الرئيسية / مقالات / الشيخ المفيد (قُدِّس سِرُّه) في حوزاتنا اليوم.. أُستاذًا أو تلميذًا؟!

الشيخ المفيد (قُدِّس سِرُّه) في حوزاتنا اليوم.. أُستاذًا أو تلميذًا؟!

قد يكون السؤال، أي سؤالٍ، غيرَ صحيح من جهةٍ مُعينةٍ، وقد يكون مغلوطًا، وفي الحالتين ربَّما أدَّى إلى أثر ثقافي سيء، ولكنَّ المشكلة إذا تجاوز في سُوئِهِ إلى حدِّ الإفساد والأذى! وللأسف، نعاني كثيرًا من هذا النوع الأخير.

أطلعني أحدُ الإخوة الأفاضل على مشهدٍ مرئي يبتني موضوعُ الطرحِ فِيِهِ على دعوى القطع بالتقدم العلمي للمعاصرين من العلماء على المتقدِّمين منهم، فقيل فيه:

(لو أنَّ الشيخ المُفيد (قُدِّس سِرُّه) كان في زماننا لحضر -درسنا- تلميذًا)!

لا يهمني في الواقع سواء جاء الشيخ المفيد (قُدِّسَ سِرُّه) في زماننا أستاذًا أو تلميذًا، ولكنَّ الذي يحتاج إلى توقفٍ ومعالجة إنَّما هو المسوغ العلمي لهذه المقارنة!

تتنبه النفس المُدرِكة دون درسٍ وتحصيلٍ إلى أنَّ المقارنات لا تصحُّ ما لم تتوفر شروطٌ تُسَوغُها، فلا تصح المقارنةُ -مثلًا- بين الثمار التي تُنتجُها أرضُ الشامِ والثمار التي تُنتجها أرضُ البحرين؛ فلا التربة واحدة ولا الهواء واحد ولا الماء واحد ولا الأسمدة واحدة، وبالتالي فإنَّه من الظلم العِلمي تفضيل التين الفلسطيني على تينٍ يُزرَعُ في البحرين! نعم، قد تصحُّ المقارنةُ بنسبةٍ أكبر، وفي ظروف معينة، بين رِطَب البحرين ورِطب القطيف -مثلًا-؛ لتقارب الأرض والجو والماء والأسمدة وما نحو ذلك.

كما وإنَّه ليس من الصحيح المقارنة بين رِطَب البحرين قبل مئة سنة ورِطبها اليوم؛ وقد أصبح السبب واضِحًا، وهو بكلِّ بساطة اختلاف الظروف الموضوعية الداخلة في تكَونِ نفس موضوع المقارنة.

فلنرجع إلى الدعوى محلِّ الكلام، ولنعكس الفرض:

لو أنَّ أحدَ أساطين العلم في الحوزة العلمية اليوم يُؤخذُ إلى زمن الشيخ المفيد، فهل يكون هناك أستاذًا أو تلميذًا؟

من الخطأ الذي قد أُعبِّر عنه بـ(الجريمة) في حقِّ الفِكر، أن نُجيب بنعم أو لا، هكذا تَعسُّفًا؛ إذ أنَّ علمية هذا العالم الكبير هي في الواقع نتاج الظروف التي نشأ فيها، وهي غريبة عن تلك التي كانت قبل ألف عام!

فليكن المثالُ أكثرَ وضوحًا:

لو أنَّ أكبر عالمٍ في الذرَّة، أو في الهندسة الكيميائية، أو في علم الجينات، كان كما هو اليوم بنفس علميته في زمن ليس زمانه، سواء في الماضي أو في المستقبل، فلربَّما، بل الأقرب أن يُوصَف بـ(الغباء)، ولا عجب في ذلك؛ فالإنسان ابن بيئته والظروف التي صاغته من مختلف جهاته الثقافية والفكرية والأدبية.

نعم، قد تصح المقارنة إذا كان موضوعها القابليات، لا الفعل الواقعي من خلال آثاره الخارجية، وبالتالي، فإنَّه لا يُقال عن الشيخ المُفيد (قُدِّسَ سِرُّه) أنَّه لا يعلم الفرق بين التعارض والتزاحم، أو أنَّه جاهل بمبحث اجتماع الأمر والنهي؛ لكونها من المباحث الجديدة في علم الأصول، وقد يُرجع إبداعها إلى الشيخ النائيني (قُدِّسَ سرُّه) أو إلى زمنه العِلمي؛ والسبب في ذلك أنَّ الباعث الذي ولَّد هذا الإبداع ليس إلَّا نتيجة لحاجات ولَّدتها ظروف قائِمة بالفعل، ولو أنَّ الشيخ المفيد كان بقابلياته العالية في زمن الشيخ النائيني فلربَّما أبدع ما هو أكثر عمقًا ممَّا أبدعه الشيخ النائيني، وربَّما لا. وترجع النتيجة في المقارنة إلى دراسة موضوعية للاستعدادات والقابليات.

أشرتُ قبل قليل إلى أنَّ خطورة مثل هذه المقارنات والاسقاطات إنَّما هي في التطبيع مع ذهنية التعسف وعقلية المصادرة، وهي مشكلة نعانيها اليوم ونعاني آثارها بشكل كبير وغاية في الإيذاء.

كلمة أخيرة أُذكِّرُ بها نفسي والقارئ الكريم:

قال الله تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)، وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): “الكلام في وثاقك ما لم تتكلم به، فإذا تكلمتَ به صرتَ في وثاقه، فاخزنْ لسانَكَ كما تخزن ذهبَكَ ووِرقك؛ فرُبَّ كلمة سَلبتْ نِعمَةً وجَلبَتْ نقمة”.

خطورة الكلمة أعظم من خطورة جرثومة تفتلك بالأنفس؛ فالجسد بتلف ويتحلَّل، وربَّما استفادتْ منه الأرضُ وزرعها وسكَّانها. أمَّا الكلمة إذا أفسدت، فإنَّها تُفسِدُ الدنيا بما فيها.

 

السيد محمَّد علي العلوي

27 جمادى الثانية 1439 هجرية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *