الرئيسية / مقالات / أخذ مبدأ التسليم في موضوع انتظار الظهور ll بقلم سماحة الشيخ محمود سهلان

أخذ مبدأ التسليم في موضوع انتظار الظهور ll بقلم سماحة الشيخ محمود سهلان

ما المرادُ من التسليم؟

في مقاييس اللغّة لابن فارس قال: “في باب السين والميم وما يثلِّثهما: (سلم) السين واللام والميم معظمُ بابه من الصحة والعافية ويكون فيه ما يشذّ، والشاذّ عنه قليل، والسلامة أن يسلمَ من العاهة والأذى… ومن الباب أيضًا الإسلام وهو الانقياد لأنه يسلم من الإباء والامتناع”.

قد نقول وفقًا لذلك أنّ التسليمَ لله ولرسوله (ص) ولأهل البيت (ع) يعني الانقيادَ لهم، وهي السلامةُ من الإباء والامتناع عن اتباع الحق..

 

الرواياتُ الداعية للتسليم:

أذكر بدايةً بعض الروايات الداعية للتسليم لله تعالى ولرسوله (ص) وحُجَجِه على خلقه (ع)، وقد وردت في الجزء الأول من أصول الكافي، في كتاب الحجّة، في الباب الثاني والخمسين بعدَ المائة من الجزء، والذي عنونه الشيخ الكليني –قدِّس سرّه- بـ (بابُ التسليم وفضلُ المسلِّمين):

الرواية الأولى:

عن سُديرٍ قال: قلت لأبي جعفرٍ (ع): إني تركتُ مَواليك مختلفين يتبرَّأُ بعضُهم من بعض قال: فقال: وما أنت وذاك؟ إنّما كُلِّف الناسُ ثلاثة: معرفةَ الأئمّة، والتسليمَ لهم فيما وَرد عليهم، والردَّ إليهم فيما اختلفوا فيه.

نرى أنّ التسليمَ ممَّا كلِّف به الناس.. فهو تكليفٌ وليس خيارًا في قبال خياراتٍ أخرى.

الرواية الثانية:

عن عبد الله الكاهلي قال: قال أبو عبد الله (ع): لو أنّ قومًا عبدوا الله وحدَه لا شريك له وأقاموا الصلاة وآتَوا الزكاة وحجُّوا البيت وصاموا شهر رمضان، ثم قالوا لشيءٍ صَنعَه الله أو صَنعه رسولُه (ص) ألا صنعَ خلافَ الذي صنع، أو وجدوا ذلك في قلوبهم لكانوا بذلك مشركين، ثمَّ تلا هذه الآية: (فلا وربِّك لا يؤمنونَ حتّى يحكِّموكَ فيما شجرَ بينهم ثمَّ لا يجدوا في أنفسهم حرجًا ممَّا قضيتَ ويسلِّموا تسليمًا)  ثم قال أبو عبد الله (ع): عليكم بالتسليم.

نجد هنا أنّ الإمامَ (ع) يؤكد أنّ العبادة وأداء الفرائض لا تكفي لنفي الشرك إذا لم يكنْ معها تسليمٌ، حتّى لو كان ذلك قلبيًا فقط.

الرواية الثالثة (الخامسة في الباب):

عن كاملٍ التمَّار قال: قال أبو جعفرٍ (ع): (قد أفلحَ المؤمنون) أتدري مَنْ هم؟ قلت: أنت أعلم، قال: قد أفلحَ المؤمنونَ المسلِّمون، إنّ المسلِّمين همُ النجباء، فالمؤمن غريبٌ، فطوبى للغرباء.

الرواية الرابعة (الثامنة في الباب):

عن أبي بصيرٍ قال: سألتُ أبا عبد الله (ع) عن قولِ الله عزَّ وجلَّ: (الذينَ يستمعونَ القولَ فيتَّبعونَ أحسنه) إلى آخر الآية قال: هم المسلِّمون لآلِ محمد، الذين إذا سمِعوا الحديثَ لم يزيدوا فيه ولم ينقصوا منه جاؤوا به كما سمِعوه.

تشيرُ الروايات أنّ التسليمَ تكليفٌ لا خيارًا كما قلنا، وتؤكِّد على أهمِّيَّة التسليم والانقياد والطاعة التامّة حتّى في أبسط الأمور، ولو كان ذلك خاطرًا قلبيا فقط، فنجد أنّها تصفُ من وجدوا في قلوبهم خلاف ذلك بالمشركين حتّى مع عبادتهم وأدائهم للفرائض. كما نجدُ أنّها تصف أهل التسليم بالنجباء والمؤمنين وغيرها من الأوصاف كما ورد في روايات أخرى..

ولكنْ مع هذه التوصيات الصريحة من القرآن الكريم والبيان الواضح على لسان الأئمّة (ع)، ماذا حدث على مرِّ العصور؟

 

ماذا جرى في زمن حضور الأئمّة (ع)؟

أذكر هنا حادثتين، حدثت إحداهُما في زمن الإمام الحسن المجتبى (ع) والأخرى في زمن الإمام الصادق (ع)..

الحادثة الأولى: بعد صلحِ الحسن (ع):

قال الباقر (ع): جاء رجلٌ من أصحاب الحسن (ع) يقالُ له سفيان بن ليلى وهو على راحلةٍ له، فدخلَ على الحسن (ع) وهو محتبٍ (أي جامعٌ بين ظهره وساقَيه) في فناء داره.. فقال له: السلام عليك يا مذلَّ المؤمنين..! فقال له الحسن (ع): انزلْ ولا تعجلْ، فنزلَ فعقلَ راحلته في الدار، وأقبل يمشي حتّى انتهى إليه.. فقال له الحسن (ع): ما قلت؟.. قال: قلت: السلام عليك يا مذلَّ المؤمنين…

ما اضطرَ الإمامُ الحسن (ع) لأنْ يشرحَ له سبب ما فعل!!

وفي روايةٍ أخرى يُخاطِب فيها الإمام الباقر (ع) سُديرًا.. قال له: … إنّ العلم الذي وضعَ رسولُ الله (ص) عندَ علي (ع) من عرفه كان مؤمنًا ومن جحده كان كافرًا، ثم كان من بعده الحسنُ (ع).. قلتُ (والكلام من سُدير): كيف يكونُ بتلك المنزلة، وقد كان منه ما كانَ دفعها إلى (فلان)؟ فقال: اسكت! فإنّه أعلمُ بما صنع، لولا ما صنعَ لكان أمرٌ عظيم.

والحوادث التي حصلت بعد الصلحِ ليست بقليلة، ومن أرادها يمكنه تتبّع ذلك..

الحادثة الثانية: الخراساني والإمام الصادق (ع):

عن مأمون الرقّي قال: كنت عند سيدي الصادق (ع) إذ دخلَ سهلُ بن الحسن الخراساني فسلَّم عليه ثم جلس فقال له: يا ابن رسول الله لكمُ الرأفة والرحمة وأنتم أهل بيت الإمامة، ما الذي يمنعك أنْ يكونْ لك حقٌ تقعد عنه وأنت تجد من شيعتك مائةَ ألفٍ يضربونَ بين يديك بالسيف؟ فقال له (ع): اجلس يا خراساني رعى الله حقَّك ثم قال: يا حنيفةَ اسجري التنور، فسَجرته حتّى صار كالجمرة وابيضَّ علوُّه ثمَّ قال: يا خراسانيُ قُمْ واجلس في التنور، فقال الخراساني: يا سيدي يا ابن رسول الله، لا تعذِّبني بالنار، أقلني أقالكَ الله، قال: قد أقلتك. فبينما نحن كذلك إذْ أقبلَ هارون المكّي ونعلُه في سبَّابته. فقال: السلام عليك يا ابن رسول الله، فقال له الصادق (ع): ألقِ النعلَ من يدك واجلس في التنور، قال: فألقى النعل من سبَّابته ثم جلس في التنور، وأقبل الإمام (ع) يحدِّث الخراساني حديثَ خراسان حتّى كأنّه شاهدٌ لها ثمَّ قال: قمْ يا خراساني وانظر في التنور، قال: فقمتُ إليه فرأيته متربٍّعًا فخرج إلينا وسلَّم علينا. فقال له الإمام (ع): كم تجدُ بخراسان مثل هذا؟ فقال: والله ولا واحدًا فقال (ع): لا والله ولا واحدًا، فقال: أما إنّا لا نخرجُ في زمانٍ لا نجد فيه خمسةً معاضدينَ لنا نحنُ أعلم بالوقت.

 

ما الفائدة من ذكرِ هاتينِ الحادثتين؟

الواضحُ من هاتين الحادثتين وغيرِهما ممَّا ورد في سيرة أهل البيت (ع) أنَّهم لم يتوفَّروا على العدد الكافي من المسلِّمين لأمرهم، وهو ما أشار له الإمام الصادق (ع) بوضوحٍ في قوله: “أمَا إنَّا لا نخرج في زمانٍ لا نجد فيه خمسةً معاضدينَ لنا نحن أعلم بالوقت”، وكذلك أشارَ الحسنُ (ع) في بعضِ المواضع، ومنها أنّ حربَه مع رأس الشام مؤدّاها زوالُ أهل البيت (ع) وزوال مواليهم، والشواهد في هذا ليست بالقليلة، ولكنّ ما ذكرتُه يكفي في المقام.

 

ما العلاقة بين التسليمِ والظهورِ المقدَّس؟

لا شكّ أنّ الإمامَ المنتظر (ع) ليس يحيد عن ذات الخطّ؛ أعني الحاجة إلى أصحابٍ وأنصارٍ ينقادون له ويسلِّمونَ إليه كهارون المكّي الذي جلس في التنور –طاعةً للإمام- دون أنْ يسألَ أو يتردَّد للحظةٍ واحدةٍ.

 

أُطروحةٌ في شرائط الظهور:

في أطروحةٍ من الأطروحات المهدويَّة يتبنَّى صاحبُها رأيًا في شرائط الظهور، يرى فيها أنَّ الظهور معلولٌ لعلَّةٍ ما، وتلك العلة هي تحقُّقُ الشروطِ والعلامات، ولكنّا نغضُّ النظرَ عن العلامات ونتحدَّثُ عن الشروط التي قدْ نتمَّكَّنُ من لعب دورٍ فيها كما سيتَّضح فيما يأتي.

من الممتنع أنّ يتخلَّف الظهور وهو المعلول عن شرائطه وهي العلَّة، والشروط هي التالية:

الشرط الأول: وجود الأطروحةِ العادلة الكاملة التي تمثِّل العدلَ المحض الواقعي، فدونها يكون العدل الكامل منتفيًا، وهذه الأطروحة هي الشريعة الإسلاميَّة الحقَّة، وقد توفَّرَ هذا الشرط على يدي رسولِ الله (ص). قال تعالى: (اليومَ أكملتُ لكم دينَكم وأتممتُ عليكم نعمتي ورضِيتُ لكم الإسلامَ دينًا)[المائدة:٣].

الشرط الثاني: وجود القائدِ المحنَّك الذي له القابلية الكاملة لقيادة العالم كلِّه، وقد ثبتَ في محلِّه أنَّه حجَّة الله على الخلق الإمامُ المهديّ المنتظر عجَّل الله فرجه الشريف.

الشرط الثالث: وجود العدد الكافي من المخلِصينَ لغزو العالم، وهو الشرط الذي يرتبط أكثر بكلامنا، والذي كان مفقودًا –كما يظهر- من كلماتِ المعصومينَ (ع) ومواقِفهم.

 

خاتمةٌ:

أرى أنَّ هذا الإخلاص لا يمكن أنْ يكونَ دون تسليمٍ لله تعالى ولشريعته الحقَّة، ودون تسليمٍ مطلقٍ لخليفته وحجَّته على خلقه، فالتسليمُ والانقياد أمرٌ مطلوبٌ بذاته كما يظهر من الروايات الشريفة.

إذا ثبت أنّ العددَ المطلوب من الأصحاب والقادة لنُصرة القائد ينبغي أنْ يمَحَّصُوا حتَّى يتحلَّوا بصفاتٍ معيَّنةٍ ليصلوا لمرحلة الإخلاص، فإنّ التسليم والانقياد من أهمِّ الصفات المطلوبة ليتحقَّق عنوان الإخلاص فيهم، خصوصًا مع علمنا السابق بوجوب طاعة الإمام، فكيف يكون مخلصًا مَنْ لا يسلِّم لمن يراه معصومًا لا يقولُ ولا يفعلُ إلَّا الحقّ؟
وعليه فإنّ واحدةً من أهمِّ الوظائف في زماننا هذا –حتّى نساهم في تعجيل الفرج والظهور- هي وظيفة التسليم لوُلاة أمرِنا، ثمَّ المساهمة في حضِّ المؤمنينَ على ذلك كلٌّ بحسبه.

 

روايةٌ أخيرة:

عن ابن أُذينة قال: حدَّثنا غيرُ واحدٍ، عن أحدهما (ع) أنّه قال: لا يكونُ العبد مؤمنًا حتّى يعرف الله ورسوله والأئمَّة كلَّهم وإمامَ زمانه، ويردَّ إليه ويسلِّمَ له…

 

قال تعالى: (إنَّ اللهَ وملائكتهُ يصلّونَ على النبيّ يآيُّها الذين آمنوا صلُّوا عليه وسلِّموا تسليمًا)[الأحزاب:٥٦].

 

 

محمود سهلان

حوزة خاتم الأنبياء – البحرين

١٠ ذو القعدة ١٤٣٩ هجرية

٢٣ يوليو ٢٠١٨ ميلادية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *