ من كسر مؤمِنًا فعليه جبره”.

دارت الأيام وإذا به يحمل على آخرٍ جارِحًا مُسَقِّطًا، فقيل له: ألم ترفع من قبل حديث الإمام الصادق (عليه السلام) أنَّ من كسر مؤمِنًا فعليه جبره؟ لِمَ تكسر هذا المؤمن الآن؟

فقال: عليك أن تثبت أوَّلًا أنَّه مؤمِن!!

تلاعب معيب بالمعاني والألفاظ استصغارًا للناس وعقولهم، فهم في نظر هؤلاء (جنائِز) و(مطايا).

لا، فالناس يفهمون وعلى مستويات متقدمة من الوعي والمعرفة والتمكن من تذوق الكلام ووزنه بشكل جيد، وإن نجح بعضٌ في تمشية شيءٍ من الهُرائيات، فهذا عيب يلحق به، لا بالناس الذين استمعوا له ثِقة واحترامًا، ولو أنَّهم في أحوالٍ غير هذه الأحوال، لما تمكَّن من الحديث إليهم بغير ما يُجلِّله التقدير والاحترام لهم ولعقولهم.

علينا أن ننتبه جيِّدًا إلى أنَّ القارِئ والمُستَمِعَ لغير اللهِ تعالى والمعصوم (عليه السلام) مُتَفَضِّلٌ ذو كَرَمٍ وإحسانٍ على من يقرأ ويستمع إليه، وانعكاس الأمر إرثٌ خلَّفه السفسطائيون أيَّام الإغريق عندما كانوا يبيعون الكلام على الناس في خُطَبٍ وبيانات ملؤها الجدل والمغالطات!

على من يرى الناسَ (جنائز) و(مطايا) مراجعة وصية أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الأشتر (رضوان الله تعالى عليه) عندما ولَّاه مِصرًا، فإنَّها تقوم في جوهر بنائها على قاعدةٍ تكرَّرت على لسان العصمة، وهي: حب لأخيك ما تحب لنفسك.

فهل تحبُّون أن ينظر إليكم الآخرون كما تنظرون للناس؟ (جنائز) و(مطايا)؟

معيب ما نراه من البعض، ونسأل الله تعالى الإغاثة من أنفسنا، فإنَّ النفس لأمَّارة بالسوء، إلَّا ما رحم تبارك ذكره.

آخر الكلام..

إنَّ سكوت الناس على ما يقوله صاحبُ عقلية (الجنائز) و(المطايا) لا يعني بالضرورة رضاهم أو اقتناعهم بما يقول، ولكنَّ الأرجح والأغلب أنَّهم يرون العقل والحِكمَةَ والسلامة في عدم النزول لمستويات (الجنائز) و(المطايا).

 

السيد محمَّد علي العلوي

27 من المحرَّم 1439 هجرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *