الرئيسية / مقالات / العَزَاءُ الحُسَينِّيُ بَينَ الدِّينِ وَالسِيَاسَةِ

العَزَاءُ الحُسَينِّيُ بَينَ الدِّينِ وَالسِيَاسَةِ

قال بعض المؤمنين بأن مجرد الإجتماع لإحياء مظلومية أهل البيت (عليهم السلام) فيه إظهار كافٍ لمختلف أبعاد حياتهم من سياسيةٍ وتربويةٍ واجتماعيةٍ وما شابه وعليه فإن الإقتصار على إحياء المظلومية في النفوس كافٍ ويجنب الموكب العزائي عناوين التسييس وما نحوها.

وذهب آخرون إلى ابعد من ذلك حينما أظهروا تخوفهم من أن الطرح السياسي أو الاجتماعي أو التربوي في الموكب العزائي يفرغه من الروح الولائية ويعطيه في كثير من الأحيان صبغة تيارية بحسب انتماء اهل الموكب.

فلنرى البعد الرئيسي في المواكب العزائية وذلك من خلال تدبر قول الإمام الصادق (عليه السلام): “أحيوا أمرنا رحم الله من أحيا أمرنا.

يظهر بأن المحور في هذا الحديث الشريف إنما هو في معنى الإحياء من جهة وفي أمر أهل البيت (عليهم السلام) من جهة أخرى، وحتى نمارس الإحياء فعلاً علينا أولاً فهم أمر أهل البيت ولو في عناوينه العامة.

لا أتصور شيعياً واعياً لا يرى المعصومين (عليهم السلام) قيادات سامية في مختلف أبعاد الحياة، فالمعصوم (عليه السلام) قائدٌ في التربية كما أنه كذلك في الإجتماع وفي السياسة وفي الإقتصاد، إنه وبعبارةٍ بليغة:خليفة الله في أرضه، لذا فإن أمرَ أهل البيت يستوعب جميع نواحي الحياة كما هو إيمان كل من يفهم مبادئ التشيع، ولكن السؤال الآن كيف نحي هذا الأمر؟

الإحياءُ هو بث الروح في جسدٍ لا روحَ فيه حتى يقوم حياً يمارس دوره في زمانه ومكانه، ومن هنا تحديداً أقول بأنه لا إحياء لأمر أهل البيت إذا لم يكن الدور الأول للمواكب العزائية هو بث الروح فينا وفي كل من يخرج رافعاً لراية (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب)، لابد لنورية أهل البيت وهداهم أن ينعكسا عملياً في حياتنا التربوية والإجتماعية والسياسية والإقتصادية وما شاكل، وهذا يحتاج لمعرفة امرٍ مهم وهو أن من مصاديق الإحياء إحياء كون المعصوم (عليه السلام) في مقام البيان دائماً فإذا أردنا إحياء أمرهم (عليهم السلام) صار لزاماً علينا طرح موقفهم الواضح من تربوياتنا و إجتماعياتنا وسياسياتنا ببيانٍ يعطيه صفتي الوضوح والجلاء، أما بالنسبة للرأي الأول وهو الإقتصار في الإحياء على ذكر المظلومية فقط ففي نظري إن هذا التصور ومع مرور الوقت يعمل على ترسيخ ثقافةٍ تعتمد في قيامها على فصل قضية أهل البيت (عليهم السلام) عن واقع الحياة التي نعيشها، ونتيجة ذلك التأصيل لحالة الخوف من استبداد الظالم وتوهم قدرته على تعطيل الشعائر أو منعها وهذا ما يدفع بعض أخواننا في المآتم والحسينيات وعموم المؤسسات الدينية إلى مداراة الظالم والنزول عند رغباته فيتحقق فعلاً عزل الحسين (عليه السلام) عن حياتنا العملية فيكون غريباً في مواكبه كما كان غريباً في كربلاء.

عندما ننظر إلى المعصومين (عليهم السلام) فإننا لا ننظر إلى الدَّعاء علي ابن الحسين (عليه السلام) باستقلالٍ عن العالم جعفر ابن محمد (عليه السلام) ولا عنهما استقلالٌ عن السياسي علي ابن موسى (عليه السلام)، أبداً ليس الأمرُ هكذا بل نحن ننظر إليهم (عليهم السلام) بقانون:”أولنا محمد و آخرنا محمد وأوسطنا محمد، كلنا محمد”، في الشخصية الشيعية تتكاملُ بهذه الصور القيادية في مختلف أبعاد الحياة ولذلك فإننا إذا أردنا إحياء أمر أهل البيت (عليهم السلام) كما أمرنا إمامنا جعفر أبن محمد (عليه السلام) فلازم ذلك تفعيل دورهم القيادي المطلق وربط ما نعيشه في الواقع بسيرتهم المباركة.

ثم أنني أُلفتُ الإنتباه إلى أن الهتاف باسماء الفقهاء العظام في المواكب العزائية ورفع صورهم لا يتعارض بحالٍ لا مع قضية الإمام الحسين (عليه السلام) ولا مع عنوان الوطنية التي يتشدق بها المتملقون فمسألة خلط الأوراق وتطويق الحالة العزائية بأوهام بالية تحولنا إلى موقف الدفاع لهو أمرٌ ينبغي لنا تجاوزه عاجلاً.

في آخر السطور أُذكر بأن أكثر القصائد العزائية تأثيراَ وخلوداً هي تلك التي تبعث فينا روح الولاء من خلال ربط قضية أهل البيت (عليهم السلام) بواقعنا المعاش ومن الأمثلة الشاهدة على ذلك قصيدة (يحسين بضمايرنا) للمرحوم الشيخ ياسين الرميثي، وقصيدة (سورة التوحيد تحرير العقول) للمرحوم ملا حمزة الصغير.

ينبغي لنا إحياء الحسين في جميع مفاصل حياتنا وعدم حصره في زاوية الدمعة فقط، وتذكروا دائماً بأن صرخة (يا حسين) ترهب الأعداء لأنها الإمتداد الطبيعي لقوة السماء التي ترتجف منها فرائص الطواغيت.

أدعو الأحبة من الأخوة والأخوات إلى الإهتمام الكبير بقراءة الزيارة الجامعة الكبيرة في كل ليلة.

السيد محمد علي العلوي

29 من ذي القعدة 1432هـ

28 أكتوبر 2011م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *