الرئيسية / مقالات / الغَايَةُ جَلِيَّةٌ أمْ غَيَّبَهَا الضَّبَاب؟ ll مقال لسماحة الشيخ أحمد نصيف البحراني

الغَايَةُ جَلِيَّةٌ أمْ غَيَّبَهَا الضَّبَاب؟ ll مقال لسماحة الشيخ أحمد نصيف البحراني

ما انتهينا إليه في المقالة السَّابقة هو حاكميَّة الغاية في اتِّخاذ المناهج وتقعيد المتون[1]، وأمَّا حديث اليوم فمداره حول وضوح الغايات لطالبيها، وكونها مناسبةً أم غير ذلك.

من أين أحدِّدُ الغاية؟ أهي واضحةٌ بحيثُ لا تحتاجُ لرجوعٍ لتفكيرٍ أو مشورةٍ أو أمرٍ؟ أهي مُلقاة على قارعة الطَّريق أذهبُ لها فآخذها؟ صِدْقًا أريد معرفة مأخذها ومنشئها، لعلَّ سرعة مسيري تخرجني عن الصِّراط المستقيم، فإنَّ المُنْبَتَّ لا أرْضًا قَطَعَ وَلا ظَهْرًا أبْقَى!.

فلنذكر عِدَّةً من الأحاديث الشَّريفة قبل حديثنا:

عن أبي جعفرٍ الباقر (عليه السلام) في جواب مسائل أبي إسحاق اللَّيثي: “سَلْ ولا تستنكِفْ ولا تستَحْيِ؛ فإنَّ هذا العِلمَ لا يَتَعَلَّمُهُ مُستَكْبِرٌ ولا مُسْتَحْيٍ”.

وعنه (عليه السلام) قولُهُ: “ألا إنَّ مفاتيح العِلْمِ السُّؤال، وأنشأ يقول:

شِفَاءُ العَمَى طُوْلُ السُّؤالِ وَإنَّمَا            تَمَامُ العَمَى طُولُ السُّكُوتِ عَلَى الجَهْلِ”.

وعن مولانا أمير المؤمنين (عليه صلوات المصلِّين) قولُه: “مَنِ اسْتَقْبَلَ وُجُوهَ الآرَاءِ عَرَفَ مَوَاقِعَ الخَطَأ”.

وعنه (عليه أفضل الصَّلاة والسَّلام): “مَنْ سألَ في صِغَرِهِ أجَابَ فِيْ كِبَرِه”.

وفي الحديث عن ابن عباس أنَّه قال: “جاءَ أعرابيٌّ إلى النَّبِيِّ (صلَّى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله، علِّمْني من غرائب العِلم. قال: ما صَنَعْتَ في رأس العِلم حتَّى تسألَ عن غرائبِهِ؟! قال الرَّجلُ: ما رأسُ العِلم يا رسولَ الله؟ قال: معرفةُ الله حقَّ معرفَتِه. قال الأعرابيُّ: وما معرفةُ اللهِ حقَّ معرفته؟ قال: تعرفُهُ بلا مِثْلٍ ولا شِبْهٍ ولا نِدٍّ، وأنَّه واحدٌ أحدٌ ظاهرٌ باطنٌ أوَّلٌ آخِر، لا كُفْوَ له ولا نَظِير، فذلك حقُّ معرفته”.

حِكمةُ الغَاية هي رَفعُ النَّقص الموجود، ولكنْ ما نقولُ إذا كان النَّقصُ غيرَ واضحٍ؟ نعم، قد يكونُ هناك نقصٌ متغلغلٌ إلاَّ أنَّه مجهولٌ حدُّه، ألا نرى أنَّ المريضَ يَذْهَبُ للطَّبيبِ متوهِّمًا بأنَّ الأذى ناشئٌ من يده اليُسرى، وإذا بالطَّبيب يرشده للمنشأ في ظهرِهِ أوكتفه.

قد أُصِرُّ على نظم الشِّعر على بحر البسيط -مثلاً- جاعلاً إيَّاه غايتي، والحالُ أنَّ هذه الغاية ليست صالحةً لي، فليست لي محفوظات شعريَّة، ولا مفردات، ولا تصويرات، بل ولا قراءات لعيون الشِّعر، مالي والإصرار على الظُّهور بمظهر الأعاجم الذين تقمَّصوا لباس أقحاح العرب، فلا هم بما عندهم يعملون، ولا هم لما عند غيرهم يتقنون.

مشورةُ المعلِّم النَّاصح المُحِبِّ من شأنها أن توضِّح الغاية وتجلِّيَها، وتُنَحِّيَ ما كنتُ أتوهَّمُه غايةً، فلا زلتُ على الأعتاب الأولى للتعلُّم، فالضَّباب مُكَثَّفٌ على الغايات الصَّحيحة، لا بُدَّ من رجوعٍ حقيقيٍّ لأهل الخبرة والتَّجربة.

إنَّنا عند الحديث في هذا الموضوع نتذكَّر بحثًا للبلاغيين عنوانُه (الأسلوب الحكيم)، وهو: تلقّي المخاطب بغير ما يترقَّبُه، إمَّا بترك سؤاله والإجابة عن سؤالٍ لم يسأله، وإمَّا بحمل كلام المتكلِّمِ على غير ما كان يقصُد ويريدُ تنبيهًا على أنَّه كان ينبغي له أن يسأل هذا السؤال أو يقصد هذا المعنى، ومثال ذلك قول الله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ}. سألوا النَّبيَّ (صلَّى الله عليه وآله) عمَّا ينفقونه من أموالهم، فأُجيبوا ببيان طُرُقِ إنفاق المال؛ تنبيهًا على أنَّ هذا هو الأولى والأجدر بالسُّؤال. وما هذا المعنى إلاَّ ما نريد الوصول إليه، فإنَّ هناك أمورًا أولى بالسَّعي والقصد، فليس كلُّ ما جُعِل غايةً يصحُّ أن يكون كذلك، بل قد يكون في أحايين كثيرة غيرهُ هو الأصح بالسَّعْيِ نحوه والتَّحقيقِ له نظرًا للظروف المحيطة بطالب الغاية.

القرآن الكريم والعترة الطَّاهرة هما اللذان يحدِّدان لي الغاية الصَّحيحة السَّليمة، وبعدهما مشورةُ أهل العلمِ والنَّظرِ المُبتَنِية عليهما والمُستَقِيَة لمَعِينِهِمَا، فإنَّ ألدَّ عدوٍّ لي هو الغرور، وأحبَّ صديقٍ لي هو التَّواضع، فلْأتَّخِذهُ عَدُوًّا، ولْأتَّخِذْهُ صديقًا.

ولا يعني هذا أنَّني مسلوب التَّفكير ومنقادٌ لما يقوله لي غيره، عليَّ أن أسأل وأستشير لاستيضاح الغاية الصَّحيحة القمينة بالقصد، إلاَّ أنَّ الخيار في المطاف الأخير سيكون خياري، والجهد المبذول في السعي لها سيكون جهدي، فأنا من سيجني ثمارها، وعليَّ سيعود ضررها وفسادها.

ولا يُعدَم طالبُ الحقيقة من ناصحٍ يُرشِدُهُ لما فيه خيرُهُ وصلاحه، فلْيَبحَث عنه بصدق، وليلتزم قولَه، وليَمْتَثِلْ إرشادَه وأمرَه، وليَنْزَجِرْ عن نَهْيِهِ، فإنَّ في ذلك الخير إن شاء الله تعالى.

 

 

أحمد نصيف البحرانيّ

25 رجب 1439 للهجرة

[1]http://main.alghadeer-voice.com/archives/4889

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *