الرئيسية / مقالات / مدلولاتٌ مِفصَليةٌ في وَاقِعَةِ مَقتَلِ أميرِ المؤمنين (عليه السلام)

مدلولاتٌ مِفصَليةٌ في وَاقِعَةِ مَقتَلِ أميرِ المؤمنين (عليه السلام)

يقع الحدثُ متوسطًا لسياقٍ مُنْتَظِمٍ مِنَ المقدِّمات والنتائج، كما وتحيط به أحداثٌ تلازمه ذاتًا واتِّفاقًا يكون بينها وبينه علاقات في المقدِّمات والنتائج.

إن للوقوف على هذه المنظومة محورية في فهم الواقع والرفع من القدرة على القياس الصحيح، وتتضاعف أهمية القراءة التحليلية الموضوعية كلَّما اشْتَدَّت أهمية الواقعة. من هذا المنطلق، توقفت عند بعض الأمور في مصيبة مقتل الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، منها:

  • نوم، أو تظاهر القاتل بالنوم قبل ارتكابه لفعلته العظيمة.
  • إيقاع الضربة على هامة أمير المؤمنين (عليه السلام)، والحال أنَّ استلامَ العنق أمضى، خصوصًا مع كون الإمام (عليه السلام) في حالة الهوي إلى السجود، والضربة في العنق قد تنهي الأمر من ساعته!
  • إشباعه السيف بالسم، مع أنَّ الضربة في تلك الأزمنة عادة ما تكون متقنة، فهم كانوا أهل حرب وقتال.
  • أمر الإمام (عليه السلام) باللبن أن يُعطى منه إلى قاتله.
  • الأمر الأوَّل:

قال الراوي: “وكان من كرم أخلاقه عليه السلام أنه يتفقد النائمين في المسجد ويقول للنائم: الصلاة يرحمك الله الصلاة، قم إلى الصلاة المكتوبة عليك، ثُمَّ يَتلُو (عليه السلام): (إنَّ الصَلَاةَ تَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالمُنْكَرِ)، ففعل ذلك كما كان يفعله على مجاري عادته مع النائمين في المسجد، حتَّى إذا بَلَغَ إلى الملعون فرآه نائمًا على وجهه، قال له: …”[1].

يبدو أنَّ النومَ يُفارِقُ من كان على موعد مع حَدَثٍ مُهِمٍّ، فضلًا عن أن يكون عظيمًا يرتبط بمصير الأمَّة الإسلامية، ولا يخفى أنَّ تحمَّل قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) جاء عن خطَّة مسبقة وزِّعَتْ فيها المهامُّ على عبد الرحمن بن ملجم أن يتولَّى قتلَ الإمام عليه (عليه السلام)، والبرك بن عبد الله التميمي أن يقتل معاوية بن أبي سفيان، وبكر بن عمرو التيمي أن يقتل عمرو بن العاص[2]، فكيف لمن ينبري لمثل هذه المهمَّة أن ينام، أو أن يتظاهر بالنوم، بل وحتَّى أن يجلس مجلِسًا؟ إلَّا أن يكون على أحد أمرين:

الأوَّل: عقيدة راسخة في عمقه على صحَّة ما هو مقدمٌ عليه، إلى درجة أن يبقى مطمئنًا لا يُداخِله اضطراب، وهذا ما نجده في بعض من يرتكبون الجرائم العظيمة من عمليات تفجير النفس في جموع من الأبرياء، ومن يضحي بنفسه من أجل قضايا تخصُّ الدنيا، ومن هذه الجهة نفهم العمق العقائدي الذي كان يسكن وجدان المؤمنين ممَّن قاتلوا بين يدي الإمام الحسين (عليه السلام) في كربلاء.

من المهم ملاحظة اشتراك هذه الطوائف في عنوان (الدافع العقائدي)، ولا ينبغي هنا مراجعة العقيدة من حيث الصحة والخطأ؛ بل يكفي الوقوف على مدى دخالتها في تحقُّقِ الإقدام على الفعل، وبذلك تتوفر مقدِّمة من مقدِّمات التشخيص الصحيح للواقعة، أو لموضوع النظر.

يقرِّر القرآنُ الكريم استيلاء العقيدة الفاسدة على النظر والفكر والتعقل، وذلك في قول الله تعالى (فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)[3]، وعمى القلوب إنَّما هو عمى عن الحقِّ، وانحصار في الباطل، فلا ترى غيره، وعلى العكس تمامًا مع أولئِكَ الذين جعل الله لهم نورًا يمشون به في الناس (مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ)[4].

وبالتالي، فإنَّ القضية ليست في التضحية بالنفس والمال والعيال، ولكنَّها في بواعث ومنطلقات التضحية، وهذا أمر جوهري في عمليات المقايسة.

مثالٌ استطرادِي:

يذهب الملايين من المؤمنين لزيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، سواء في عشرة المحرَّم، أو في يوم عرفة، أو في ذكرى الأربعين (20 من صفر)، وفي المقابل يذهب الملايين أيضًا في تجمُّعات دينية للمسيح وللبوذيين، وغيرهم.

وكذا يجتمع عشرات الألوف تحت منابر المآتم التي تحيي أمرَ أهل البيت (عليهم السلام)، وأيضًا يجتمع مثلهم في العدد تحت منصَّات الغناء والرقص وما شابه.

المقارنة في المثالين راجعة للمظهر، والحال أنَّ القياس الصحيح ينبغي أن يقوم بناؤه على منطلق الفعل من جهة، وصحته أو بطلانه من جهة أخرى، فاجتماع مليون مؤمنٍ بإمامة أهل البيت (عليهم السلام)، ليس كاجتماع مثلهم من المؤمنين بإمامة غيرهم.

الثاني: اضطراب نفسي وصل بصاحبه إلى حدِّ الألفة والقرب من الاتحاد، حتَّى أمسى على اضطرابه مستقِرًّا، وهذه الحالة درجة من درجات غياب العقل عن النفس، فهي ليست عقيدة ولا إيمان، ولكنَّها مرض نفسي غاية في التعقيد، أخاله كان ممَّا يعيشه عاقرو ناقة نبي الله صالح (عليه السلام)، خصوصًا وقد تعرَّض لهم بالنصح الصريح، ولكنَّهم كذَّبوه (فَعَقَرُوهَا)[5].

هذه الحالة من الاضطراب النفسي يعيشها الكثير من الناس (نسأل الله تعالى حسن الخاتمة والعاقبة)، تظهر في الإصرار على الخطأ وعلى إلباس الخطأ ثوب الصحة، بل والمبالغة في الإلباس إلى درجة أنَّهم يدخلون من يخالفهم دوائِرَ التهمة والتحقير! ويشعرون باستقرارٍ من شدَّة الاضطراب، ومثل ذلك مثل استقرار الصورة المرئية المعلول لشدَّة دوران الكتروناتها حول أنويتها. فتأمَّل.

في تصوري أنَّ ابن ملجم (لعنه الله) كان على عقيدة متجذرة، لا يمنع أن تكون في أصلها راجعة إلى اضطراب نفسي شديد، ولكنَّني لا أريد الدخول في تعقيدات تحليلية قد لا يناسبها المقام.

فلنلاحظ ملابسات القضية:

نقل الشيخ المفيد (قُدِّسَ سرُّه): “أنَّ نَفَرًا مِنَ الخوارج اجتمعوا بمكَّةَ، فتذاكروا الأُمَرَاءَ فعابُوهم وعابُوا أعمالهم عليهم، وذكروا أهلَ النهروان وتَرَحمُوا عليهم، فقال بعضُهم لبعض: لو أنَّا شرينا أنفسنا لله، فأتينا أئمة الضلال فطلبنا غُرَّتهم فأرحنا منهم العباد والبلاد، وثأرنا بإخواننا للشهداء بالنهروان. فتعاهدوا عند انقضاء الحجِّ على ذلك. فقال عبد الرحمن بن ملجم: أنا أكفيكم عليًا، وقال البرك بن عبد الله التميمي: أنا أكفيكم معاوية، وقال عمرو بن بكر التميمي: أنا أكفيكم عمرو بن العاص، وتعاقدوا على ذلك، وتوافقوا عليه وعلى الوفاء، واتَّعدُوا لشهر رمضان في ليلة تسع عشرة، ثُمَّ تَفَرَّقُوا”[6].

نرى أنَّهم كانوا في وقت الحجِّ، ومدى ارتباط حديثهم بالله تعالى ومصلحة العباد، كما وأنَّهم تواعدوا أوَّل ليلة من ليالي القدر في شهر الله المعظَّم!

تساعد هذه المفاصل على ترجيح مبانيهم العقائدية، خصوصًا وأنَّهم ساووا بين علي أمير المؤمنين (عليه السلام) وبين معاوية وبن العاص. فتدبَّر.

ملاحظة: لن أتوقف عند ما حدث بين ابن ملجم وقطام بنت الأشعث، فقد جاء بعد الاتفاق، وهذا لا يمنع تشكيله لدفع يقوي الدفع الأصل.

·      الأمران الثاني والثالث:

اعتدنا في النقولات التاريخية أن يعلو البطلُ هامَةَ خصمه بالسيف تسجيلًا منه لموقف قوَّة وبطولة أكثر من طلبه القضاء عليه، وأمَّا إذا جاء من الخلف فهو جبانٌ بلا شك، والأقرب أن يتعرَّض إلى خصمه بالطعن أو بالإمضاء في العنق بقصد قطعه وفصل الرأس عن الجسد.

قال الراوي: “فنهض الملعونُ مُسْرِعًا وأقبل يمشي حتَّى وقف بإزاء الاسطوانة التي كان الإمامُ (عليه السلام) يصلِّي عليها، فأمهله حتَّى صلَّى الركعةَ الأولى، وركع وسجد السجدة الأولى منها ورفع رأسه، فعند ذلك أخذ السيف وهزَّه، ثُمَّ ضَرَبَه على رأسِهِ المُكرَّمِ الشريفِ، فوقعتِ الضربةُ على الضربةِ التي ضربه عمرو بن عبد ودٍّ العامري، ثُمَّ أخذتِ الضربةُ إلى مِفْرَقِ رأسِهِ إلى مَوضِعِ السُجُودِ”.[7]

نلاحظ أنَّ الضربة من الخلف، وقد استجمع فيها قوَّته بما حقَّق لها الوصول إلى موضع السجود! فهو لم يطعن أمير المؤمنين (عليه السلام)، ولم يستهدف عنقه الشريف، ولم يواجهه من الأمام مستعرضًا لشجاعته، ولكنَّه كمن من الخلف وأنزل الضرب من الخلف أيضًا على الرأس الشريف.

ما أستظهره، أنَّ الملعون قد اتخذ قرارًا بعدم المجازفة على الطلاق، فهو أمامَ خيارٍ واحدٍ لا يريد لأي احتمال غيره أن يداخله، وهو قتل أمير المؤمنين (عليه السلام).

أمَّا المواجهة من الأمَامَ، فمن كان أمضى مِراسًا في الحروب من ابن ملجم جَبُنَ عن مواجهة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكان جُبْنُهُ سببًا رئيسًا لانهياره أمام إقدام وشموخ أبي الحسنين (عليه السلام)، وأمَّا الطعن فلا يكون بقوة الضرب، خصوصًا وأنَّه يحتاج إلى خطوات يقارنها دفع للسيف بقوة مستجمعة من الكتف والعضد والذراع، وقد تكون ملامسة حدِّ السيف لملابس الإمام (عليه السلام) مشعرة له بما يُرتِّب أثَرَ توقيها. وأمَّا العنق فهو يحتاج إلى تركيز وتوقيت لا يعين عليه حال الإمام (عليه السلام)؛ إذ أنَّ الصلاة حركة من قيام وقعود، وركوع وسجود، ولذلك فإنَّ التركيز على المنطقة المطلوبة من العنق قد يكون صعبًا يدخل معه احتمال الخطأ.

لذا، بقي النزول بالسيف على الهامة الشريفة لأمير المؤمنين (عليه السلام)، ولكنَّ من كان على حال ابن ملجم من أصرار على القتل، وخوف من الخطأ، وجبن عن المواجهة، لا بدَّ له من الأخذ في الاعتبار احتمال عدم الانتهاء إلى المقصود، خصوصًا وأنَّ الخصم بطلٌ لم تشهد سوح القتال مثله بطلًا.. هو عليٌّ، وما أدراك ما علي ومن علي.

قال الملعون: “فواللهِ، لقد اشتريتُ سيفي هذا بألفٍ وسَمَمْتُهُ بألفٍ، ولو كانت ضربتي هذه لجميع أهل الكوفة مانجا منهم أحد”[8].

فالضربة من جهة كونها قاتلة ثنائية، من السيف والسم، ولم تكن الفرصة أمام ابن ملجم (لعنه الله) إلَّا في الإشباع حدَّ ما استطاع، وليكن بعد ذلك ما يكون؛ فإن لم يكن السيف قاتِلًا، فالسم. وهذا ما كان.

أفهم من مجموع ما تقدَّم قيام عقلية جادَّة وراء قتل أمير المؤمنين (عليه السلام)، وليس الأمر مجرَّد انتقام انفعالي، وهذه فائدة تُحصَّل لتحسين أداء المؤمنين في مواجهة الشيطان وجنوده من الجنِّ والإنس، فهي مخلوقات على قدر عالٍ من الجديَّة في مشروعها الإفسادي، ويكفي للوقوف على ذلك قوله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ)[9].

يشتغل الشياطين من الإنس والجن في خطِّ المواجهة ضدَّ الأنبياء (عليه السلام)، وهذا لا يُثمِرُ ما لم يكونوا على مستويات عالية من القوَّة في القراءة والتحليل والتخطيط، وهذا ما يؤيد الحاجة إلى التدقيق في دراسة الحوادث التاريخية دراسة منظومية تستوعب مقدِّماته ونتائجها وما يكتنفها من ملازمات ذاتية واتفاقية.

فأقول: إذا دخل الباطِلُ بشرِّه في مواجهة صريحة ضدَّ الحقِّ وخيرِه، فإنَّه يجتهد أيما اجتهاد أن يُحكِم ضرباته على مختلف الأصعدة وفي مختلف الميادين، والحقُّ حينها إلى هزائم ما لم يكن على نفس المستوى أو أعلى من القراءة والتحليل والتخطيط.

* الأمر الرابع:

يُقرِّرُ أميرُ المؤمنين (عليه السلام) قيمَةً جوهرية في الحِراك الإيماني، موضوعها شدَّة الحذر من الخلط بين قوانين المواجهة الخارجية، وقوانين التقوى، بل يبين بوضوح ضرورة حكومة التقوى على معادلات المواجهة؛ إذ أنَّ كلَّ أمر يخوضه الإنسان في هذه الدنيا لا خير فيه ما لم يكن لله وفي الله وعلى طريق رضى الله جلَّ في علاه، ولذلك قال لولده الإمام الحسن (عليه السلام) موصيًا: “بحقي عليك يا بني إلَّا ما طيبتم مطعمه ومشربه، وأرفِقُوا به إلى حين موتي، وتطعمه ممَّا تأكل وتسقيه ممَّا تشرب؛ حتَّى تكون أكرمَ مِنْهُ”[10].

نحتاج إلى تمام الوعي بعدم انتهاء الأمور عند حدود هذه الدنيا، بل هي تكون قد أنهت مرحلة، ودخلت في مرحلة الحسم، وهي مرحلة الحساب الإلهي، ومن يؤمِنُ بالله تبارك ذكره، وبيوم الظهور المقدَّس لبقية الله الأعظم (أرواحنا فداه)، وبيوم القيامة وميزانها، لا بدَّ وأن يكون على يقين تام بضرورة السير على قيم الإسلام التي يجسدها أهل البيت (عليهم السلام)، وهذا ممَّا يحتاج إلى عقل له السلطة على النفس، فلا تشط في غوائلها وشهواتها إلَّا وأرجعها إلى صراطه خاضعة خاشعة.

ابن ملجم ملعون.. مجرم.. خبيث.. هذا كلُّه لا دخل له في كيفية معاملته التي يرفض الإسلام أن تكون على غير التقوى وموازينها، وإلَّا فالخروج على ذلك يساوي بين الحق والباطل، ويُصير المظلوم ظالِمًا.

اللهم صلِّ على محمَّد وآل محمَّد، والعن أعداءهم إلى قيام يوم الدين، وانتقم لهم ممَّن ظلمهم، اللهم أقسمنا عليك بشرف الزهراء البتول إلَّا ما غفرتَ لنا وعفوتَ عنَّا وأنرت قلوبنا بنور محمَّد وآل محمَّد (صلواتك وسلامك عليهم أجمعين).

السيد محمَّد علي العلوي

فجر العشرين من شهر رمضان 1439 للهجرة

……………………………………………………………………

[1] – بحار الأنوار -العلَّامة المجلسي- ج42 ص281

[2] – من: الإرشاد – الشيخ المفيد- ج1 ص17

[3] – الآية 46 من سورة الحج

[4] – الآية 122 من سورة الأنعام

[5] – الآية 14 من سورة الشمس

[6] – الإرشاد – الشيخ المفيد – ج 1 – ص 17 – 18

[7] – بحار الأنوار -العلَّامة المجلسي- ج42 ص281

[8] – بحار الأنور -العلَّامة المجلسي- ج42 ص 289

[9] – الآية 112 من سورة الأنعام

[10] – بحار الأنوار -العلَّامة المجلسي- ج42 ص289

2 تعليقان

  1. محمد يوسف العرادي

    مقال تحليلي عميق وفقكم الله لكل خير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *