الرئيسية / مقالات / موجاتُ التَشكِيكِ مدحورةٌ لا محالة؛ إنَّه قانون التكوين

موجاتُ التَشكِيكِ مدحورةٌ لا محالة؛ إنَّه قانون التكوين

لن ينزعج عاقِلٌ من شخصٍ يخرج على الناس ليصرِّح بنفيه لمسألة إسلامية خطيرة استمر عليها الأعلامُ والناسُ لآماد متطاولة، ولكنَّه ينزعج انزعاجًا شديدًا من التفاعل الإيجابي معه، من علماءٍ بالمناقشةِ وجولاتِ الرَدِّ، ومن عامَّةِ الناسِ بتساؤلاتٍ مُستَنفِرَةٍ تترتب عليها آثارٌ سيئة خطيرة!

المُزعِجُ في الأمر إغفال بعضنا.. لا أدري، ربَّما كثير مِنَّا، ولا أرجو ذلك، وجود الله تعالى لطيفًا بالعباد، والإمام صاحب العصر والزمان راعيًا لهم، وبهذه الغفلة الخطيرة ذهبوا إلى مسؤولية تحمُّل الوقوف على الحقائق ورعايتها والعناية بها بما لا تسعه النفوس تكوينًا؛ لنكتة مهمَّة، هي عدم قدرة الإنسان على الإحاطة بجميع حيثيات وجهات وظروف القضايا، وما يُهدِّدُ ثبوتها، وما نحو ذلك، والحال أنَّه مأمور بالتزام العروة الوثقى تمسكًا حقيقيًا واقعيًا، فقد قال (صلَّى الله عليه وآله) في غير مقامٍ ومقام: “يا أيها الناس، إنِّى تَاركٌ فيكم الثقلين، أمَا إنْ تمسكتم بهما لن تضلوا، كتابَ الله وعِترتي أهل بيتي؛ فإنَّهما لن يَفتَرِقَا حتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحوضَ”[1].

وقد قال تبارك ذكره في محكم الكتاب العزيز: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).

أقول:

هل الحفظ للرسوم والنصوص؟ أمَّ أنَّه لمادَّة الفهم القويم إيجادًا وبقاءً؟

نحن في الواقع لا نُعدم المشاكل إذا اقتصر الحفظ على الرسم؛ فالمشكلة إنَّما هي في الفهم من جهة، وفي موانع الممارسة والتطبيق من جهة أخرى، ولذا، لا يمكن للخطير من أمر الدين أن يُترَكَ دونَ عِنَايةِ حِفظٍ تَكوينيَةٍ تَقْصُرُ عَنْهَا يد الإنسان مهما بلغ شأنه، وإلَّا فالأمر بالتمسك حينها تكليف غير موزون، وحاشا لله تعالى أن يكلِّف على خلاف الحكمة.

زيادة بيان:

حتَّى يصح التكليف بالتمسك عصمةً من الضلال، لا بدَّ للمادَّة العاصمة أن تكون محفوظةً حِفظًا تَتَحَقَّقُ به الحجةُ البالغة بما يقطعها عن غيره سبحانه وتعالى، وهذا ممتنع امتناعًا عقليًا من غير شروطها وارتفاع موانع مقتضياتها.

من الواضح أنَّ الإنسان بعقله القاصر لا يسعه قراءة الواقع قراءة تامَّة تمكِّنه من توقع وتشخيص الموانع، فضلًا عن رفعها، ولذلك استدعى الأمر أن يكون في كلِّ زمان قائٌم به من الله تعالى، فتوالى بعث الأنبياء والرسل وأوصيائهم، حتَّى عُقدت راية الحفظ بيد بقية الله الأعظم الإمام المهدي بن الحسن (أرواحنا فداه).

عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قال رسولُ اللهِ (صلَّى الله عليه وآله): “يَحمِلُ هذا الدين في كُلِّ قَرنٍ عُدولٌ، ينفون عنه تأويلَ المُبطِلين، وتحريفَ الغَالِين، وانتِحَالَ الجَاهلين، كما ينفي الكيرُ خبثَ الحَدِيدِ”[2].

إنَّه ليس من المعقول عقيدةً أن يترك اللهُ تعالى أمَّة الحقِّ في ضلالاتٍ وظلماتٍ يرتكبها ويمضيها قادةُ العِباد! وهو اللطيف الذي يُقرِّب الناسَ من عبادته وطاعته، ويبعدهم عن المعصية والضلال.

قال رسولُ اللهِ (صلَّى الله عليه وآله): “المُتَّقُون سَادَةٌ، و الفُقَهَاءُ قَادَةٌ، والجُلوسُ إليهم عِبَادَةٌ”[3].

فهل يليق بالله تعالى أن يرمي الناس في أحضان رجالٍ هو جعلهم قادة، ثُمَّ أنهم يُضِلُّون ويُحولون حياة الناس إلى ركامٍ من المُحرَّمات؟

بعد ألف سنة يأتي من يُشكِّك الناس في عقائدهم وفقههم، والغريب وجود من يتفاعل مع مثل هذه التشكيكات وكأنَّ المؤمنين بلا راعٍ يرعاهم!

لا، الأمر ليس مجرَّد تشكيكات، بل هناك أمر خطير يقف وراء تموجات من الزيغ والانحراف.

فلندقق قليلًا..

أيّ حضارةٍ أو مجتمع قوي، فإنَّه يقوم على ثلاث ركائز أساسية:

الأولى: القيادة العليا وعلاقة الناس بها.

الثانية: القوَّة الاقتصادية.

الثالثة: البناء الثقافي الأعم من التربوي والفكري وغيرهما.

إنَّنا اليوم لا نلاحظ فقط، بل نشهد بوضوح لا تشوبه شائبة، تعرضَ التشيع إلى ضرباتٍ مباشرةٍ مُوجَّهةٍ إلى نفس هذه الركائز، فمن جهة هناك تشكيكات في مقامات المعصومين (عليهم السلام)، واتِّهاماتٍ سافِلَةٍ سَافِرَةٍ للمرجعية الدينية المتمثلة في الفقهاء الأعلام والمراجع العظام. ومن جهةٍ أخرى نرى هذه الهجمات الغريبة على أهم مصادر القوة الاقتصادية، تارةً ضد نفس الحقوق الشرعية، وأخرى بالتشكيك في ذِمَم العلماء!

أمَّا الحواضر العلمية التي تحتضن أدبيات الثقافة العامة، فتواجه اليوم حربًا شعواء تقودها أمراضُ الحَدَاثَةِ والعلمانية وما يمشي في ركبها من ألوان العمى وصنوفه!

هكذا يريدون تقويض عظمة الإسلام، ولكن هيهات هيهات، وقد قال تعالى (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)[4].

إنَّه لمن المضحك حقًّا أن يأتي اليوم، وبعد مئات السنين، من يُشكِّك الناس في المرجعية الفقهية العليا، أو في الحقوق المالية الشرعية، أو زيارة مقامات ومشاهد أهل البيت (عليهم السلام)، أو في غير ذلك ممَّا عجز إبليس وشياطينه من الجن والإنس عن المساس به منذ خلق الله تعالى آدم (عليه السلام)، وسوف يبقى هذا الخط الإبليسي الشيطاني من فشل إلى فشل ومن خزي إلى خزي، حتَّى قيام الساعة.

أحتاج هنا إلى التنبيه على أمر مهم، بل غاية في الأهمية، وهو أنَّ بعض المؤمنين قد يمشون في هذا الخط، ولكنَّني على ثقة تامَّة بالله تعالى أنَّ يومًا سوف يأتي يستنقذهم فيه، فالموالي الشيعي لا يبقى في ضلال، كيف وراعيه الله تعالى بيد صاحب الزمان (أرواحنا فداه).

اللهم عرفني نفسك، فإنَّك إن لم تعرفني نفسك لم أعرفك ولم أعرف رسولك، اللهم عرفني رسولك، فإنَّك إن لم تعرفني رسولك لم أعرف حجتك، اللهم عرفني حجتك، فإنَّك إن لم تعرفني حجتك ضللتُ عن ديني”

ينبغي لنا الوعي تمامًا بأنَّ إسلامنا العظيم محفوظٌ تكوينًا بقوانين الله جلَّ في علاه، وعلينا الاهتمام، بل المبالغة في الاهتمام ببناءاتنا العقائدية والفقهية والأخلاقية. أمَّا هجمات إبليس وجنوده فإنَّ الله تعالى يهيءُ لها من يردّها، وقد يكون أنت أو هو أو هي.. هذا شأنُ الله تعالى يختار له من يشاء، فلا ينبغي أن نقلق إلَّا في الحدود المعقولة لحكماء الإسلام وقادته. أليس من الواضح جدًّا السكينة النورانية التي يعيشها فقاؤنا العظام وعلامنا الأعلام؟

فأقول:

إنَّ استمرارَ أمرٍ ما لآمَادٍ متطاولة قد يدل على أحد أمرين: على صحته، أو على عدم الضرر منه حتَّى لو لم يكن صحيحًا، وأمَّا في الترددات بين أمرين نعتقد التعارض بينهما، فإنَّ بقاءهما لآمَادٍ مُتطاولة قد يكون دليلًا على عدم البأس في الأخذ بأيهما، أو أنَّ خطأ أحدهما ليس بذاك الذي يستدعي التدخل الغيبي، وبالتالي فإنَّ الخطأ الحقيقي والضرري هو الانشغال بمثل هذه البينيات.

الإخوة الأكارم..

تتلخص رسالةُ هذه المقالة في ضرورة الانتباه جيِّدًا إلى وجود الله تعالى في كلِّ مفاصل الحياة، يحفظ الإسلام بعنايةِ ورِعَايةِ وليِّهِ الأعظم (أرواحنا فداه)، فلتطمئن النفوس، ولتهدأ القلوب، ولتقر العيون بأمانٍ لن يتركنا حتَّى يأذن الله تعالى بِرَايَةِ العدل أن تُنشر، وحينها سنرى أنَّ العاقبة للمتقين، وأمَّا من تزل قدمُه عن الطريق، فهي طبيعة هذه الحياة الدنيا وفِتنها، ولذلك قال الحقُّ جلَّ في علاه (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ *  وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)[5].

وقال تبارك ذكره (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ)[6].

 

السيد محمَّد علي العلوي

26 من المحرَّم 1440 للهجرة

 

[1] – بصائر الدرجات – محمد بن الحسن الصفار – ص 433

[2] – وسائل الشيعة (آل البيت) – الحر العاملي – ج 27 – ص 151

[3] – بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج 1 – ص 201

[4] – الآيتان 8 – 9 من سورة الصف

[5] – الآيتان 2- 3 من سورة العنكبوت

[6] – الآية 155 من سورة البقرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *