الرئيسية / دراسات وبحوث / المُكنَةُ البِنائِية في الإجازة الروائية

المُكنَةُ البِنائِية في الإجازة الروائية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على محمَّدٍ الأمين، مَسْنَدُ كُلِّ قول سديدٍ متين، مِنْهُ إلى الذكر المُبين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، سيَّما بقيته من الأولين والآخرين، متَّصِلًا إلى قائد الغرِّ المُحَجَّلين، عليٍّ وكفؤه زهراء السماوات والأرضين.

المُكنَةُ البِنائِية في الإجازة الروائية

مُقدمة:

أمَّا بعدُ، فقد اهتَمَّ المُسلِمُونَ مُنذُ بدايات عصر الوحي بمسائل إسناد النصوص والوقائع إلى ناقليها، بحيث يحافظون على أسمائهم كمحافظتهم على المنقول، وبدا أنَّ الغاية المُحرِّكة كانت التوثق من الأخبار المنقولة من خلال حال الناقل، فإن كان من الثقات الصادقين، كان ذلك أقرب إلى تصديق خبره، وإن كان غير ذلك، تردَّد الأمر بين القبول والرد، حتَّى تُضَمَّ قرينة تساعد على الاقتراب من الحكم الأصوب.

قال أميرُ المؤمنين (عليه السلام): “إذا حدَّثتُم بحديثٍ فأسندوه إلى الذي حدَّثكم، فإن كان حقًّا فلَكُم، وإن كان كذِبًا فعليه”[1].

انتشر في الأوساط الخاصَّة والعامَّة أنَّ الغاية من الإسناد والاهتمام بالبحوث السندية هي الوقوف على المنقول من حيث القبول والرد.

قال المامقاني في مقباس الهداية: “غاية هذا العلم -يقصد علم الدراية- هو معرفة الاصطلاحات المتوقف عليها معرفة كلمات الأصحاب، واستنباط الأحكام، وتمييز المقبول من الأخبار ليُعمل به، والمردود ليُجتَنب منه”[2].

وعلى هذه الرؤية برزت في طرح وكلمات العلماء الغاية من عِلْمَي الدراية والرجال بشكل عام، والدراية بشكل خاص، ممَّا تسبَّبَ -كما أرى- في الغفلة عن أبعاد أخرى مهمَّة جدًّا تعطيناها حالة الإسناد، وما ضاعف عندي الباعث لكتابة هذه الورقة، كلمة للمُحدِّث البحراني (طاب رمسُه) قالها في سياق التصريح بالغاية التي دفعته لكتابة مُصنَّفه الشهير (لؤلؤة البحرين)، فقد قال: “لا ريبَ في أنَّ أخبَارَنَا المُودَعة في هذه الأصول السائرة في الاشتهار، سير الشمس في رابعة النهار – ولا سيما من بينها الأصول الاربعة التي عليها المدار، في جملة الأعصار والأمصار، وهي الكافي والفقيه والتهذيب والاستبصار – مِمَّا لا مدخل للإجازة الآن في تصحيحها، ولا ثمرة لها في تنقيحها، لبلوغها الصحّة والاشتهار، الى مرتبة لا تقبل الإنكار، كما نبَّه عليه جملةٌ من عُلَمَائِنَا الأبرار، رفع الله تعالى درجاتهم في دار القرار، إلَّا انَّه حيثُ جرى السلف والخلف في ذلك – تيمنًا وتبركًا – باتِّصال هذه السلسلة الشريفة، والمُعَنْعَنَةِ المَنيفة، بأهل الشرف والعصمة ومَنْ نُورُ هِدايَتِهم يبرأ الأكمه والأبرص، جرينا في ذلك على منوالهم، وحَذَوْنَا على تمثالهم، إسامةً لسرح اللحظ حيثُ أساموا، شَكَرَ اللهُ تعالى سعيهم فيما قعدوا فيه من تهذيب هذه العلوم وقاموا. (وقد أجزتُ لهما) – أدام الله علاهما، وكَثَّرَ في الفرقة الناجية شرواهما – جميعَ ما صَحَّتْ لي روايته عن مشايخي الأعلام، وثَبَتَتْ لديَّ درايتُه عن أساتيدي الكرام، رفع الله تعالى أقدارهم في دار السلام، من كُتُبِ أصْحَابِنَا في جميع العلوم، ومروياتهم ومجازاتهم ومسموعاتهم في كُلِّ مَفْهُومٍ مِنَّا ومعلوم، …”[3]

نعم، فإنَّ الإجازة في الرواية اليوم لا تدخل لا في التصحيح ولا في التنقيح، وهي بالفعل بركة ويُمن، وهذا مُتَحَصَّلٌ إن شاء الله تعالى بالكون الصادق في سلسلة إسنادية تنتهي إلى الإمام المعصوم (عليه السلام)، غير أنَّ كلمة أخرى للمحدِّث البحراني (علا برهانه) تشير إلى أنَّ نفس الإجازة كاشفة عن علو المنزلة العلمية للمجاز، وهذا بالرغم من عدم دخالتها في تصحيح الحديث.

قال: “وحيثُ إنَّ الولدين الأعَزَّينِ الفَاضِلَينِ، الكامِلَينِ، نُورَي العينِ والنَاظِرِ، وبُهْجَتَي القلبِ والخَاطِرِ، خلف  ابن أخي المُقَدَّس المَبْرُور الشيخ عبد علي، وحسين  ابن أخي الأمجد والأسعد الشيخ محمَّد – سلَّمهما الله تعالى وأبقاهما، وبعين عنايته حاطهما ورعاهما – مِمَّنْ فَازَا بالمُعَلَّى والرقيب من قِداح العلوم الفاخرة، وحازا أوفر نصيب من سنا جواهرها الزاهرة، مضافًا الى ما هُمَا عليه من الورع والتقوى، والتمسك بتلك العروة الوثقى، وَفَّقَهُمَا اللهُ تَعَالى للصعود الى غايتها العُليا، ونهايتها القصوى، وقد استجازاني – أمَدَّ اللهُ لهُمَا في العمر السعيد، ومَتَّعهما بالعيش الرغيد – قبل هذه الأيام، (فأجزتُ لهما) حيثُ رأيتُهما أهلًا لذلك المقام، …”[4].

من هنا يبرزُ مُؤيِّدٌ قويٌّ لِمَا أنا بصدد بيانه في هذه السطور؛ وهو دخول الإجازة الروائية في عمق البناء الثقافي والتنظيم الإداري للمجتمع؛ كما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى في عناوين خمسة:

  • الكاشفية العلمية وبُعد حِراسة العلم.
  • بناء النفسية المسؤولة.
  • التباني الثقافي والتقارب الفكري.
  • الترابط الاجتماعي، ووحدة القاعدة التربوية.
  • تقلص المسافات بين المدارس الفقهية والاجتهادية، وانحسار فُرص التقول.

أُشير إلى أنَّ عدم الالتفات من المجيزين والمُجازين إلى هذه المُستبطنات في إجازة الرواية والمترتبات عليها، لا تعني عدمها؛ فوجودها موضوعي فيها، سواء التُفِتَ إليه أم لا، ولو أنَّ العلماء والفضلاء يعيدون الروح للإجازة مع شيءٍ من الضبط، فإنِّي أتوقع لهذه الخطوة نتائج نوعية تنعكس في المجتمع على مختلف أصعدة الثقافة والفكر والوعي والحكمة.

**************

  • الكاشفية العلمية وبُعد حِراسة العلم:

نلاحظ في عبارة الشيخ يُوسُف (طاب رمسُه) عنايته بالمستوى العلمي والمعرفي للمُجَازَين، إذ يقول في وصفه لهما، أنَّهما: “مِمَّنْ فَازَا بالمُعَلَّى والرقيب من قِداح العلوم الفاخرة، وحازا أوفر نصيب من سنا جواهرها الزاهرة، مضافًا الى ما هُمَا عليه من الورع والتقوى، والتمسك بتلك العروة الوثقى”، وجعل ذلك علَّة لإجازتهما، حيث قال قبلُ: “وحيث إنَّ الولَدَين الأعَزَّين …”، ممَّا يُظهِرُ اهتمامه كَمُجِيز بحال من يستجيزه، وبالتالي فالإجازة، وإن كانت من باب التيمن والتبرك، إلَّا أنَّها ليست من الترف، بل هناك ضوابط وموازين يلتزمها المُجِيزُون، وأرى التزامهم هذا لتقواهم في المحافظة على العلم وخصوصًا أصله الثابت، وهو حديث أهل البيت (عليهم السلام) وما يتعلَّق به، ويقُوم عليه من معارِف وعلوم.

يؤيِّدُ ذلك ما نراه عمومًا من مقامات علمية عالية للرجال الواقعين في سلسلة الإجازات الروائية، وهذا ما يجتهد في إحرازه المُجيِز قبل إجازة المُستَجيز، كيف لا، والدخول في سلسلة الرواة يُصَيِّرُ الداخِلَ جُزءًا مِنَ الظرف الحامل للحديث الشريف والعلم المُنيف، فكان فرضًا، لا نافلة، أن يتحمَّل المُجِيزُ مسؤولية التوثق من عِلم وفقاهة وورع وتقوى من يستجيزه.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإنَّ حديث أهل البيت (عليهم السلام) مُدوَّنٌ في الكتب، والكتب متاحة للجميع، ومن المهم أن ينفتِح الناسُ على ما ألقوا (عليهم السلام) من نور في صدور الرواة، إلَّا أنَّ هذا الانفتاح من الخطر أن لا يكون تحت رعاية وعناية رؤساءٍ أكِفَّاءٍ يُرجعُ إليهم في المُحكمات قبل المتشابهات، وفي الواضحات قبل المُشكِلات، حماية لهم من الأخذ بالتعسُّف الذي يأمر به الشيطان إضلًالًا لهم وإخفاتًا لنور الهداية في صدورهم، وكم رأينا ونرى من أمواج الشبهات وظلمات الفِتن تضرب برجلها في سوح المؤمنين، مثيرةً لغبار الجهل، مُعْمِيَةً لبصائر القلوب، بسبب داءٍ استشرى بين العباد، أمرَضَهم به أخذُهم ببعضٍ مِنَ الثقلينِ دُونَ بَعْضٍ، جهلًا منهم بالأسس التي يقوم عليها فهم النصوص، ومحورها المهارة في الجمع بينها بما ينتهي بالنظر إلى مفاهيم صحيحة واضحة.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): “إنَّ أمْرَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ، لا يَحمِلُه إلَّا عَبْدٌ مُؤمِنٌ امْتَحَنَ اللهُ قَلْبَهَ للإيمان، ولا يَعِي حَديثَنَا إلَّا صُدُورٌ أميِنَةٌ وأحْلَامٌ رَزينَةٌ”[5].

وقال أبو جعفرٍ الباقر (عليه السلام): “إنَّ حَديثَنَا هذا تَشْمَئِزُّ مِنْهُ قلوبُ الرِجَالِ، فَمَنْ أَقَرَّ بِهِ فَزيدُوه، وَمَنْ أَنْكَرَهُ فَذَرُوه. إنَّه لا بُدَّ مِنْ أنْ تَكُونَ فِتْنَةٌ يَسْقُطُ فيها كُلُّ بِطَانَةٍ وَوَلِيجَةٍ، حَتَّى يَسْقُطَ فيها مَنْ كَانَ يَشُقُّ الشعرَ بِشَعرَتينِ، حَتَّى لا يبقى إلَّا نَحنُ وشِيعَتُنا”[6].

يوجِّه الإمامُ الباقِرُ (عليه السلام) خطابه لِسَمِيعٍ يعيه، ويعي هذا الإرشاد منه (عليه السلام) بِبَثِّ الحديث الشريف على وفق موازين خاصَّة، وقد بيَّن أمير المؤمنين (عليه السلام) صِفَتين للذي يُمكِنُه تحمُّل مسؤولية هذا المستوى من الوعي، وهما: أمانة الصدر، ورزانة الحلم. واللازم من هذا البيان أن يتوجَّه المؤمنون للأخذ عن مثل هؤلاء، فتُضبَط المشارب ويُنفَى كلُّ ذي جُرْأةٍ جهول.

رُبَّما تمكَّنَ البناء العِلمي الشيعي من إحراز تقدُّمٍ نوعي في مجال حمل مخصوص للأحاديث الشريفة والكتب العلمية المتينة، إذا ما توقفت الإجازة على ما يضبطه المُجازُ منها، فلا يُجاز في كتابٍ إلَّا من بعد ضبطه ضبطًا معرفيًا بمستوى معين، وإلَّا فيُجازُ فيما يضبطه منه، وهذا أمر في غاية الأهمية من جهات عِدَّة، منها إحكام الأساس العلمي في المجتمع، ومنها التقديم العِلِّي الموضوعي لتبانٍ ثقافي أشيرُ إليه في النقطة الثالثة إن شاء الله تعالى.

قد تُحَقِّقُ إجازة الرواية مستوىً من الحراسة الأمينة للإسلام؛ بتوجيه المؤمنين للأخذ عن حملتها، فتصير سورًا جامعًا طاردًا، ولا يُعتَنى بعد حينٍ بكلام هذا وذاك، فَنَسْلَم، ولو قليلًا، من الفِتن التي يثيرها من يبني الرؤى على حديثٍ أو أحاديث، دون النظر في غيرها من موجِّهات ومبينات، وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام): “فإنَّ أمْرَ النبيِّ (صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ) مثل القرآنِ، ناسِخٌ ومَنْسُوخٌ، وخاصٌّ وعامٌّ، ومُحْكَمٌ ومُتَشَابَهٌ. قد كان يكون من رسول الله (صلَّى اللهُ عليه وآله) الكلامُ له وجهان: كَلامٌ عَامٌّ وكلامٌ خَاصٌّ، مثل القرآن، وقال الله عَزَّ وجَلَّ في كتابه: (مَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)[7]، فَيَشْتَبِهُ على مَنْ لَمْ يَعرِف ولَمْ يَدْرِ ما عَنَى اللهُ بِهِ ورسُولُه (صلَّى اللهُ عَليِهِ وآلِه”[8].

  • بناء النفسية المسؤولة:

يَقَعُ المُجازُ بالإجازة في سلسلة من الرجال يقومون مقام الظرف الحامِل لِكَلَامٍ نُورِي مُقدَّس قد جعله اللهُ تعالى عِدل القرآن الكريم، فعن جابِرٍ، قال: “قال أبو جَعْفَرٍ (عليه السلام): دعا رسولُ الِله أصحابَهُ بِمِنَى، قال: يا أيُّها الناسُ، إنِّى تَارِكٌ فيكم الثقلين، أمَا إنْ تَمَسَّكْتُم بِهِمَا لن تَضلُّوا، كِتَابَ اللهِ وعِتْرَتِي أهل بيتي؛ فإنَّهُمَا لن يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَليَّ الحوض”[9]. فإن كان، وهو كذلك إن شاء الله تعالى، صادِقًا مُخلِصًا مُتَّقيًا ورِعًا، فإنَّه يُؤدِّبُ نفسَه بِما يجعلها في لياقةٍ دائِمةٍ لِتَحمُّل هذه الأمانة العظيمة، كما ومن خلال ممارسة الحديث، والاستمرار على تأمُّلِ معانيه وتدبُّر مضامينه الشامخة، يكتَسِبُ درجات عالية من الحِكمَة في التعامل مع الناس وحملهم على الطريقة المُثلَى دون دَفْعٍ يُنفِّرُهم، ولا إهمالٍ يُبلِّدُهم.

نعم، قد تكون الإجازة عِلَّة في إحداث هذه الحالة من الشعور بالمسؤولية تجاه حمل هذا الدين العظيم ورعاية النفس مقدَّمة للعناية بأيتام آل محمَّد (صلَّى الله عليه وآله)، وقد جاء عن سيِّدَتِنا الزهراء (عليها السلام)، أنَّها قالت: سمِعتُ أبي رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) يقول: “إنَّ عُلَمَاءَ شِيعَتِنا يُحْشَرُونَ فَيُخْلَع عليهم من خلَعِ الكَرَامَات على كَثْرَةِ عُلُومِهِم وجِدِّهِم في إرْشَادِ عِبَاد الله، حَتَّى يُخْلَعَ على الوَاحِدِ مِنْهُم ألف ألف حلَّة مِنْ نُورٍ، ثُمَّ يُنَادي مُنَادي ربنا عَزَّ وَجَلَّ: أيُّها الكافِلُونَ لأيتَامِ آلِ مُحَمَّدٍ (عليهم السلام)، النَاعِشُونَ لهم عِنْدَ انْقِطَاعِهِم عن آبائهم الذين هم أئمتهم، هؤلاء تلامِذَتُكُم والأيتَامُ الذين كَفَلتُمُوهم ونَعَشْتُمُوهم، فاخلعوا عليهم خلع العلوم في الدنيا، فيخلعون على كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أولئِكَ الأيتام، على قدر ما أخذوا عنهم مِنَ العلوم”[10].

غير أنَّ المقام ربَّما افتقر إلى عِلَّةٍ إبقاء واستمرار، وهذا ما يُفترض أن يقوم به المُجيزُون والمُجازُون فيما بينهم من باب وجوب التواصي بالحق والصبر بين المؤمنين، ويكون هذا بمثابة الرقابة الداخلية التي يحتاجها مع نفسه كلُّ لبيبٍ ذي عقلٍ حصيف، وقد قال تبارك ذكره في الكتاب المجيد (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ)[11]، فبان أنَّ التذكير لانتفاع المؤمنين بالذِكرى مطلقًا، ومن هنا جاءت الوصية الإلهية بها في قوله تعالى (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)[12].

المتحصل هنا أنَّ المرجو من الإجازة في الرواية أن تكون مصدَرًا لعناية حملتها بأنفسهم والاهتمام بالاستمرار على طريقة المراجعة والتقويم بما يديم لياقتهم لتحمل هذه الأمانة المُقَدَّسة.

  • تقلص المسافات بين المدارس الفقهية والاجتهادية، وانحسار فُرص التقول:

تتشكَّلُ التوجهات الفِكرية بحسب الاختلاف في المباني والرؤى، وهذا يرجع في الغالب إلى الظروف السياسية والاقتصادية التي يعيشها الإنسانُ فردًا وجماعةً، ولذلك نرى في نفس المجتمع الواحد الذي يرجع إلى مشرب ثقافي واحد، من يتبنى طريقة، وأخر يذهب إلى ما يُعاكسها تمامًا؛ والسبب انفراد كلِّ واحد منهما بقراءة الإرث المُقدَّس تحت تأثير ظروفه الخاصة.

نلاحظ في الحزب الواحد امتدادًا ثقافيًا بصبغة واحدة على مدى عقود من الزمن، وإن حدثت انقسامات في داخل نفس الحزب، إلَّا أنَّ اللون لا يزال واحدًا؛ فالأمر على أيَّة حال يرجع إلى أدبيات الحزب!

لماذا لا نرى هذه الحالة في تحكم المجتمع الشيعي؟

لو أنَّ المجتمعَ يَتَحَرَّك في داخل الإطار القيادي لرجال الإجازة لتقلَّصت درجات التفاوت في الأفهام والرؤى؛ إذ أنَّ المُجاز لا يُجاز ما لم يحضر عند المُجيز ويُقيم البينة على ضبطه الصحيح للكتاب الذي هو بصدد استجازة الشيخ فيه، هذا والناس -بحسب فرضنا- لا يسمعون من غير المُجاز، فكلَّما تقارب مشايخ الإجازة من بعضهم البعض، كلَّما تلاشت التيارات والتوجهات المتأثرة بالأجواء السياسية والاقتصادية وما شابه، فتكون الإجازة في الرواية حاميًا قويًا يحمي العلماء من الوقوع تحت تأثير الظروف المتغيرة والمُبعِدة غالبًا عن مقاصد السماء.

ولا شكَّ في أنَّ هذا التراص بين العلماء، والارتباط العلمي والمعرفي للناس بهم، يُقلِّصُ فُرصَ التسلق والكذب والإضلال أمام صبيان المنابر كما في خطبة رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) حول أشراط الساعة، إذ يقول منها: “ويعلو الصبيان على المنابر”[13]، وقد أشرتُ في بعض الكتابات السابقة إلى أنَّ الصبيان لا يُقصد بهم صغار السن، بل من يفعل أفعالهم ويفكر مثلهم.

  • التباني الثقافي والتقارب الفكري:

تمتدُّ سلسلةُ الإجازة لتستوعب مناطق متباعدة من مواطن العلماء والمؤمنين، من جزيرة المنامة إلى الأحساء والقطيف والمدينة المنورة، إلى العراق وإيران وسوريا وجبل عامل في لبنان، استمرارًا لضمِّ مناطق من الهند وباكستان وأفغانستان..

لا تتوقف المسألة على مُجرَّدِ الاتصال السندي بما هو اتصال، بل يتعدَّاه إلى المظروف العلمي، فلو كانت الإجازة -مثلًا- في رواية كتاب (كمال الدين وتمام النعمة) للشيخ الصدوق (رضوان الله تعالى عليه)، فبالنظر إلى ما أشرتُ إليه في النقطة الأولى، بعدم الإجازة إلى فيما يضبطه المُجاز، فإنَّ المُجازين على امتداد سلسلة السند واستيعابها لمختلف المناطق الجغرافية على وجه الكرة الأرضية يشتركون حينها في أرضية ثقافية خاصَّة أوجدها ضبطهم للكتاب المذكور وإجازتهم في روايته، وبالرجوع إلى إشرافهم العلمي على جمهور المؤمنين فإنَّ هذه الأرضية المشتركة تنعكس فيهم كما هي في رواة الحديث من المُجازين.

أفهم جيِّدًا بأنَّ المسألة ليست بهذه السهولة، غير أنَّها ليست صعبة في حال أولى رجال الإجازات أولوية في العناية بمقتضيات تحمل مسؤولية الكون فيها، فبدل أن تقام مؤتمرات للتقريب بين الرؤى ووجهات النظر، يُقيمُ رواة الحديث والكتب مؤتمرات لبلورة رؤاهم ووجهات نظرهم المتقاربة، وشتَّان بين أولئك وهؤلاء.

ليس الحديث عن رواية أو كتاب، بل عن كتب حديث وكتب علم، كلَّما ارتفع مستوى ضبطها عند روايتها، كلَّما عمَّ الخير بين المؤمنين، خصوصًا وأنَّ هذه الحالة تجعل التفاهمات بينهم سهلة يسيرة؛ إذ أنَّ السمة، والحال هذه، قيام تبانيات ثقافية وفكرية على نور الثقلين المُقدَّسين، الكتاب والعترة. وأيُّ غاية أسمى من هذه الغاية؟

  • الترابط الاجتماعي، ووحدة القاعدة التربوية:

إذا استقرَّ البناء الثقافي على متانة الأرضية التي توفرها الإجازة في الرواية بحسب ما تقدَّمت الإشارة إليه، فإنَّنا حينها لا نُشيرُ بإفراط إلى مجتمع بحراني يختلف في كثير من مفاصِله عن مجتمع إيراني، فيشعر هذا المجتمع بحالة من الرفض لما ترده من ثقافات المجتمع الآخر. أعتقد بأنَّ حالة التباني الثقافي والفكري التي أشرت إليها في النقطة السابقة تُقلِّص المسافات بين المجتمعات الشيعية الموالية التي تتمتع بنعمة الإجازة في الرواية وتُقدِّرُ سمو منزلتها في الحسابات الفكرية النفسية والاجتماعية.

نرى منذ زمن بعيد محاولات الأمم لتحقيق هذا النوع من الترابط الاجتماعي من خلال توحيد الثقافات ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، بل إنَّهم ابتكروا منهاج علمية خاصة لخدمة مشروع عولمة الفِكر، في الوقت الذي كان الأمر يكفيه قليل التفات منَّا للوقوف على الأهمية الكبرى للإجازات الروائية؛ فهي عولمة طبيعية للثقافة والفكر المبني عليها من منطلقات إسلامية متينة وازنة.

لا شكَّ في أنَّ هذا المستوى من التقارب الاجتماعي المعلول للمشتركات الثقافية الراجعة لضبط المشارب المعرفية من رجال الإجازة، يُحقِّقَ، ربَّما بالملازمة، وحدة تربوية تمتلك القادرة الحاكمة على التحولات الثقافية في مختلف المناطق والبلدان، وهذا يُقدِّمُ لتقارب ثقافي بين صغار وشباب الشيعة على تعدُّد انتماءاتهم الجغرافية، ولهذه الحالة أثرها الإيجابي حتَّى في رفع نسبة علاقات الزواج بين رجال ونساء من مناطق مختلفة؛ ببركة وحدة البناء التربوي المعلولة في الأصل العلمي إلى الإجازة الروائية.

كلمة الختام:

قد يتمكن المختصون في بعض العلوم الإنسانية، وخصوصًا علمي النفس والاجتماع، من الوقوف على أهمية الإجازة الروائية وما تحمل من مُكنَة إبداعية رائدة في التأسيس والبناء لمجتمع متماسك وعلى مستويات عالية من الوعي والاستقرار، فما كتبته في هذه الورقة مجرَّد رؤوس أقلام بقلَّة ما أعلم، ولو أنَّه يحظى باهتمام المختصين من المؤمنين، لرُبَّما تُحدِثُ الجهود حينها منعطفَ نهضةٍ عزيزٍ في مسير الأمَّة الإسلامية نحو دولة الحق العليا تحت راية بقية الله الأعظم، مولانا الإمام المهدي بن الحسن (أرواحنا فداه).

أرجو من سادتي العلماء وطلبتهم من المُجدِّين والنابهين، التفضل بتأمُّل المسألة، والحذر من الوقوع في مقولة التكسير الكبرى، والتي اشتهرت أيمَّا اشتهار في أزماننا المتأخرة، وأعني: مقولة: المثالية!

فنحن، وبكلِّ فخرٍ، مثاليون، نَتَرَفَّعُ عن الوقوع في مستنقعات الواقع المصنوع بأيادي الشياطين، ونمضي دائِمًا وأبدًا إن شاء الله تعالى على طريق العاملين في الارتفاع إلى عالم المُثُل الذي أراده لنا الثقلان المُقدَّسان، ولا يعني ذلك التنكر للواقع الفعلي، بل من الواجب المتعين دراسته وفهمه، مقدِّمةً للمساهمة في تغييره بحسب ما يريد الله تعالى، (وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاء الأَوْفَى * وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى)[14].

هذا، والحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على محمَّدٍ وآله الطيبين الطاهرين.

 

السيد محمَّد بن السيد علي العلوي البحراني

12 صفر 1439 هجرية

 

 

[1] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 1 – ص 52
[2] – مقباس الهداية في علم الدراية – الشيخ المامقاني – ج 1 ص 41
[3] – لؤلؤة البحرين في الإجازات وتراجم رجال الحديث – الشيخ يوسف البحراني – ص 7/ هو كتاب ألَّفه في بيان شيءٍ من أحوال الرجال الواقعين في سند إجازة الرواية التي وصلها من جهته مُجِيزًا بابني أخويه، الأول: الشيخ خلف بن الشيخ عبد علي، والثاني: الشيخ حسين محمَّد.
[4] – المصدر السابق ص6
[5] – نهج البلاغة – خطب الإمام علي (ع) – ج 2 – ص 129
[6] – بصائر الدرجات – محمد بن الحسن الصفار – ص 43
[7] – الآية 7 من سورة الحشر
[8] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 1 – ص 63 – 64
[9] – بصائر الدرجات – محمد بن الحسن الصفار – ص 433
[10] – مستدرك الوسائل – الميرزا النوري – ج 17 – ص 318
[11] – الآية 55 من سورة الذاريات
[12] – الآية 3 من سورة العصر
[13] – مستدرك الوسائل – الميرزا النوري – ج11 ص372
[14] – الآيات 39 – 40 – 41 من سورة النجم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *