الرئيسية / مقالات / الإرث الثقافي العاشورائي ll مقالة للأستاذ محمَّد يوسف العرادي

الإرث الثقافي العاشورائي ll مقالة للأستاذ محمَّد يوسف العرادي

ثقافتنا هي نتاج تفاعلنا على المدى الطويل؛ فهي تراكم ثقافي خلال فترات زمانية ومكانية، بمعنى أنها ليست علوماً أو معارف جاهزة يمكن للمجتمع أن يحصل عليها ويستوعبها، إذن هي نتاج مراحل تراكمية طويلة من الزمن، تتناقلها الأجيال عبر التنشئة الاجتماعية ويكتسبها الطفل خلال مراحل النمومن الذوق العام للمجتمع.

موسم عاشوراء خير مثال على التراكم المعرفي (الثقافي) للمجتمعات بما يمثله من القيم السامية والعودة للتراث الديني الأصيل، والتمسك بالتراث العاشورائي هو أساس الانطلاقة للنفس البشرية نحو تجديد المعارف وزيادة الرصيد المعرفي، الناتج من ارتفاع منسوب الثقافة الحسينية الأصيلة والداعية لتحرير العقل مما علق به من شوائب الدنيا وقذوراتها، كالفطرة الإنسانية الطاهرة من كدورات الانحراف.

الثقافة العاشورائية بما تمتلكه من عناصر بناء الشخصية الإيمانية، كفيلة بتغيير المجتمع نحو الأفضل شريطة التمسك بالقيم والثوابت والانتهاج بمنهج الأئمة المعصومين عليهم السلام، فكم ذكرى لعاشوراء مرَّت علينا خلال الأعوام السابقة، وكم منَّا قام وجدَّد الحزن على سيد الشهداء عليه السلام.

عاشوراء هويتنا وثقافتنا وتراثنا الفكري والعقائدي، ليست مجرد ذكرى نجدِّدها كلَّ عام، وإنَّما هي هوية وإنتماء ودين ندين به، لأنَّ الحسين عليه السلام  إمتداد للنبي صَلَّى الله عليه وآله، وبالتالي إمتداد للرسالة والدين.

منابرنا مدارسنا بما تشعه من الذكريات والأفكار والثقافات المختلفة، بل لها دور كبير في زيادة المنسوب الثقافي في الأمة، ومساهمة فعالة في عملية التثقيف والتنوير، هي الحاضنة لجميع شرائح المجتمع وطبقاته، فليس هناك أحد أفضل من أحد إلَّا بالتقوى وحب الحسين عليه السلام، فترى الصغير والكبير كلهم مجتمعون إمتثالاً لإحياء أمر أهل البيت عليهم السلام.

إنَّ تفاعلنا مع هذه المجالس الحسينية يلقي على عاتقنا الدور الكبير والفاعل في الاحتفاظ بهذا الموروث المعرفي الكبير، ومن جانب أخر مسؤولية نقل ذلك الإرث المعرفي للأجيال القادمة، لذلك كان لزاماً علينا أن ننتقي الفكر كما ننتقي أمور حياتنا، قال تعالى {فلينظر الإنسان إلى طعامه}، وقيل في تفسير هذه الآية المباركة: إنَّها تعني أن ينظر الإنسان إلى علمه ممن يأخذه وطعامه الفكري والعقائدي،لئلَّا يقف الإنسان حائراً أمام الله عز وجل.

المنبر مركز إشعاع فكري، هذا الفكر الذي يتلقاه المخاطب ويبني عليه أفكاره وعقائده، وهنا لابدَّ من إعمال العقل وتفعيل مقص الرقيب لكلِّ رواية أو حديث، وهذا الأمر يتطلب الممارسة الدائمة للتثقيف الذاتي، والتي تعني الرغبة الفردية في عملية زيادة الوعي والثقافة والمعرفة، وذلك بجهد خاص وبالاعتماد على الوسائل المتوفرة.

كلٌّ منَّا يحمل ثقافة بحدود معينه وعليه أن يسعى لِأن يمتلك مفاتيح أخرى لثقافات يستطيع بواسطتها أن يلج في فضاءات الفكر والعقيدة.

ورد في الحديث: {حديث تدريه خير لك من ألف حديث ترويه} وعند تلقي الحديث والرواية من خلال المنبر يجب أن تمتلك أدوات وآليات البحث والتقصي، وقبل أن ترفض أو تقبل لابدَّ أن تمتلك أدوات الرفض، فمن لا يقرأ ولا يبحث، لايمكنه أن يعمم أو يبث ما سمعه وكأنَّه مسلمة لا تقبل النقاش، والنقاش هنا أمر ضروري شريطة الخروج بنتائج مثمرة، والابتعاد عن النقاشات المفضية للنزاعات التي لا طائل منها، فالترفع عن مثلها أجدى مع ضرورة الاحتفاظ بالثوابت والمعتقدات، فلا التسقيط ينفع ولا الإقصاء يجدي، فكلنا يجمعنا الحسين عليه السلام وذكراه.

خرج الامام الحسين عليه السلام لتصحيح مسار الأمَّة والإصلاح في أمَّة جدِّه، وتنقية الأمَّة ممَّا علق بها من شوائب الجاهلية والتسلط الأعمى على مقدَّرات الأمَّة، وتعرية المفسدين والطغاة على مرِّ التاريخ، فكم منَّا بحث في قضية الحسين عليه السلام وثقَّف نفسه ذاتياً ليوسِّع مداركه وثقافاته؟

هل قضية الإمام الحسين عليه السلام قضية صراع بين الحق والباطل وانتهت يوم عاشوراء!؟

ماذا نريد أن نتعلم من المنبر الحسيني؟ أي من الخطاب المنبري يشدُّك أكثر؟ المنبر الشجي أم المنبر الحواري؟

هناك تساؤلات كثيرة لنحدِّد اندفاعاتنا نحو المنبر الحسيني وخطابه.

ما يهمنا هو أن نخرج بالجديد كلِّ عام بالنسبة لنا، أن نعيش الحدث وكأنَّه وقع أمام أعيننا، أن ننحت الصور حتَّى لا تغيب عن أذهاننا، أن ننتهج منهج الحسين عليه السلام وأن نعيش كلماته في وجداننا.

لا يمكننا أن نختزل مصيبة الحسين عليه السلام في موسم أو موسمين، لا بل لا يمكننا أن نختزلها حتَّى لو أمتلكنا الزمن والتاريخ، إنَّها قضية فوق تفكيرنا، ولكنَّنا أمرنا بتجديدها عاماً بعد عام، أليس عابس يسمى مجنون الحسين عليه السلام، ماذا لو قام أحد الحاضرين في المجلس الحسيني وقتل نفسه، طبعاً بسبب التأثر الشديد لتلك الصور ليوم عاشوراء الحزين؟ هل ستنتقده أم ستبرر له ؟

هل يمكن لثقافة الجزع أن تصل لحدِّ الموت على الحسين عليه السلام أم لا؟

راجع ثقافتك المتراكمة عبر الأزمان وعبر حضورك عاشوراء في كلِّ عام، منذ كنت صغيراً للآن!؟

ورد في زيارة الناحية المقدَّسة قول الإمام الحجَّة عليه السلام {فلئن أخرتني الدهور وعاقني عن نصرك المقدور، ولم أكن لمن حاربك محارباً، ولمن ناصب لك العداوة مناصباً، فلأندبنك صباحاً ومساء ولأبكين عليك بدل الدموع دماً، حسرة عليك وتأسُّفاً على ما دهاك وتلهفاً، حتَّى أموت بلوعة المصاب وغُصَّة الاكتئاب}.

إنَّها كلمة بلسان المعصوم عليه السلام اختزلت كلَّ العلاقة بيننا وبين الحسين عليه السلام، علاقة لا تنتهي على مرور الأيام واللحظات، حتَّى لو بكيته صباحاً ومساء (الاستمرارية) ودموعك تجري حتَّى يبلغ بك ذلك أَذى النفس ولوعة الموت وغُصة الاكتئاب، لما وفَّيت حقَّه كما ينبغي.

 

محمَّد يوسف العرادي

25 من ذي الحجَّة 1439 للهجرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *