الرئيسية / مقالات / حضارة الإنسان في حديث “لمَّا خَلَقَ اللهُ العقلَ استنطقه”

حضارة الإنسان في حديث “لمَّا خَلَقَ اللهُ العقلَ استنطقه”

كانت العقول في زمن النص حاضرةً عند المعاني المطلوبة ممسكة بنواصي دوالِّها، غير أنَّنا بعدنا كثيرًا عن صفاء الأذهان ونقاء السلائق، فاحتجنا إلى مزيد تحليل وتدقيق؛ علَّنا نقف على شيءٍ من المضامين الشامخة في النصوص المعصومة.

أبدأ بحول الله تعالى وقوته بالتدبر في أحاديث كتاب العقل والجهل من أصول الكافي لشيخنا محمَّد بن يعقوب الكليني (علا برهانه)، راجيًا من الله تعالى نورًا من عنده يقذفه في صدري فأعي التين والزيتون لؤلؤًا ومرجانًا من حسنٍ وحسينٍ بعد أصليهما ونور الأصلين.

بسم الله والصلاة والسلام على نبي الله وآله الطاهرين، واللعن الدائم على أعدائهم إلى قيام يوم الدين.

عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: “لمَّا خَلَقَ اللهُ العقلَ استنطقه، ثُمَّ قال له: أقْبِلْ فأقبَلَ، ثُمَّ قال له: أدبِرْ فأدبَرَ، ثُمَّ قال: وعِزَّتي وجَلَالي، ما خَلقْتُ خَلْقًا هو أحبُّ إليَّ مِنكَ، ولا أكمَلتُكَ إلَّا فيمَن أُحِبُّ، أمَا إنِّي إيَّاكَ آمُرُ، وإيَّاكَ أنْهَى وإيَّاكَ أُعَاقِبُ، وإيَّاكَ أُثِيبُ”[1].

  • “لمَّا خَلَقَ اللهُ العقلَ استنطقه”:

تأتي كلمة (لمَّا) على ثلاثة معانٍ:

الأوَّل: إفادة امتداد الحدث إلى وقت الحديث، مع إمكان استمراره، كما في قوله تعالى: (وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمانُ فِي قلُوبِكُمْ)، أي: لم يدخل الإيمانُ في قلوبكم إلى هذا الوقت، ويمكن أن يستمر الحال على ما هو عليه.

الثاني: حرفُ استثناءٍ بمعنى (إلَّا)، كما في قوله تعالى (إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ)، وإذا دخل على الجملة الفعلية أفاد القسم، كما في قولنا (بالله لمَّا فعلتَ كذا).

الثالث: ظرف زمان، يقتضي جملتين توقف وجود ثانيتهما على وجود أولاهما، كما في قوله تعالى (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى ءَاتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا).

من الواضح تعيُّن المعنى الثالث، وأضيف بيانًا لخاصية التعليق الوجودي:

يظهر لي أنَّ من غايات خلق الإنسان وجود جهةٍ ناطقة، و(النطق) في الحديث نطق العقل، والأقرب أن يكون بمعنى القوة الإدراكية المُحدِّدة لنطاق النسبة بين الدال والمدلول، فالمنطق -فيما أرى- هو الحكمة؛ فإفادته وضع الشيء في موضعه، وهذا الوضع راجع إلى تحديد نطاق النسبة بين الدال والمدلول.

إذا عرفتَ ذلك، فما أراه هو أنَّ الله تعالى خَلَقَ العقلَ لتحقيق غاية وجود القوة الناطقة، فيكون ظهور (لمَّا) في وجود خلق العقل لوجود غاية النطق، كما تكون غاية الطالب النجاح في الاختبار، ولنيلها ذاكر دروسه، فنقول: لمَّا ذاكر دروسه نجح.

وبالتالي فإنَّ إفادة الظرفية محلٌّ لظهور آخر، وهو العلَّةُ الغائِيَّة، وليست العلَّة الموجِدة عند تمامها. أي أنَّ خلق العقل، وليس نفس العقل، من مقتضيات تحقق غاية النطق في الخارج.

والاستنطاق هو طلب النطق، وفي المقام هو إخراج القوة من الكمون إلى الفعل، والقوة كما مرَّ قوَّة الحِكمة.

من الملاحظ عدم وجود تراخٍ بين خلق العقل واستنطاقه، ما يدلُّ على انتفاء الفائدة من وجوده دون استنطاق ونطق، فيكون خلقه عبثيًّا، تعالى الله عمَّا يصفون. ومع عدم وجود التراخي ثبتَ الاتصال بين الفعلين، فعل الخلق وفعل الاستنطاق، ومن هذه الجهة قد تُبحث المسألة بحثًا فلسفيًا من جهة الوجود الزمني، غير أنَّ المقام لا يحتمله.

  • “ثُمَّ قال له: أقْبِلْ فأقبَلَ، ثُمَّ قال له: أدبِرْ فأدبَر”:

الأمر الأول: قد تظهر فائدتان من دلالة (ثُمَّ) على التراخي وعدم الفور:

الأولى: استقرار ناطقية العقل وسلامته من الاستفزاز وإن تُرِكَ، وهذا على خلاف القلوب التي “تستفزها الأطماع، وترتهنها المُنى، وتستعلقها الخدائع” كما في حديث أمير المؤمنين (عليه السلام)[2].

الثانية: منهجية التأني في التعامل مع العقول، وتجنب ضغطها بما يُفقِد الإنسان القدرة على استثمار الحكمة التي خُلقت من أجلها، ومن الواضح أن التسارع والتعاقب ليس من موافقات مقدِّمات الحكمة وتحديد نطاقات النِسَب الحملية على الوجه الصحيح.

الأمر الثاني: فيما يظهر من الإقبال والإدبار:

لا أحتمل إرادة الرواح والمجيء من قوله: أقبِلْ وأدبِرْ، بل ما أستقربه هو ظهور الإقبال في الإيجاد، والإدبار في الإعدام، والمعنى هو إيجاد ما يريد الله تعالى مثل سائر العبادات والقِيَم الأخلاقية وما نحو ذلك، وإعدام ما دونها من الموبقات، فيكون الإقبال بمعنى الإقبال على الحُسن، والإدبار بمعنى الإدبار عن القُبح.

الأمر الثالث: فورية الامتثال:

جاء الامتثال بالإقبال والإدبار مترتبًا، على نحو الحصر، على الأمر من الله تعالى، وهذا ما يفيده حرف (الفاء) في: “فأقبل” و”فأدبر” دون تراخٍ على الإطلاق.

فائدة معرفية: بما أنَّ العقل مادَّة النطق، والنطق هو الحِكمة التامَّة، فإنَّ الامتثال الفوري لأوامر الله تعالى مظهرٌ ومُحقِّقٌ للإنسانية في أعلى قممها على الإطلاق.

  • “ثُمَّ قال: وعِزَّتي وجَلَالي، ما خَلقْتُ خَلْقًا هو أحبُّ إليَّ مِنكَ، ولا أكمَلتُكَ إلَّا فيمَن أُحِب”:

الأمر الأوَّل: يظهر لي أنَّ (ثُمَّ) توقفنا على حالة من السكينة والاطمئنان في عالم الخلق، مبنية على حِكمَةِ التسليم من العقل لأمر الله تعالى، وإن صحَّ ذلك، رجعتْ كلُّ مشاكل وأزمات البشرية إلى الخروج عن هذا القانون الأعلى، وهو قانون التسليم المطلق لله جلَّ في علاه.

الأمر الثاني: أقسم الله تعالى بعزَّته وجلاله، وهما صفتان من صفات التفرُّد في القوة والتنزيه؛ فالعزيز القوي المتفرد في صفات قوته، وإذا نُسِبَت العِزَّة إلى الله تعالى فهي التفرد المطلق وعدم المقارن ولا المماثل على الإطلاق، والجلال التنزه على كلِّ نقصٍ، وعزَّةُ اللهِ وجلالُهُ، قُدسُه، وهو القُدُّسُ تبارك ذكره.

لا بدَّ أن يُناسِبَ القسمُ متعلَّقَه، ولمحلِّ شرط المناسَبة نرى أنَّ الجهة المطلوبة في خلق العقل إنَّما هي جهة الحِكمَة، والله تعالى الحكيم، وللإبقاء على حالة السمو في الإنسان كان من الضرورة التكوينية تخليصه مِن كلِّ ما يُخالِف مقدِّمات التسليم المطلق لله تعالى، وإذا ما تحقَّق ذلك قَرُبَ من عِزَّة وجلال الله سبحانه وتعالى.

الأمر الثالث: حَصَرَ اللهُ تعالى الخلقَ المحبوبَ إليه (تبارك ذكره) في العقلِ، وهو مقتضى الاستثناء بعد النفي، ومن الواضح ترتب محبوبية المخلوق للخالق على المبادرة التسليمية بالامتثال إقبالًا وإدبارًا.

يبدو للنظر القاصر أصالة التسليم بالامتثال وفرعية ما دونه عليه، وبالتالي فإنَّه لا يصحُّ شيءٌ ما لم يرجع في أصله إلى التسليم بالامتثال إقبالًا وإدبارًا.

الأمر الرابع: تحدَّث اللهُ تعالى عن العقل فنصَّ على أنَّه (أحبُّ) الخلق إليه، أي أنَّ نفس العقل سببٌ في أن يكون محبوبًا لله تعالى، ولكنَّه (تبارك ذكره) في قوله “ولا أكمَلتُكَ إلَّا فيمَن أُحِب” يبين حبَّه هو لمن يُكمِلُ فيه العقل.

ومن النكات اللطيفة والمهمَّة الفرق بين “ما” و”لا” النافيتين، فالأولى تنفي الوقوع في الزمن الماضي إذا دخلت على الفعل الماضي، فيمكن أن يخلق الله تعالى خلقًا أحب إليه من العقل، ولكنَّ ذلك لم يقع إلى حين خلق العقل، وأمَّا الثانية إذا دخلت على الفعل المضارع نفت الزمنين، أي أنَّ العقل قد كَمُلَ في خلقٍ ولن يكمل في غيرهم[3].

فائِدَة معرفية: هناك مغايرة من حيث الوجود ومن حيث القوى، بين الإنسان والعقل، فإنَّ العقل محبوبٌ لله تعالى، واللهُ عزَّ وجلَّ أحبَّ خلقًا فأكمل فيهم العقل، فظهر أنَّ الجهة المحقِّقة للحب الإلهي غير كونها عاقلة، وهذه مسألة نحتاج إلى بسط البحث فيها في مقام خاص.

  • “أمَا إنِّي إيَّاكَ آمُرُ، وإيَّاكَ أنْهَى وإيَّاكَ أُعَاقِبُ، وإيَّاكَ أُثِيبُ”:

استفتحَ اللهُ تعالى كلامًا جديدًا بـ”أمَا”، أتبعها بتوكيد أفاده الحرف “إنَّ”، وحصر الفعل في نفسه المقدَّسة، فكان للمعنى المُستَفتَح وقعًا خاصًّا فيه الكثير من التنبيه على الجهة المُشرَّفة بالخطاب والحساب الإلهيين، وهي العقل.

ينبغي الالتفات إلى موضوعية امتثال قوى الإنسان إلى قوى العقل، وإنَّما يكون الأمر منه تعالى بحسب قوى العقل، والثواب بحسب امتثال قوى الإنسان لقوى العقل، والعقاب بحسب مخالفة قوى الإنسان لقوى العقل.

أجد الكفاية إلى هذا الحد، على أن يكون الاستطراد وزيادة البيان في مقالات قادمة بالجمع بين الأحاديث الشريف بما يجعل الصورة في أذهاننا أكثر كمالًا ووضحًا.

 

السيد محمَّد بن السيد علي العلوي

17 من شهر رمضان 1439 للهجرة

……………………………………………………………….

 

[1] الأصول من الكافي – ثقة الإسلام الكليني- الحديث (1) من كتاب العقل والجهل، الجزء (1)

[2] – الأصول من الكافي – ثقة الإسلام الكليني- الحديث (16) من كتاب العقل والجهل، الجزء (1)

[3] – معاني النحو -الدكتور فاضل السامرائي- ص: 163 – 179

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *