الرئيسية / مقالات / منشأ تولُّد الإشكال ll مقال لسماحة الشيخ أحمد نصيف

منشأ تولُّد الإشكال ll مقال لسماحة الشيخ أحمد نصيف

تتفاوتُ مستوياتُ طلبةِ العلم، وهذا أمرٌ واضحٌ لا ينكره أدنى نظر، إن لم نقل بلابُدِّيَّته لسيرورة حياةٍ بالنَّحو الطَّبيعي. ولكنَّ الحديث ليس هنا، بل في أحد المناشئ التي أتصوُّرها رئيسةً في تكوُّنِ هذه الحالة، والتي تصل إلى حدٍّ تكون منقصةً واضحةً وشينًا ظاهرًا لطالب العلم في يومٍ من الأيام.

يسأل: لماذا لا أقدر على استخراج إشكالٍ على هذه المسألة، من أين التفت صاحب الحاشية والشَّرح لتلك الإشكالات التي ذيَّلها وأجاب على بعضها دون الآخر، وكيف تنبَّه للثغرة في هذه المسألة صاحبي في الدَّرس الذي يحضر معي ويغيب معي؟ هذه وغيرها الكثير من الإثارات المؤذية تكون عند هذا السائل، لا سيَّما وهو يعاني من ضغطٍ خارجيٍّ يلقيه أستاذه عليه عند الدَّرس، وداخليٍّ تُنشئه نفسهُ عندما ترى التَّراجع الملحوظ في هذا الميدان.

وقبل الدُّخول فيما أردتُ بيانَه أحببتُ التَّنبيه لخروج بعض الصّور تخصُّصًا من موضوع الكلام؛ فالطالب الغافل أو السَّاهي أو مَن لا يعتني بالتَّحضير للدَّرس والمراجعة له والاعتناء به لا يشمله هذا الكلام، وكذلك من لم تكن المسألة واضحةً عنده من الأساس، فهذا وذاك وغيرهما علاجهما في غير محلٍّ من المقام.

فلنتأمَّل في طبيعة الإشكال أو الملحوظة ما هي؟ هي نوعُ ثغرةٍ في معنى من المعاني التي تؤدِّي إليه المسألة محلُّ البحث، يُحاول سدُّها بطريقةٍ من الطُّرق، فالمشكلة إمَّا دخول أغيار، أو خروج أفراد، أو مخالفة برهانٍ ثابت البرهانيَّة، أو لازمٌ من لوازمه، أو دليلٌ معتبر في عينِ العلم المُصطَلَح الذي يجري فيه البحث، أو…، هناك العديد من المصاديق التي يمكن إيرادها، ولكنَّ جامِعَها -نوعًا ما- أمرٌ واحد، وهو الالتفاتُ للطَّرف المقابل، وبعبارة أخرى: المُوَلِّدُ للإشكال، وبعبارة ثالثة: الكاشف عن الثَّغرة.

يمكننا تصوير الذِّهن البشري – في هذه المرحلة – على أنَّه صفحةٌ بيضاء خالية، لا تحمل أيَّ صورٍ علميَّة مُسبَقة، سوى البدهيَّات الأوَّليَّات التي لا انفكاك بينها وبين هذه الصَّفحة. بعد ذلك يدخل طالب العلم درسَ تبصرة المتعلِّمين في الفقه -مثلاً-، فاتحًا عينَيه على كتاب الطهارة فتقسيم الماء فطهارة بعضه ونجاسة آخر، وهكذا يستمرُّ في تخزين الصّور العلميَّة في تلك الصَّفحة المودَعة في ذهنه.

تمضي به الأيام، وإذا به يطرحُ إشكالاً على إحدى المسائل، كيف حصل ذلك؟ ما الأمر الذي حدث وتجدَّد كي يصدر ما صدر؟ إنَّ ما حدث في واقعه هو مخالفةٌ بين إحدى الصُّور التي أودعها إلى صفحته في أيامه الأولى من الجمع والاستيداع، وبين صورةٍ معنويَّة حديثةٍ، فثبوت الأولى يلازمه كذب الثانية، وثبوت الثانية يلازمه كذب الأولى، هذا ما بدا له من النَّظر الأول.

فهو يسأل عن جواب هذه المشكلة، فقد تكون مشكلةً حقيقيَّة، وقد يكون ذلك لقلَّة الاطِّلاع على أطراف هذه المسألة التي تدخل في طيَّاتها وتقوِّمُها ولكن لا يظهر لها رسمٌ واضحٌ كغيرها.

ولنأخذ مثالاً: يأخذ الطَّالب في بداياته قاعدةً نصُّها: (لا صلاة إلاَّ بطهور)، ويرى تطبيقاتها المُطَّرِدة في جميع المسائل التي تمرُّ عليه في هذا الباب، يتفاجأ في يومٍ من الأيام بعدم اشتراط الطَّهارة في الصلاة على المَيِّت، فيقع في حيرةٍ من أمره، فلازمُ هذه المسألة أنَّ بعض الصلوات تصحُّ دون طهارةٍ، فبالتالي تسقط القاعدة الأولى التي تلقَّاها بالقبول بنحو مطلق، أو أنَّه يُحَكِّمُ القاعدة الأولى ويسرِّيها في الصلاة على الميت كذلك، فعليه تسقط المسألة التي تلقَّاها لتَوِّه.

حينئذٍ يتصدَّى الأستاذُ لحلِّ هذه المُشَيكِلة عند الطالب، ببيان أنَّ هناك نصوصَ تخصيصٍ تُخرِجُ -حُكمًا- الصلاةَ على الميِّت أُخِذَت من حديث أهل البيت (عليهم السلام)، كما أنَّ القاعدة الأولى كانت قد أُخِذَت من حديثهم (عليهم السلام). أو يُجابَ باختلاف إطلاق لفظ (الصلاة) في المقامَين، في القاعدة الأولى كان المقصود به الصَّلاة بالمعنى الشَّرعي الإسلاميِّ، وهي القيام والركوع والسُّجود وغيرها، وأمَّا الصَّلاة على الميِّت فالإطلاق هنا لُغَوِيٌّ يُراد به الدُّعاء، إذ ما هي إلاَّ تكبيراتٌ وأذكارٌ وأدعية تتلى على الجنازة، فالإطلاق يختلف، فتُحَلُّ تلك التي كان يتصوَّرُها مشكلةً. وهو بعد ذلك لم يخرج بجواب هذه المشكلة فقط، بل خرج بعِدَّة قواعد تُقَوِّمُ فهمه للمسائل التي تليه بعد ذلك، وهكذا، كُلَّما كثرت الصّور العلميَّة قَلَّت المصادمات الخاطئة والمُتَوهَّمة.

نخرج بفائدةٍ جليلةٍ، وهي أنَّ شطرًا عظيمًا من علاج المشكلة التي صدَّرنا بها الكلام يكمن في عدم العلم بطائفةٍ من الصّور العلميَّة، لو لم يعلم صاحبُنا بعدم اشتراط الطهارة في الصلاة على الميت لما أصبحت عنده الكثير من الصور العلميَّة المستتبعة لها ولفهمها فهمًا جيِّدًا.

إنَّ الأمرَ يكمن في سعة الاطِّلاع، فكيف تأتَّى للمحقِّق الآقا ضياء الدين العراقي -مثلاً- أن يناقش بتلك المناقشات في شرحه للتبصرة، في الوقت الذي يمشي فيه صاحبُنا في الكتاب إلى أن ينتصف به ولم يستثره سطرٌ من السطور.

نعم، إنَّ كبار العلماء كانوا على اطِّلاعٍ واسع بالعديد من العلوم، بل والعديد من المصنَّفات في نفس العلوم، فما إن يصلوا إلى عبارةٍ في الفقه أو رجال الحديث أو أيِّ نصٍّ من النصوص يجري فيه البحث تراهم يضعون عليه الإشكال تلو الآخر، ويعاودون إلى حلِّه بعد ذلك إن كان ذا حلٍّ وإلاَّ فيصحِّحون العبارة ويهذِّبون المسألة، وهكذا تتنقَّح المباحث وتتعمَّق، ويزول عنها كلُّ لبسٍ كان من ذي قبل.

هذا، ولا نعني بالحديث السَّابق عدم مدخليَّة حِدَّة الذِّهن وسرعة البديهة والفطنة في عمليَّة توليد الإشكال، بل ذلك له مقامه الخاص الذي يمكن الحديث والتفصيل فيه، إلاَّ أنَّ سعة الاطِّلاع عاملٌ أساسيٌّ لتوليد الإشكال والمبادرة في الحلِّ والعلاج.

وقد تبيَّن من طيَّات ما سبق بأنَّ مجرَّد توليد الإشكال بما هو، لا يُعدُّ منقبةً ولا فضيلة، ما لم يستتبعه بحثٌ عن علاجٍ وتهذيبٌ لحدود المسألة وتعمُّقٌ في غورها ومطابقةٌ أدقَّ للواقع المنشود مع سلامةٍ في ذلك كلِّه.

ويجرُّني القلم للحديث عن طبيعة سعة الاطِّلاع وشيءٍ من التفصيل في ذلك، إلاَّ أنَّني خوف الإطالة أرجئه للقاءٍ آخر معكم بإذن الله تعالى، وصلَّى الله على خير الخلق محمَّدٍ وآله الطَّاهرين.

أحمد نصيف

7 رجب 1439 للهجرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *