الرئيسية / مقالات / ‏ثورة الحسين (عليه السلام) وثورة الرسول (صلَّى الله عليه وآله) ضدَّ الجاهلية ll مقالة للأستاذ محمَّد مالك آل إبراهيم

‏ثورة الحسين (عليه السلام) وثورة الرسول (صلَّى الله عليه وآله) ضدَّ الجاهلية ll مقالة للأستاذ محمَّد مالك آل إبراهيم

مقالات عاشوراء

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على رسول الأمة محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

قد يطول الكلام عند الحديث في أسباب النهضة الحسينية والثورة الخالدة المباركة التي جاءت في ظروفٍ معينةٍ وكان لابدَّ منها حينذاك، ولا يمكن فصلُ ثورة الحسين (عليه السلام) الإسلامية على الحكم الأموي عن ثورة جدِّه الرسول الأكرم محمد (صلَّى الله عليه وآله) ضد الحكم القبلي السائد من قبل المشركين حينها، فقد كان النظام الاجتماعي الجاهلي مجتمعًا ساقطًا، وما كان ليبقى للإنسان من قيمةٍ فيه، إنما يقاس فيه الإنسان بأمواله وجواريه وأملاكه، فجاء الإسلامُ وقائِدُ ثورته النبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله) ليبدل الرذائل السائدة في العصر الجاهلي بالأخلاق السامية، والخرافات الجاهلية بالحقائق، والطقوس السخيفة بالعبادات، فكانت ثورتُه حينها اجتماعية أخلاقية.

لم يكن يمتلك القرشيون والجاهليون في ذلك العصر نظامَ حُكمٍ سِياسي، بل كانوا على نظام القبيلة، فكان سيد القبيلة هو الحاكم، ولم يكن يُنظر لأخلاقه أو كفاءته، فقد كان النظر فقط لماله وجاهه وسلطانه.

غيَّر الإسلام ذلك، فأصبح ذو الأخلاق والدين مُقدَّمًا، وأصحاب الرذائل والمثالب مُؤخرين، فكان المقياس في الإسلام التقوى “إنَ أكرمكم عند الله أتقاكم”.

بعد وفاة الرسول الأمجد (صلَّى الله عليه وآله) كان من المنتظر وجود الكفوء القادر على التصدي لإكمال مسيرة الإصلاح والتغيير؛ إذ أنَّ مبادئ ثورة الرسول ضد الجهل والجاهلية كانت في خطر من قِبَلِ النزعة الداخلية الجاهلية لدى بعض من تلبسوا الإسلام، ولذلك لم يترك الله دينه بلا حسيب ولا رقيب، فنصب علي بن أبي طالب (عليه السلام) والأئمة من ولده ليكونوا شهداء على الناس، ويكون عليٌّ (عليه السلام) الحاكم السياسي والشرعي المُنَصَّب من قِبل الله عزَّ وجلَّ، لكنَّ الظروف التي حدثت آنذاك في سقيفة بني ساعدة،  بالإضافة لما حدث من رِدَّة في بعض الأصقاع من العالم الإسلامي، أدَّت لمنع وصول السلطة السياسية والشرعية لحاكمها المُنَصَّب من قبل الله تعالى، إلَّا أنَّ الثورة لم تتوفر ظروفها حينها؛ إذ لم يكن الانقلاب تامًّا كاملًا، فبقيت الأحكام غير معطلة بشكل كامل، ولم تتم العودة إلى عصر الجاهلية بشكل كامل بما يستوجب الثورة، وكان بالإمكان الصبر على ذلك.

مرَّت السنون والأعوام فتغير الحال بعد الانقلاب على معاهدة الإمام الحسن (عليه السلام) والذهاب بالحكم إلى يزيد من بعد أبيه!

ما الذي يعنيه تحول نظام الحكم الإسلامي من النظر إلى أصحاب الكفاءة والفضل إلى الوراثة؟ أي إلى حكم القبيلة؟

كانت العودة إلى نقطة الصفر، بل إلى ما قبلها؛ بالتأسيس إلى الاستئثار والاستبداد في الحكم، وهو ما كان واضحًا مع حركة مروان باستدعاء كبار المسلمين وأمرهم بالمبايعة ليزيد، وحينها وجب على أبي عبد الله (عليه السلام) القيام بثورته المباركة التي كانت امتدادًا لثورة جدِّه رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) ضد الظلم والطغيان، وضد الجاهلية، وكان موضوع الثورة أمرًا سائدًا في عقول الناس حينها، لكن ما زرعته السلطة في قلوب الناس من حب المال والدنيا جعله أمرًا مستبعدًا، لا سيما بعد إعدام كل المعارضين والمناهضين للنظام من أمثال حجر بن عدي وعبد الرحمن بن أبي بكر وسعد بن أبي وقاص، وأيضاً إخضاع اليمن بالقوة والبطش والإرهاب بواسطة جيش بسر بن أرطاة الذي أرسله معاوية  لغزو اليمن التي كانت تدين بولاية أمير المؤمنين وكان واليها عبيد الله بن العباس.

واستمر هذا النهج في عهد يزيد بتوجيه من مروان، بالتالي كان على الحسين (عليه السلام) الخروج لنصرة الدين ضد الانقلابات الجديدة التي بدأت في التصاعد، فخرج متجهًا إلى العراق حيث يكثر فيها الموالون من جهة والناقمون على الدولة من جهة أخرى، فكان المناخ الفكري والجو العام هناك مفعمًا بروح الثورة ضد الإثم والعدوان، فاختارها الحسين (عليه السلام) متوجهًا بكل عشيرته وأهل بيته إليها حاملًا روحه على كفة، إلَّا أنَّ وصول عبيد الله بن زياد إلى الكوفة أدَّى لانخفاض الوهج الثوري فيها خصوصًا بعد قتل سفير الحسين (عليه السلام) مسلم بن عقيل وأحد كبار قادة الثورة هاني بن عروة (عليهما السلام) والقبض على المختار بن أبي عبيد الذي يعتبر أحد أكبر المخططين الاستراتيجيين والسياسيين وأحد الممولين الأساسيين في الثورة، بالإضافة  إلى المعتقلين من الموالين الذي يقول البعض أن عددهم كان يتراوح بين 4000-12000 سواء كانوا في سجون الكوفة أو في كل سجون العالم الإسلامي، عندها أجبر الحسين (عليه السلام) على قتال الأمويين مع 73 من أنصاره وأصحابه بالإضافة لأهل بيته، فجرى قتال ملحمي ثوري يخوضه من لا يهابون الموت ويطمعون فيه ضد عبدة الدينار والدنيا،  فجرى ما  جرى في ذلك القتال فقتل الحسين عليه السلام مع 73 من أنصاره فأحيت دماؤهم الطاهرة الأرض بعد موتها.

ثورة الحسين (عليه السلام) التي هي امتداد للثورة الأولى لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله) أعادت الناسَ للفكر الإسلامي، واعادت مقاييس وتعاليم الإسلام ليعمل بها، بل كانت إحدى أهم الأسباب والبواعث والدافع الأولى للثورات التي جرت ولا زالت تجري في هذه الأرض، كما أنها أعادت بناء الإسلام كاملًا تامًّا حتى يعلو على يد الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، فمن بعد ثورة الإمام (عليه السلام) أصبح الحاكم وإن ظلم الظلم الشنيع يخشى أن يبدل الدين جهرًا؛ خوفًا من أن يلقى ما لقيه يزيد وأتباعه.

قد تنفس الدين عندما تنفس الشهيد (عليه السلام)، وقد ولد الدين من جديد بشهادة تلك الأنفس الزكية، فكانت دماؤهم الطاهرة العطرة غذاءً لفكر وروح الأمة عبر العصور، فسلامٌ على الحسين وعلى علي بن الحسين وعلى أنصار الحسين وعلى أولاد الحسين، اللهم ارزقنا شفاعة الحسين يوم الورود وعند ضغطة القبر، وصلَّى الله على محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى أصحابه المخلصين المنتجبين.

 

محمد مالك آل إبراهيم..

الجمعة 01/محرم/1439 هـ

الموافق 22/09/2017

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *