الرئيسية / مقالات / قبل الجزم بنفي الخبر التاريخي وإثباته ll بقلم الأستاذ أبي علي

قبل الجزم بنفي الخبر التاريخي وإثباته ll بقلم الأستاذ أبي علي

ملاحظة: وصل المقال عن طريق البريد الإلكتروني موقَّعًا باسم (أبو علي)، ونشرناه لموضوعيته، بعيدًا عن اتِّفاق موقع (صوت الغدير) مع توجهه أو لا.

……………………………………………………………………………………………..

 

بقلم : أبو علي

 

يكثر الحديث طوال العام ، لا سيما في موسمي محرم و صفر ، حول ما يطرحه خطيب المنبر الحسيني من أحداث و روايات تاريخية تتعلق بسيرة أهل  البيت عليهم السلام ،  بين الاخذ و الرد ، و تختلف الردود – قبولا و ردا – بحسب الإجتهادات  الموجودة ، فعادة ما تطرح عدة تساؤلات :

  • هل هذه الحادثة ثابتة ؟
  • هل لها إسناد صحيح ؟
  • ألا تتعارض هذه الرواية مع مكانة أهل البيت عليهم السلام؟
  • أليست هذه الرواية متعارضة مع رواية أخرى في مصدر آخر؟

و سبب هذا الإختلاف ناتج من التباين في طريقة التفكير ، و الإختلاف في المناهج المتبعة في التعامل مع الرواية ، بل و بسبب إختلاف الخلفية العلمية و الفكرية للفرد ، كما لا ننس تداخل الحالات النفسية للفرد حيث تختلط مع الحالة العلمية و الفكرية ، فيخرج الإنسان بنتائج مغايرة جدا.

فهناك من يتعامل مع الرواية ، تعاملا فقهيا صرفا ، و يعمل فيها قواعد علوم الرواية و الدراية ، فتتم مناقشة الرواية متنا و سندا ، كما تبحث الرواية الفقهية ، و بالمقابل ، و لأن الموضوع مختلف ، فإن التعامل مع الرواية التاريخية لا يبحث فيها سندا ، بل الأهم هو جمع القرائن و تحليلها و فرزها لأجل الوصول لصورة أكمل للحدث، و لا نقول أن دراسة الإسناد هنا لا يعمل بها ، بل هي ثانوية و تضاف كقرينة إلى بقية القرائن ، و يعمل ببقية الأدوات من علوم الدراية.

هذه صورة مجملة و مختصرة تحكي  سبب  الإختلاف في الروايات ، لكنني في هذه المقالة أود مناقشة بعض النقاط التي يجب أخذها بالإعتبار من قبل القارئ العامي المثقف – غير المتخصص –  قبل الحكم على أية رواية ، أو المسارعة في ترديد ما يطرح في الإعلام و مواقع التواصل الإجتماع ، و هي دعوة للبحث و التأني أكثر قبل الجزم بأي شيء ، فإنه – و للأسف – المتحدثون كثر ، و من يتبعهم من دون دراية و معرفة أكثر.

و في سياق ذلك ،  كان للأستاذ فيصل بوكنان محاضرة و مناظرة ، حول التحقيق في تراث كربلاء ، كان  لها صداها لدى المهتمين و المثقفين ، و قد تم الرد على كثير من النقاط التي طرحها في مقالة سابقة كتبناها، مع عدم وضوح المنهج المتبع من قبله ، غير أنه كما يبدو يدعو إلى حصر أخذ التاريخ من مصادر الإمامية الراوية عن الأئمة عليهم السلام و إعتماد المعتبر سندا منه ، و هذا كلام عام.

فدعوته للتعامل مع الروايات التاريخية ، كحالها من الرواية الفقهية ، لا يوضح حقيقة المنهج المتبع عنده ، فدراسة الروايات و إستنباط الأحكام الشرعية منها أيضا مناهج و إجتهادات ، فهناك من يحصر العمل بخبر الثقة و يرى حجية خبر الواحد ، و هناك من يعتمد على خبر الثقة، لكن يعمل أيضا بالقرائن المحفوفة بالخبر بالرغم من الضعف السندي ، و هناك من لا يرى حجية للخبر الواحد لأنه لا يفيد إلا الظن و يعمل بالخبر المحفوف بالقرائن و يرفع الخبر لدرجة الإطمئنان ، و من ثم يشترط صحة المتن ، و هناك من يشترط صحة السند و المتن ، و تتعدد المناهج بتعدد الإجتهادات.

و سنحاول التعرض لبعض ما طرحه الأستاذ فيصل مرورا بذكر بعض النقاط و التساؤلات حولها ، و محاولة تغطية بعض المساحات التي لم يسمح لنا المجال بتغطيتها  بالمقالة السابقة، حيث كانت متعرضة بشكل خاص لسيرة العلماء في التعامل مع الروايات التاريخية و نقل كلماتهم و الإستشهاد بها في المقام ، و قد ذكرنا كلامهم حول العمل بالأخبار الضعيفة و جواز الأخذ بها في القضايا التاريخية لا سيما ما نقلناه عن المقدس النوري الطبرسي رضوان الله عليه.

 

لكن لنا مقدمة يجب على القارئ أن يكون ملما بها سنطرحها عليه مع بعض التفصيل.

 

مما يجب أخذه بالإعتبار:

الأمور التي يجب أخذها بالإعتبار قبل الحكم و الجزم في أي خبر تاريخي:

  • المشكلة في الأحداث التاريخية – لا سيما التي تتعلق بحياة أهل البيت عليهم السلام – أنها حدثت قبل ما يقرب 1400 سنة ، ما يعني أن الوسائط بيننا و بين أصل الحدث كثيرة ، و لعدم عصمة هذه الوسائط فالتباين و الإختلاف بين خبر و آخر وارد جدا ، حيث تختلف الألفاظ و يكون فيها سقطا و إضافة ، بل و ربما ليس من الرواة ، بل من نساخ الكتب كذلك. لهذا يحصل الكثير من الإختلاف بين نسخ متعددة للكتاب الواحد حول نفس الرواية.

 

  • أن الحادثة التاريخية الواحدة ، لها أكثر من راو ممن شهد الحدث حضورا ، و كل يروي الخبر من وجهة نظره و زاويته ، بحيث يبدو ظاهرا ، أن خبر زيد يخالف خبر عمرو ، بالرغم من حضور الإثنين للحادثة ، و بهذا تتداخل الشخصيات و الأحداث في الزمن و الفترة الواحدة.

 

  • أن حادثة تاريخية كبرى – كوقعة الطف او بعثة النبي صلى الله عليه و آله – حيث شكلت منعطفا تاريخيا ، بما فيها من أحاسيس الخوف و الرجاء و العاطفة و الحزن و الفرح و غيرها ، لا يتم إستيعابه في روايات كثيرة ، مهما بلغ عدد رواياته ، فإنه و إن تم ذكر ما شوهد حسيا ، إلا أن تلك العناوين المعنوية لا يمكن إستيعابها ، و ذلك أيضا يشمل أن الروايات قد لا تخبرنا بكل ما حدث و من هم المشاركون و المؤثرون في الحدث.

 

  • أن كثيرا من المصادر الإسلامية التي ذكرت الخبر قد فقدت و اندثرت ، و كثيرا منها قد تلف ، ما يعني أن المصادر الأصلية الذاكرة للخبر غير موجودة ، و المصادر الثانوية التي نقلت عنها هي فقط الموجودة بين أيدينا ، و تزداد المشكلة حينما تكون المصادر الثانوية متأخرة عن الحادثة بقرون.

 

  • أن الكثير ممن يجزم بأمر من القضايا التاريخية – سلبا أو إيجابا – إنما بنى في جزمه على إستقراء و قراءة ناقصة للمصادر و النصوص الموجودة ، فالحادثة قد تكون مروية في عشرة مصادر ، لكن الإستقراء الناقص كان في سبع أو ثمان فقط.

 

  • أن الروايات في الحادثة الواحدة تختلف ، فبينما هدف راو هو ذكر الخبر بشكل عام ، بينما رواية أخرى ذكرت التفاصيل ، فيتصور أن تلك التفاصيل لم تحدث ، خصوصا إذا كان الخبر العام له إنتشار أكثر في المصادر.

 

  • أن الفاعل و المؤثر في الحدث أكثر من شخص ، فمثلا ، يأتيك خبر يقول أن زيدا أكل في المطعم الفلاني ، و خبر آخر يقول أن عمروا هو من أكل في نفس المكان ، فهل يكون هذان الخبرين متعارضين ، و المخبرون متعددون ؟ أو أن الأخبار قد تنسب أن زيدا هو من ضرب عمروا ، بينما روايات أخرى تذكر أنه شخص غير زيد ، فتكون الروايات – بعد التحليل – بمعنى أن زيدا ضرب عمروا بمعونة من شخص آخر.

 

  • أن إختلاف ألفاظ الرواية ، قد يكون ناشئا عن الخلفية الفكرية أو العقائدية أو العشائرية أو غيرها ، فتكون ألفاظ الرواية بما يتناسب و الخلفية الفكرية للراوي أو الناقل أو المؤلف ، بالرغم من أن أصل الخبر صحيح ، لكن الكثير من تفاصيله قد يشوبها التحريف ، خصوصا تلك الرواية المتأثرة بالفكر الأموي أو العباسي ، فتروى الرواية بحيث لا يكون أصحاب السلطة في موضع إتهام أو يكونوا في مورد مدح ، أو أن في الرواية ما يعيب و يحط من قدر خصومهم.

 

  • أن كثيرا من الناس في الوقت الحاضر قد لا تتقبل مضامين بعض الروايات ، بسبب إختلاف اللغة و البيئة و العادات التي كان يعيشها الناس قبل 1400 سنة ، خصوصا أن كثيرا من الألفاظ في الروايات قد تفهم بفهم ألفاظ الزمن الحاضر ، بالرغم من أن الرواية قد تفهم بمعنى آخر بحسب فهم الراوي و معنى اللفظ بذاك الزمان قبل 1400 سنة. و لنقرب الفكرة حول هذه النقطة ، أن معنى كلمة “النبيذ” في الزمن الحاضر هو المشروب من عصير العنب المسكر المحكوم فقهيا بحرمته و نجاسته ، إلا أنه في اللغة قد يكون أعم من ذلك ، حيث أنه قد يقصد في بعض الأحيان ما ينبذ بالماء ، كما في الروايات حيث ينبذ الزبيب أو التمر في الماء ليعطيه نكهة ، فيسمى نبيذا كذلك.

 

و لهذا ، فمهمة المحقق أو الباحث ليست سهلة و يسيرة كما يظن و يفعل اليوم الكثير من كتاب و مراهقي مواقع الإتصال الإجتماعي ، لأنه مع كل الصعوبات التي تعترض الباحث في عمله ، فإن الجهد العلمي و التحقيقي يتطلب الكثير من التتبع و الأمانة حتى يخرج المحقق و الباحث بما يتوصل له. و ما طرحناه من صعوبات قد تكون أكثر من وجهة نظر المتخصصين في هذا المجال.

فقد يسأل سائل: مع كل هذه الأمور التي قد تعترض الباحث أو القارئ في الأحداث التاريخية ، كيف يمكن معالجتها ؟ و كيف يمكن التوصل لصورة أشمل و أوسع حول الحدث التاريخي ، و إن لم تكن صورة نهائية ؟

 

 

 

نقول:

أن ثمة أدوات علمية يجب أن تتوافر في الباحث لتعينه في البحث ، و هذه الأدوات تتطلب دراسة  و معرفة مستوفية ، بالإضافة إلى الخبرة العملية في إعمالها ، و منها :

  • الدراسة المستوفية للعقيدة و الفقه و القرآن و تفسيره
  • الإلمام التام بعلوم الحديث – رواية و دارية – لا خصوص علم الرجال فقط ، بل يشمل تتبع نسخ الكتب و إن لم تكن مطبوعة ، و القدرة على ضبط المتن و ما يتعلق بها.
  • القدرة على تعيين النسخ المعتمدة من الكتب إن لم تكن مصدرا مطبوعا.
  • الإلمام بعلم الرجال ، لا من جهة التوثيق و التضعيف فقط ، بل الخلفيات الفكرية و العقائدية للرواة و الطبقات، و إن كان في المذهب الواحد ، فالمدارس الفكرية في أتباع مذهب الإمامية ليست على نسق واحد مثلا.
  • القدرة على جمع القرائن و تحليلها تحليلا شافيا و مجردا من العاطفة.
  • الإلمام بعلوم اللغة و البلاغة و الصرف و النحو بشكل يمكنه من تحديد معاني الألفاظ المستخدمة بذاك الزمن.
  • أن تكون المصادر المتعلقة في الموضوع المبحوث عنه بين يديه ، و لا ينحصر ذلك بكتب التاريخ ، بل كتب اللغة و الأدب و المعاجم و التفاسير و الجغرافيا و غيرها.

و لأجل أن تتضح الصورة أكثر ، سنقوم بعرض كلمات بعض الأعلام ممن له باع في البحث التاريخي ، حول ما يتعرضون إليه في بحثهم و تحقيقهم التاريخي ، لنبين للقارئ أن تحقيق أية قضية تاريخية ليس بالأمر السهل.

السيد جعفر مرتضى العاملي و أبناء الحسن عليه السلام في  كربلاء:

تعرض السيد المحقق حفظه الله إلى  قضية مقتل أبناء الحسن عليه السلام في كربلاء في كتابه سيرة الحسين عليه السلام في الحديث و التاريخ (الجزء 18 ص 13) ، و تطرق فيها لمختلف المصادر و الروايات و المنقولة ، و  أن فيها كثرة الإختلاف و التصحيف في المصدر ، فنراه يقول:

ذكرنا فيما سبق ما يظهر حجم التصحيف في الأسماء و التحريف في الكلمات ، و أحيانا قد يحصل الوهم في  نسبة الأحداث إلى صانعيها ، أو المؤثرين الحقيقيين فيها ، و تحصل أيضا بعض الإختصارات أحيانا ، و غير ذلك.

و لكن ذلك لا يضر في المسار العام للأحداث ، و لا يخدش في درجة الوثوق بأصل الحدث ، و لا سيما قيما  كثر التعرض  له من قبل العلماء و المؤلفين  على إختلاف مشاربهم و اهوائهم ، و مذاهبهم ، و إعتقاداتهم.

خصوصا ، و أن هذه الإختلافات إنما  تكون في الأكثر في النصوص التي ذكرت في  كتب لم تحظى  من العلماء بالإهتمام الكافي لصيانة  نصوصها ، و مراقبة ما تتعرض له من آفات ، و غير ذلك. (انتهى النقل)

 

الشيخ العلامة محمد  رضا المظفر في كتابه (السقيفة) :

للشيخ المظفر رضوان الله عليه كتاب في تحقيق أحداث السقيفة التاريخية ، تعرض  فيه للصعوبات التي تعتري المؤرخ ، و هي على ضربين ، أولها الخلفية العقائدية و الفكرية للمحقق التاريخي ، و الآخر هو إضطراب التاريخ في مرويات الوقائع التاريخية ، يقول الشيخ حول الصعوبة المكتنفة للمحقق التاريخي في مقدمته :

من أشق الفروض على المؤرخ أن ينفض عن ردائه غبار التعصب لنزعاته الشخصية من دينية أو قومية أو وطنية و نحوها ، بل لعله من  شبه المستحيل أن ينزع من قلمه لحاء عقائده و أهوائه. فإن النفس تلهم عقل صاحبها التصديق بميولها و عواطفها ، و كثيرا  ما  تقف سدا منيعا بين بصيص عقله و الحقيقة.

أما في ما يخص إضطراب التاريخ فيقول:

و هناك بلاء مني به التاريخ الإسلامي خاصة ، أحاطه بالغموض و الشك عند الباحثين المنصفين ، ذلك كثرة ما لفقه الوضاعون و الدساسون في القرون الأولى من الهجرة ، لا سيما القرن الأول فأشاحوا بوجه الحقائق و قلبوها رأسا لعقب.

و ليس أدل على ذلك من التناقض و الإضطراب الموجود في أكثر أحاديث الوقائع التاريخية ، فضلا عن الأحكام الشرعية ، ما عدا الإختلاف في خصوصيات الحوادث و الأحكام مما يذهب بالإطمئنان إلى  كل حديث. و لا أظن ناظرا في التاريخ لا يصطدم بهذه الحقيقة المرة ، و لا يمكن له أن يحمل كل ذلك على الغلط في النقل و الغفلة في الرواية. (إنتهى النقل)

 

الشيخ محمد رضا الطبسي و أصحاب للحسين عليه السلام غير المذكورين :

 

يقول العلامة المحقق الشيخ محمد رضا الطبسي رحمه الله في كتابه مقتل الإمام الحسين عليه السلام ص 388 :

 

استشهد جماعة أخرى لم يذكرهم أرباب المقاتل – ذكر في الناسخ (اي ناسخ التواريخ)- بتصريح من الإمام – صلوات الله عليه – على ما في زيارة الناخية الشريفة ، جمعهم في ناسخ التواريخ ، و نحن نوافقه و نذكرهم ، إحياء لذكرها ، و أداء لبعض حقوقهم…. انتهى النقل

 

ثم ذكر رحمه الله أكثر من عشرين اسما من أصحاب الإمام حسين عليه السلام ، لم يذكرهم أرباب المقاتل – كما قال – و لو صح هذا ، و هو وارد جدا ، فيدل أن الرواة الذين ذكروا أحداث وقعة الطف و من قتل مع الحسين  عليه السلام لم يستوعبوا كامل الحدث ، و منه المؤثرين فيه كما في ما يخص أصحاب الإمام الحسين عليه السلام ، و المسألة و إن لم تصل لمستوى الجزم ، لكن يبقى الإحتمال واردا و لا يصح رده بلا دليل.

 

 

الخبر التاريخي عن المخالف :

مما أشكله الأستاذ فيصل هو إعتماد أخبار المخالفين في الرواية التاريخية ، خصوصا روايات أبي مخنف حول مقتل الإمام الحسين عليه السلام و الأحداث التي  جرت قبل و بعد مقتله ، و قد ذكر أسبابا لذلك مني بها تراث المخالفين ، و كذلك استشهد الأستاذ بما روي عن أئمة أهل البيت عليهم السلام من النهي عن العمل بأخبار المخالفين.

و قد رددنا على هذه المسألة بشيء من التفصيل في مقالتنا السابقة ، مع ذكر بعض الشواهد لها ، و سنرد على هذه المسألة بشيء من الزيادة مع ذكر نقاط أخرى.

أولا : مشكلة التراث الضائع:

المشكلة أن التراث الإسلامي ، لا سيما تراث شيعة أهل البيت عليهم السلام ، قد مني بالكثير من النكبات و الإنتكاسات على مر العصور لأسباب سياسية و طائفية ، مما تسبب بضياع و فقدان الكثير من الكتب و الأصول التي ألفها الكثير من أصحاب الأئمة عليهم السلام و العلماء المتقدمين في كثير من المجالات العقائدية و الفقهية و التفسيرية و غيرها ، و كثير منها نسمع عنه في مطاوي الكتب التي وصلتنا.

فبهذه الحالة ، فإن تراثا يقارب عمره الثلاثمائة سنة لا يمكن أن يصلنا كله إلينا ، فهذه مصنفات ابن أبي عمير رضوان الله عليه – و هو من أصحاب الأئمة عليهم السلام – قد تلفت أيام سجنه ، حيث اخفيت كتبه ، فقيل تلفت بسبب المطر ، و قيل دفنت في الأرض فتلفت. و هذه دار الشيخ أبو جعفر الطوسي رضوان الله عليه ببغداد ، و مكتبته التي تحوي النفائس قد احترقت و ضاع منه الكثير من التراث بسبب الفتنة الطائفية ببغداد آنذاك و أجبرت الشيخ رضوان الله عليه على الخروج منها و النزول بالنجف الأشرف. في الزمن المعاصر ، تم إحراق دار السيد عبد الحسين شرف الدين قدس سره بما فيه من مكتب و مؤلفات و نفائس و مخطوطات من قبل الإستعمار الفرنسي آنذاك. و من أراد الإستزادة حول حال التراث الإسلامي يمكنه قراءة ما ذكره العلامة عبد الزهراء الحسيني الخطيب رحمه الله في مقدمة كتابه القيم (مصادر نهج البلاغة) فالحديث ذو شجون.

هذا غير عوامل الزمن ، و الجهل و عدم الإعتناء بالتراث الذي تسبب بفقدان و تلف الكثير منه.

و لأجل ذلك ، إعتمد علماؤنا المتقدمون و المتأخرون على خبر المخالف في القضايا التاريخية التي لا تستلزم حكما فقها أو أثرا شرعيا ، بشرط إعمال التحقيق و التدقيق و عدم مخالفته لما روي عن أهل البيت عليهم السلام ، لا أخذ الخبر عبطا دون تحقيق و تدقيق.

ثانيا : الأصل في أخذ خبر المخالف:

و كان جواز أخذهم بخبر المخالف  هو مفاد الآية القرآنية (يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) حيث يفهم من الآية الأمر بعدم رد الخبر و إن كان من غير الثقة (و الوثاقة أعم من العدالة) ، بل و من الفاسق – و هو يقابل العادل من الإمامية – حتى يتم التبين من حقيقة الخبر ، لهذا يقول الشيخ السبحاني دام ظله في كتابه (كليات في علم الرجال ص 156) أن هناك من أخذ بخبر غير الثقة ، حيث يقول:

 

ولا ملازمة بين وثاقة الراوي وكون الخبر موثوقاً بالصدور ، بل ربما يكون الراوي ثقة ، ولكن القرائن والأمارات تشهد على عدم صدور الخبر من الإمام عليه‌السلام ، وأن الثقة قد التبس عليه الأمر ، وهذا خلاف ما لو قلنا بأنّ المناط هو كون الخبر موثوق الصدور ، إذ عندئذ تكون وثاقة الراوي من إحدى الأمارات على كون الخبر موثوق الصدور ولا تنحصر الحجية بخبر الثقة ، بل لو لم يحرز وثاقة الراوي ودلّت القرائن على صدق الخبر وصحته يجوز الأخذ به.

وهذا القول غير بعيد بالنظر إلى سيرة العقلاء فقد جرت سيرتهم على الأخذ بالخبر الموثوق الصدور ، وإن لم تحرز وثاقة المخبر لأنّ وثاقة المخبر طريق إلى إحراز صدق الخبر ، وعلى ذلك فيجوز الأخذ بمطلق الموثوق بصدوره إذا شهدت القرائن عليه.

ويوضح هذا مفاد آية النَّبأ وهو لزوم التثبّت والتوقّف حتى يتبين الحال ، فاذا تبينت وانكشف الواقع انكشافاً عقلائياً بحيث يركن اليه العقلاء يجوز الركون اليه والاعتماد عليه. فلاحظ قوله سبحانه : ( يا أيّها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبيَّنوا ) فإنّ ظاهره أن المناط هو تبيّن الحال وإن كان الرّاوي غير ثقة. (انتهى النقل)

لهذا ، ذكرنا في مقالنا السابق سيرة العلماء بأخذهم بالأخبار التاريخية عن الرواة و مصادر المخالفين فضلا عن إستنباط الأحكام الفقهية. و بما أن الراوي غير معلوم عنه الكذب ، جاز الأخذ عنه في الروايات التاريخية التي لا تستلزم أثرا شرعيا و غير  مخالفة لما ورد عن أهل البيت عليهم السلام.

مقتل القاسم عليه السلام بين رواية الإمام الصادق عليه السلام و رواية حميد بن مسلم:

من القضايا التي ركز عليها الأستاذ فيصل بو كنان لبيان وجود المخالفة و التناقض بين ما روي عن أهل  البيت عليهم السلام و ما رواه حميد بن مسلم هي مقتل القاسم بن الحسن عليه السلام ، و لنا أن نعرض للقراء الكرام الروايتين ليكونوا في الصورة ، و ليتمكنوا من التأمل في ما نذكره لهم من إحتمالات واردة بين رواية الصادق عليه السلام ، و بين رواية حميد بن مسلم.

أولا: رواية الإمام الصادق عليه السلام

أورد الشيخ الصدوق رضوان الله عليه في مجلسه الثلاثون في أماليه ، رواية طويلة حول مقتل الإمام الحسين عليه السلام ، و ذكر فيها ما جرى على الحسين عليه السلام من أسباب خروجه من المدينة إلى يوم مقتله ، و ذكر مقتل أصحابه و أهل بيته عليهم السلام ، فحين جاء ذكر القاسم عليه السلام جاء في الرواية:

و برز من بعده – أي علي ابن الحسين عليه السلام – القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) وهو يقول : لا تجزعي نفسي فكل فان * * اليوم تلقين ذرى الجنان فقتل منهم ثلاثة ، ثم رمي عن فرسه (رضوان الله عليه وصلواته).

رواية حميد بن مسلم المشهورة :

أما رواية حميد بن مسلم ، فننقلها عن كتاب مقتل الحسين لأبي مخنف أو (وقعة الطف) ، التي جمع فيها الشيخ اليوسفي الغروي حفظه الله كل ما روي في مقتل الحسين عليه السلام عن أبي مخنف لوط بن يحيى من  مختلف المصادر التاريخية ، حيث جاء فيها  تحت عنوان القاسم بن الحسن عليه السلام:

قال حميد بن مسلم: خرج إلينا غلام كأنّ وجهه شقه قمر، في يده السّيف عليه قميص و إزار و نعلان، قد انقطع شِسع أحدهما – ما أنسى أنّها اليسرى -.

فقال لي عمرو بن سعد بن نفيل الأزدي : والله، لأشدنّ عليه.

فقلت له: سبحان الله! وما تريد إلى ذلك، يكفيك هؤلاء الذين تراهم قد احتووه. فقال: والله، لأشدّن عليه.

فشدّ عليه فما ولّى حتّى ضرب رأسه بالسّيف، فوقع الغلام لوجهه، فقال: يا عمّاه!

فجلّى الحسين عليه ‌السلام كما يجلّى الصّقر، ثمّ شدّ شدّة ليث أغضب فضرب عمرواً بالسّيف فاتّقاه بالسّاعد، فأطنّها من لدن المرفق، وجالت الخيل فوطئته حتّى مات.

و انجلت الغبرة، فإذا بالحسين عليه‌ السلام قائم على رأس الغلام و الغلام يفحص برجليه، و حسين عليه ‌السلام يقول: (( بُعداً لقوم قتلوك، و من خصمهم يوم القيامة فيك جدّك. عزّ والله، على عمّك أنْ تدعوه فلا يُجيبك، أو يُجيبك ثمّ لا ينفعك، صوت و الله، كثُر واتره و قلّ ناصره))

ثمّ احتمله ، فكأنّي أنظر إلى رجلي الغلام يخطّان في الأرض، وقد وضع الحسين عليه ‌السلام صدره على صدره، فجاء به حتّى ألقاه مع ابنه علي بن الحسين عليه ‌السلام ، و حوله قتلى من أهل بيته.

فسألت عن الغلام فقِيل: هو القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليه ‌السلام.

ملاحظات و إحتمالات بين الروايتين:

إن القارئ للروايتين ، قد يرى ظاهرا ، الإختلاف بين ألفاظ الرواية و بين أحداثها ، و إختلافا بين ما قاله القاسم عليه السلام في إرتجازه و بين ما هو مشهور من على المنابر ، و بين عدد القتلى و إختلافات عدة ، فيبدو  للوهلة الأولى التناقض و التباين بين الروايتين ، بحيث لا يمكن القبول إلا بواحدة منها ، لكننا نجيب ها هنا بإحتمالات واردة قد تحل ما يشكل به بين هاتين الروايتين و نذكر شواهدا كذلك ، لكننا لن نرجح أيا من الإحتمالات ، و سنترك التأمل فيها للقارئ ، و  التحقيق فيها لأهل التحقيق و الدراية و الإختصاص.

لكن يجب على القارئ ان يعمل حسه التحليلي و الأخذ  جميع الإحتمالات الواردة ، و التي إذا جاز حصولها ، لا يصح عندها رد الخبر إلا بدليل قوي و قاطع:

الإحتمال الأول: يبدو أن رواية الصدوق في مقتل الحسين عليه السلام ، لم ترو إلا بهذا الطريق الوحيد ، و بحسب بعض الموازين الفقهية ، فهذه الرواية تعتبر من روايات الآحاد ، و كما ذكرنا آنفا ، أن خبر الآحاد و بحسب بعض الموازين الفقهية ليس بحجة ، لا أنه لا يفيد إلا الظن ، و بالرغم من أننا لن نرد الرواية لأنها آحاد – كما هو منهج بعض أعلام المذهب – فإننا نقول أن هذه الرواية لم ترو إلا عن راو واحد ، فهل هناك من سبب يدعو أن لا يكون حصل الإشتباه من قبل الراوي؟ فلعل الراوي قصد غير القاسم عليه السلام من أبناء الحسن عليه السلام ، و لا ننس ما ذكرناه عن المحقق جعفر مرتضى العاملي حفظه الله حول حصول الكثير من التحريف و التصحيف حول ما جرى على أبناء الحسن عليه السلام.

فإنه و بسبب عدم عصمة الرواة ، و إحتمال طروء  السهو و الإشتباه و النسيان عليهم السلام ، لم يعمل بعض أعلامنا برواية الآحاد ، و لم يعتبروها حجة ، و إن وردت بإسناد صحيح كالذهب ، إلا إن كان له شاهد أو قرينة تدل على صحته.

الإحتمال الثاني: نلاحظ في أن رواية حميد بن مسلم فيها شيء من التفصيل ، غير مذكور في رواية الإمام الصادق عليه السلام ، فلعل الرواية الأولى كانت بصدد تعداد من قتل مع الحسين عليه السلام بشكل مختصر ، و ذكر ما جرى عليهم في قتالهم بشكل مختصر ، فرواية الصادق عليه  السلام عامة و مختصرة ، و رواية حميد بن مسلم فيها شيء من التفصيل.

الإحتمال الثالث: قد يقال أن ذلك غير وارد ، خصوصا و أن الأبيات المذكورة في إرتجاز القاسم عليه السلام مختلفة جدا عن ما هو مشهور و يتلى على المنابر (إن تنكروني فأنا نجل الحسن …الأبيات) و عدد القتلى مختلف  كذلك. يرد عليه : ما الذي يمنع من أن يكون للقاسم عليه السلام أكثر من إرتجاز و أنشد أكثر من بيت شعر ، كما هو مروي عن عمه العباس عليه السلام ، و لكن السهو و السقط و عدم الإحصاء كان من الرواة ؟ و حتى عدد القتلى – و إن لم يكن بتلك الأهمية –  فلعل ما يروى من قتله لخمس و ثلاثون رجلا كان مجموع ما قتله القاسم عليه السلام ، أم رواية قتله لثلاث فكانت قد سقوطه و مقتله عليه السلام ، و  العكس قد يصح إحتماله كذلك في رواية حميد بن مسلم.

الإحتمال الرابع: لا يمكن الجزم بحصول المخالفة بين الروايتين ، فلعل ما رواه حميد بن مسلم هو ما شهده فقط ، أما ما ورد عن الإمام الصادق عليه السلام فكانت صورة أخرى أيضا حصلت ، لم يشهدها حميد بن مسلم ، و هذا أشبه بما ذكرناه حول وجود أكثر من مخبر للحادثة بعينها ، لكن كل روى و يخبر بما شهده ، و لا يمكن القول بتناقض الخبرين حينها ، و بناء عليه ، و بحسب الموازين الفقهين ، فإنه يجب الجمع بين الخبرين مهما أمكن ، و عدم ردهما لوجود الإحتمالات التي ذكرناها.

الإحتمال الخامس: أن جزءا من ما ذكره حميد بن مسلم في روايته ، أكدته روايات أهل البيت عليهم السلام ، منها أن قاتله عمرو بن سعيد بن نفيل لعنه الله ، ذكر ذلك الفضيل بن الزبير ، و هو من أصحاب الصادق عليه السلام و الرواة عنه ، في كتابه (ذكر من قتل مع الحسين عليه السلام) و ورد ذكر ذلك في زيارة الناحية المقدسة المشهورة بزيارة الشهداء التي ذكرها المشهدي رحمه الله في كتاب (المزار) ، و قد ذكر أيضا في نفس الزيارة نفس المقطع الذي ذكره حميد بن مسلم حول ما جرى بعد سقوط القاسم عليه السلام ، حيث ورد في الزيارة:

السلام على القاسم بن الحسن بن علي ، المضروب هامته ، المسلوب لامته ، حين نادى الحسين عمه فجلى  عليه عمه كالصقر ، و هو يفحص برجله التراب ، و الحسين يقول : بعدا لقوم قتلوك و من خصمهم يوم القيامة جدك و أبوك ، ثم قال : عز والله على عمك أن تدعوه فلا يجيبك ، أو يجيبك و أنت قتيل جديل فلا ينفعك ، هذا و الله يوم كثر واتره  و قل ناصره ، جعلني الله معكما يوم جمعكما ، و بوأني مبوأكما ، ولعن الله قاتلك عمر بن سعد بن نفيل الأزدي ، و أصلاه جحيما ، و أعد له عذابا أليما.

فراجع رواية حميد بن مسلم حين ذكر إستغاثة الحسين عليه السلام لابن أخيه القاسم عليه السلام و لاحظ الشبه في ما ذكر في الزيارة مع تفاوت بسيط في الألفاظ.

فإن صدق حميد بن مسلم في ذكر قاتل القاسم عليه السلام و إستغاثة عمه الحسين عليه السلام له ، أليس الإحتمال واردا في صدقه كذلك في بقية الرواية؟

خصوصا أن روايتي الصدوق رضوان الله عليه و حميد بن مسلم ،ذكراها سوية الشيخ عباس القمي في كتابه نفس المهموم في مقتل القاسم عليه  السلام ، و السيد محسن الأمين في كتابه لواعج الأشجان في مقتل القاسم كذلك ، و كذلك الشيخ حسين العصفور رضوان الله عليه في كتابه الفوادح الحسينية ، و ذكره الريشهري في كتابه الصحيح من مقتل الحسين عليه السلام ، و المحقق الشيخ محمد باقر المحمودي رحمه الله في كتابه عبرات المصطفين بهامشه و لعل هناك كتب أخرى ذكرت الروايتين جميعا ، من دون بيان أو إشارة لوجود التناقض و التنافر ، و ما ذلك إلا لإحتمال إمكان الجمع بين الروايتين ، و من ذكر الروايتين منهم كبار المحققين و منهم المهتمون بتنقيح و تحقيق التراث ، فلا يمكن إغفال ذكرهم للروايتين دون تعليق.

فلذلك إنه من المهم و الضروري ، أن لا يتم التسرع في النفي و الإنكار و الجزم به ، إلا بعد إفراغ الوسع في التأكد من عدم إمكان الجمع و حصول المعارضة ، لكن مع وجود الإحتمالات و كثرتها ، فلا يمكن القول بوجود التناقض و التنافر ، و لعل هذه المسألة من أهم المسائل التي يجب أن يراعيها الباحث و المحقق التاريخي ، حرصا و أمانة لتكوين الصورة الأشمل للأحداث و عدم إغفال أي دليل في المقام ، ففي البحث التاريخي ، كل دليل هو محتمل الوقوع مهما بلغ من الضعف ، إلا إذا لم يكن فيه ما يمكن الجزم فيه فعلا بالمعارضة أو الإعراض عنه ، و ذلك له محله في تلك المباحث الدقيقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *