الرئيسية / مقالات / التَّوَسُّعُ وعَدَمُه مَحْكُومَانِ بالغَايَة ll مقال لسماحة الشيخ أحمد نصيف البحرانيّ

التَّوَسُّعُ وعَدَمُه مَحْكُومَانِ بالغَايَة ll مقال لسماحة الشيخ أحمد نصيف البحرانيّ

يصحُّ التَّقعيد التَّفصيلي في بعض المسائل، ولا يصحُّ في الآخر، وذلك راجعٌ -بنحوٍ عام- لطبيعة المسألةِ وظرفها المحيط بها، فرُبَّ قاعدةٍ أحيت مُتَعَلِّمًا وأماتت مُتَعَلِّمين.

ينبعث السؤال مرَّةً أخرى -بعد حديثنا السَّابق عن منشأ تولُّد الإشكال- عن سعة الاطِّلاع، فما هو السبيل الصَّحيح الخالي من الإسهاب في دراسة المتون؟ هل يجب أن أدرس كتابًا واحدًا وأكتفيَ به، أم الواجب عليَّ أن آخذ عِدَّة كتبٍ، أم لا هذا ولا ذاك بل لا أدع متنًا من المتون إلاَّ وأجريت فيه دورةً أختمه بها؟ لأنَّ المتون كثيرة، والميّزات مختلفة، فبعضٌ يحوي شيئًا ويفقد شيئًا حواه غيره.

وهذه المسألة فيما يبدو لي من المسائل التي يُميتُها التَّقعيد الصَّارم، فالبحث عن طبيعة العلم المطلوب أولى بالبحث من عدد المتون المطلوبِ دراستُها فيه، والبحثُ عن غاية الإقدام لهذا العلم يأتي كذلك في المرتبة الأولى قبل غيره، إذ منشأ كلِّ حركةٍ الحاجةُ لرفع النَّقص، وهذا النَّقص يكون معلومًا في إطاره العام، ومن هنا يتبيَّن خطأ التقعيد لمثل هذه الحالات المبتنية على تعدُّد الغايات.

ولنمثِّل كي تتَّضح الفكرة:

يريد أن يتقن القواعد التي تصحِّح تفكيره وتهذِّبه عن المغالطات ويخرج بنتائج صحيحة بحسب المادَّة العلميَّة الموجودة، هو الآن يتوجَّه لدراسة علم المنطق لجني هذه الثمار من خلال قصد غايةٍ محدَّدة، يمكن هنا إرشاده لمتنٍ واحد من المتون، وليكن كتاب (المنطق) للشيخ محمد رضا المظفَّر -مثلاً-، فدراسته بإتقانٍ ودقَّة فهمٍ يغنيه -نظرًا لهذه الغاية- عمَّا سواه من كتب كثُرت أو قلَّت.

وغيره يريد تعلُّم القواعد التي تجعل لسانه مستقيمًا دون لحنٍ أو خطأٍ في هيئة الكلمة أو في رسمها، فهو الآن يتوجَّه لدراسة النَّحو والصَّرف والإملاء، فهذا كذلك يكفيه كتابٌ واحد يتقن مطالبه برويَّةٍ وأناة، وليكن كتاب (جامع الدروس العربيَّة) للشيخ مصطفى الغلاييني -مثلاً-، فما شأنه واختلاف النُّحاة في بساطة (هَلُمَّ) وتركُّبها، أو علَّة الرفع في الفعل المضارع أهي أحرف المضارعة أم حلوله محلَّ الاسم أم تجرُّده عن النَّاصب والجازم، هو يريد تلك الغاية المنشودة، وما سواها يَعُدُّه تَرَفًا ومضيعةً للجهد والوقت.

أمَّا الثالث فيريد الوقوف على منشأ المطالب وكيفيَّة الاستدلال عليها من الأصل، فغاية هذا مختلفةٌ عن السَّابق، هذا لا يريد مُسلَّمات المُظفَّر، بل هو يطلب الوقوف على المنشأ الأصل، فإذن نوجِّهه للأسفار اليونانيَّة التي تفجَّرت منها هذه التدوينات، والظروف المحيطة بها التي ببركتها كانت هذه المباحث بهذه الكيفيَّة، ولا مناص له من التتبُّع وراء أصحاب هذا الفن، ليقف على كلِّ قولٍ من لسان قائله ويعيَه بالنَّحو الصحيح.

فهذا تكليفه قراءة عِدَّةٍ من المتون، والشروح، والحواشي، والتعليقات، والتعقُّبات النَّقديَّة، ليقرب شيئًا فشيئًا من الغاية التي كان يصبو إليها.

هل من الممكن أن يكون تكليف هذا وذاك مندرجًا تحت قاعدةٍ واحدة؟ إنَّك تحيي أحدهما وتقتل الآخر بلا شك، فالتَّقعيد هنا قد يصحُّ بناءً على الغاية -مثلاً- في هذا المورد.

قد يُفهم من الكلام بأنَّ هناك سبيلان؛ إمَّا الاقتصار على كتابٍ واحد، أو التهام الكتب واحدًا تلو الآخر، وهذا كذلك من التَّقعيد غير الصحيح! فرُبَّ غايةٍ تحقَّقت بكتابٍ، ورُبَّ غاية تحقَّقت بثلاثة، وهلُمَّ جرًّا، إنَّ القضيَّة تعود لطبيعة النَّقص الموجود المُراد إزالته من ظلمات النَّفس، والطلب يكون حينئذ بقدر الحاجة.

يريد التعرُّف على مفردات اللُّغة العربيَّة معرفةً جيَّدة، هل أقصره على مقاييس ابن فارس؟ كيف ذاك وقد حوى شيئًا وخلت منه أشياء!، لابُدَّ له من قراءة العين والصحاح والجمهرة والفصيح والمفردات والأساس والمقاييس، وغيرها، ليقرب شيئًا فشيئًا نحو مقصده قربًا صحيحًا.

ولمزيدٍ من الإيضاح أقول: المرتبةُ الأولى للعلوم ليست واحدة، بل هي متباينة، تبعًا لتباين طبايع العلوم، فالفقه غير المنطق، وهما غير البلاغة، وجميعها غير الأصول والدِّراية والرِّجال، فليست المرحلة الأولة لكلِّ علمٍ مساويةُ للأخرى في عدد المتون، بل لكلِّ علم طبيعته التي تتحدِّه، هذه يكتفى فيه بقراءة القليل، وذاك يتطلَّب القراءة والحفظ للكثير، مع اتِّحاد الغاية، إلاَّ أنَّ الطبيعة مختلفة.

فلا كتابٌ واحد يكفيني، ولا مائة، الوضوح في الغاية والصِّدق في طلبها هو وحده الذي يكفيني.

 

أحمد نصيف البحرانيّ

19 رجب 1439 للهجرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *