الرئيسية / مقالات / هما زمانان.. رؤية في حديث “والعَالِمُ بِزَمَانِهِ لا تهجمُ عليه اللوابس”

هما زمانان.. رؤية في حديث “والعَالِمُ بِزَمَانِهِ لا تهجمُ عليه اللوابس”

  • مقدِّمة تأصيلية عامَّة:

قد تصعب هذه المقدمة على البعض، وقد تكون مصطلحاتها وتعابيرها وتراكيبها الصياغية مُسْتَوحَشَة، إلَّا أنَّني أرجو من القارئ العزيز الصبر عليها، ومحاولة استيعابها ولو في الجملة؛ ففيها مطلبٌ يحلُّ الكثير من القضايا المعرفية، ويُوقِفُ على أهم مفاتيح الفهم الهادئ القويم.

يتَّسم الوجود المخلوق لله تعالى بدِقَّة الاتصال العلمي الوجودي بين مفرداته، وهذه حقيقة برهانية لا يمكن تصور عدمها، وإلَّا لفسد الوجود من رأس؛ إذ أنَّ نفي الاتصال بين فردٍ وجوديٍ وآخر يعني البين العدمي، وثبوتُ البينِ العدمي ثبوتُ العدمِ المُطْلَقِ ضرورةً، وهذا باطِلٌ بالضرورة.

بيان:

لو أبْصَرَ إنسانٌ طاولتين، فإنَّ تَميِزَهُ لإحداهما عن الأخرى برهانٌ على وجودٍ حقيقي بينهما؛ حيثُ إنَّ حدَّ الطاولة مُحَالٌ ما لم يكن عنده حدٌّ لِمَوجُودٍ آخر، فالحدُّ هو في الواقع عبارةٌ عن وجُودَين يَحدُّ كلُ واحدٍ منهما الآخر.

تجري هذه الحقيقة وجودًا في كلِّ موجودٍ مُتَمَيز، سواء كان ممَّا يشغل حيِّزًا من الفراغ كسائِر الأجسام مهما دَقَّتْ، أو من العناوين المعنوية.

عندما يَتَمَيَّزُ جِسمٌ يشغل حيِّزًا من الفراغ، فهذا بالنسبة لقوَّة الفهم لا يُدرك إلَّا من بعدِ توالي مجموعةٌ من المُدركات، مثل الذَرَّة والتَرَكُّب والتكاثف والصلابة وإمكان التشكُّل.. والكثير ممَّا يُدرك ولو في الجملة وبشكل لا يُتَنبَّه له، إلَّا أنَّ وجوده الواقعي في المدركات الماورائية في الذهن ضرورة لا يُمكِن نفيها، وإلَّا لما صدَّق الإنسانُ بشيءٍ، ولبقي في حدود العلم التصوري لا يتجاوزه إلَّا بتلقين صِرف. بل ولن ينفع التلقين؛ فالذهن لا يفهم عن عدم، وإلَّا لما فَهِمَ، ولما جاء الدور للحديث عن الفهم أصلًا؛ لتحوله حينها حجرًا! ولذلك قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديثه عن عمل الأنبياء والرسل (عليهم السلام): “ويثيروا لهم (أي: للناس) دفائن العقول”[1].

ترجع النتائج العلمية لهذه العملية الدقيقة والمعقدة في صفحاتِ ذِهنِ الإنسانِ إلى أصلِ القِياس، فإنْ كان صحيحًا وعلى وفق القواعد الصحيحة، كانت النتائج صحيحة، وإنْ كان مُخْتَلًّا أو ما شابه، فالنتيجة تتبعه، وهذا القياس وما يُنتج محالٌ لو لا الاتِّصال الربطي الواقعي المتجانس بين مطلق أفراد الوجود المخلوق لله تعالى، فكلامنا في الوجود الممكن ولا نتعداه بحال.

بناءً على ما مرَّ، فإنَّ من أهمِّ سِمات العقل الراجح القدرة على التحليل، ونفس هذا التحليل كاشفٌ واقعيٌ عن ما قرَّرناه من وقوع التواصل الربطي المتجانس؛ إذ به نُفكِّكُ ما يبدو واحِدًا لنرجع روابطه إلى وجودها الأوَّلي ما استطعنا، وكلَّما كان الإرجاع أبعد وأدق، كان التحليل أجود.

إن لم أكُن قد وُفِّقتُ لبيان جيِّد، فإنِّي آمل أن يتكفَّل بذلك التطبيقُ الموضوعي في المقال.

يُقالُ دَائمًا: على العاقل أن لا يترك متابعة الأخبار والأحداث المحلية والإقليمية والدولية والعالمية؛ فإنَّ (العالِمَ بِزَمَانِهِ لا تهجمُ عليه اللوابس)، وهي كلمة للإمام الصادق (عليه السلام) في حديث جاد به على المفضل بن عمر، هذا نصُّه:

“يا مُفَضَّل، لا يفلح من لا يعقل، ولا يعقل من لا يعلم، وسوف يَنْجُبُ من يفهم، ويظفر من يحلم. والعلم جُنَّةٌ، والصدق عِزٌّ، والجهل ذلٌّ، والفهم مجدٌ، والجُودُ نُجْحٌ، وحُسنُ الخُلُقِ مَجْلَبَةٌ للمَوَدَّة، والعَالِمُ بِزَمَانِهِ لا تهجمُ عليه اللوابس، والحَزْمُ مَسَاءةُ الظَنِّ، وبين المرْءِ والحِكمَةِ نِعْمَةُ العَالِم، والجاهِل شَقِيٌّ بينهما، واللهُ وليُّ من عَرَفَهُ وَعَدُو مَنْ تَكَلَّفَهُ. والعَاقِلُ غَفُورٌ والجَاهِلُ خَتُورٌ. وإنْ شِئتَ أنْ تُكْرَمَ فَلِنْ، وإنْ شِئْتَ أنْ تُهَانَ فاخشِنْ. وَمَنْ كَرُمَ أصْلُهُ لانَ قَلْبُهُ، ومَنْ خَشِنَ عُنْصُرُهُ غَلُظَ كَبِدُهُ. وَمَنْ فَرَّطَ تَوَرَّطَ. ومَنْ خَافَ العَاقِبَةَ تَثَبَّتَ عَنِ التَوَغُّلِ فِيَما لا يَعْلَم، ومَنْ هَجَمَ عَلى أمْرٍ بِغَيرِ عِلْمٍ جَذَعَ أنْفَ نَفْسِهِ. ومَنْ لم يَعْلَم لم يَفْهَم، ومَنْ لم يَفْهَم لم يَسْلَم، ومَنْ لم يَسْلَم لم يُكْرَم، ومَنْ لم يُكْرَم يُهضَم، ومَنْ يُهضَم كَانَ ألوَمَ، ومن كان كذلك كان أحْرَى أنْ يَنْدَم”[2].

في هذا الحديث العظيم بحوثٌ نَفْسِيَةٌ واجْتِمَاعيَةٌ عاليةُ المطَالِب، وهي وإنْ كانَتْ في نَفْسِها نَفيسَةً، إلَّا أنَّ رجوعها إلى مطالب كلامية دقيقة جَعَلَهَا مِنْ عَوَالِي وغَوَالِي النَفَائِس، غير أنَّ الغرضَ من هذه المقالة بيان الجهة التحليلية والقياسية في خصوص قوله (عليه السلام): “والعَالِمُ بِزَمَانِهِ لا تهجمُ عليه اللوابس”، فنُعرِضُ عن غيره إلَّا في حدود ما يستدعيه المقام.

يتبادر إلى عموم الأذهان رجحانُ متابعة وتتبع الأخبار والأحداث ليتحقق في النفس العلمُ بالزمان وما فيه بما يَصدُّ هجمات اللوابس، وهو قوله (عليه السلام): “والعَالِمُ بِزَمَانِهِ لا تهجمُ عليه اللوابس”، إلَّا أنَّني أقول:

إنَّ الابتداء بالمتابعة والتتبع حتمي الانتهاء بصاحبه إلى الضلال والإضلال، والفساد والإفساد؛ وذلك للبيان التالي:

تفتقر أيُّ نتيجة إلى التقاء طرفين بنحو من الأنحاء لتنتج عنهما، فالأربعة -مثلًا- لا وجود لها إلَّا عن غيرها إضافةً أو طرحًا أو ضربًا أو قِسْمَةً، ولن يقول الإنسان بنمو الشجرة ما لم يقس الشجرةَ المُدْرَكَة في الخارج على كبرى: (كلُّ شجرةٍ فهي تنمو). ثُمَّ أنَّ النتيجة لن تسلم من الخطأ ما لم تُضمن بمقدماتٍ وقِيَاسٍ صَحيحين.

نلاحظ رجوع نمو الشجرة إلى كونها: جسمًا حيًّا، ورجوع الجسم الحي إلى كون بعض أجزاء علَّة بقائه الاغتذاء، كما ونلاحظ رجوع امتداده الوجودي إلى ضرورة الوحدة الجنسية التراتبية من الأعلى إلى الوجود المتشخص في الخارج، ولذا، إن أردنا تحليل هذا الموجود الخارجي، كان علينا الوقوف على كلِّ توالي الوجودات السابقة، وهذا يحتاج إلى دقَّة فائِقة وخصوصًا في تحديد ترتب الأجناس، القريبة فالأبعد، وهذا من الأمور المتعذرة على غير ذي بصيرة من الله تعالى ثاقبة، وخصوصًا في غير الماديات، من سلوكيات وثقافات وأفكار ونظريات واجتماعيات وتربويات وسياسيات.. وما نحو ذلك..

وينبغي التنبه الشديد إلى:

إنَّ من أكبر المحاذير المنهي عنها شرعًا وعقلًا محذور القياس التمثيلي، وهو (إثباتُ حُكم لجزئي لثبوته في جزئي آخر مشابه له)، كأن يحكم على المجبوب بكراهة بقائه في الماء حال صيامه؛ لثبوت كراهة بقاء المرأة في الماء حال صيامها!

لقد قاس الرجل الفاقد للذكر على المرأة كونها لا ذكر لها، مفترضًا أنَّ علَّة الكراهة هي عدم الذكر، فقرَّر الكُبرى التالية: كلُّ ما لا ذكر له يُكره بقاؤه في الماء حال صيامه!

هذا في الواقع ما يفعله العامل بحديث الإمام الصادق (عليه السلام): “والعَالِمُ بِزَمَانِهِ لا تهجمُ عليه اللوابس”؛ لأنَّ صورَ قياسِهِ لن تخرج في الغالب عن القياسات التمثيلية المصابة بالكثير من الأسقام بسبب الاستعجال الذي يستدعيه تسارع الأحداث بما يُخرِج عن القدرة على التأني المطلوب للاستقراءات العلمية الصحيحة. ولو أراد المتابعُ والمتتبعُ للأحداث والوقائع والأخبار استقراء الأفراد الخارجية فعمله في الغالب خاطئ مشوه؛ لعدم وضوح كلِّ حيثيات الفرد الداخل في الاستقراء.

فهم الحديث الشريف:

قال الإمام الصادق (عليه السلام): “والعَالِمُ بِزَمَانِهِ لا تهجمُ عليه اللوابس”.

أوَّلًا: العالِمُ بزمانه:

قد أستقرِبُ أنَّ يَكُونَ مُرَادُ الإمَامِ (عليه السلام) من (العِلمِ بالزَمَان) حضورَ طبيعة الزمان في نفس العاقِل، ما يُمكنه من فهم الأحداث فهمًا صحيحًا سالمًا عن التأثر من صنوف المُوهِمات وأشكالها، وهذا مُتَعَذِّرٌ ما لم يتوفَّر النظر على مجموعة من الكليات الأساسية يكون هو قادِرًا على تركيبها وتفكيكها في مقامات القياس بحسب الموارد.

نعيش اليوم زمانًا يتَّسِمُ بما يشبه الطوفان في توارد الأخبار والأنباء، وفي القدرة على التزوير والتحريف بكلِّ سهولة ويسر.

هذا واقِعٌ يُدْرِكُه الجميع، حتَّى من خفَّ عقلُه، إلَّا أنَّنا نجد مَنْ:

  • يَنْقَاد له ويَنْسَاق بِتَرويجِ كُلِّ ما يصله، وكأنَّه مصابٌ بداءِ فقدان السيطرة على النفس!
  • يحذر من التفاعل مع ما يَرِده نشرًا أو تصديقًا.

هناك طائِفةٌ ثالِثَةٌ تُعمِّقُ النظر في البحث عن مناشئ وتكونات هذه الحالة.. كيف نشأت؟ ما هي الغاية من ورائها؟ هل ما يحدث من تدافعات هائلة في وسائل التواصل التقني أمر تلقائي دون سابق تخطيط، أو لا؟ وإن كان مُخطَّطًا له، فمتى بدأ التخطيط؟ ولِمَ؟ ما هي غاياته؟ ما هي المراحل التي مرَّ بها؟ وإلى أين يتَّجه المُخطَّط؟

وإن لم يكن كذلك، فكيف نفهم الذي يحدث اليوم؟ هل هو أمر طبيعي ولا يحتاج إلى كلِّ هذا التضخيم؟ أو أنَّه غير طبيعي؟ وإن كان غير طبيعي، فما هو الموقف الصحيح منه؟

عندما تَطْرَحُ هذه الطائِفَةُ تساؤلاتها، فإنَّ طائِفةً رابعة تظهر، ربَّما هي من إحدى الأولتين، وربَّما لا، ترفع في وجه الطائفة الثالثة تهمةَ (الافتتان بنظرية المؤامرة)!

لتجاوز أمر هذه التهمة التي أراها غاية في السذاجة أجيب بقوله تعالى (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ)[3]، وقوله جلَّ في علاه (وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا * وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا * يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا)[4]، فظهر قيامُ إبليس في هذه الحياة الدنيا على فلسفة التآمر على العِباد، ولا يخفى أنَّه على رأس جيوش من الجنِّ والإنس، فقد قال تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاء رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ)[5].

بعد تجاوز سذاجة عدم اعتبار لمؤامرة، نقول:

عندما يبدأ عُقَلاءُ الطائِفةِ الثالِثَةِ بالبحث والنظر طلبًا لإجابات دقيقة على تساؤلاتهم، فإنَّهم حينها على طريق الظفر بقواعد كبرى تقاس عليها المُدركات الجزئية من الواقع الخارجي، فتتحدَّد ردود أفعاله وحجم كلِّ ردِّ فعلٍ وشدَّته، بحسب نتيجة القياس.

مشكلة تشخيص الجزئي:

مثال:

عندما يُدرِكُ الإنسانُ كُبرى: كل مُسكِرٍ حرام، فإنَّه يعلم عندها بأنَّ ما يشخصه في الخارج مُسكِرًا يكون موضوعًا للحرمة، ولكنَّ الذي يحتاج إلى تعلُّمه إنَّما هو أدوات التشخيص الصحيح، كيلا يشخص غير المسكر مسكرًا والمسكر غير مسكر!

هل يعتمد الرائحة؟ اللون؟ الظرف؟ المكان؟

أم عليه الاهتمام بجمع القرائن ما أمكنه ذلك؟

هنا قاعدة كلِّية مهمَّة، وهي: ما لم يتيقن العاقل أمرًا يحتاج الوقوف على حاله، فالمصير حينذاك إلى جمع القرائن الموضوعية بعناية فائقة، لكيلا يعتبر غير القرينة قرينة والقرينة غير قرينة، وهذا يحتاج كسابقه إلى أدوات يتعلَّمها العاقل.

أمَّا في الموضوعات الراجعة إلى أشكال السلوك البشري من عقليات وتعقلات وثقافات وما نحو ذلك، فالعاقل يحتاج إلى قدرة وقوَّة على التحليل الدقيق المستند إلى كليات واضحة.

مثال:

ما هو مستوى تمسُّك الفرد في المجتمع بالثقلين المقدَّسين، الكتاب الكريم والعِترة الطاهرة؟

قد تكون إرادة الكثير من المؤمنين في التمسك بالثقلين تمسكًا صحيحًا، إلَّا أنَّ هذه الإرادة لا تكفي؛ فمن جهة الواقع المفروض، لم يعد الإنسان مستقلًا في حياته الخاصة، ولم يعد مختارًا أصلًا!

هل يتمكن أحدٌ اليوم من بناء بيت من طين؟ هل من خياراته عدم إيصال الكهرباء لبيته؟ هل يمكنه التجول في الطرقات على دابَّة؟

وإن سُمِح له بعدم توصيل الكهرباء، فهل يمكنه أن لا يوصلها فعلًا؟

حرارة الجو اليوم ليست كالسابق، فالمصانع والحروب وصنوف الآلات من سيارات وطيارات وغيرها، والقير والإسمنت.. كلُّها تخزن وتولد حرارة هائلة، وأضف إلى ذلك انحسار المساحات المزروعة وجفاف العيون والآبار، ولو جرَّب العيش دون مكيف الهواء في بعض أشهر الصيف، فالغالب أنَّه سوف يصاب بتقرحات يطول شفاؤها!

هل يتمكَّن من الذهاب إلى العمل بعد صلاة الفجر والعودة منه قبل أذان الظهر؟ وهل يمكنه النوم بعد صلاة العشاء بساعة؟ هل يمكنه الاستغناء عن الشاشة المرئية التي تعجُّ وتضجُّ بالفساد؟

كلُّ هذه الأمور مفروضة على الإنسان، معطِّلة للأخذ بروح الثقلين المقدَّسين، فتأمَّل جيِّدًا.

الآن..

عندما نتحدَّث عن تمسُّك الناس بالكتاب العزيز والعِترة الطاهرة، فلا بدَّ لنا من تفحص هذه التحليلات بموضوعية فائِقة الدقة؛ إذ أنَّ المعالجة وانتخاب الحلول إنَّما هي فرع التشخيص الصحيح، وما لم نُصِبْ في تشخيصاتنا فالأغلب سلوك العِوَج في مسيرة تتسمَّى مسيرة إصلاح، وهي في الواقع مسيرة تأزيم وإفساد!!

ومن هنا يبتعد بعضٌ عن مجالس العلماء!

لا يُقدِّمُ الثقلان ما يساعد الإنسان على مواكبة كلِّ واقع، بل يطالبانه في الأصل بتغيير الواقع بما يواكبهما. فتأمَّل جيِّدًا..

هذه مجموعةٌ مهمَّة من المقدمات الكبرى، ينبغي الاهتمام بها في قراءة الفرد الخارجي وتشخيصه، وهنا المُعضلة التي يصعب علاجها، فالإنسان في نهاية الأمر محدود جدًّا، ولا يتخلص من سلاسل الظنيات إلَّا بحبل متين يتمسك به ويمشي في هديه.

القواعد الفوقانية:

تتكون المفاهيم في الحالات سالفة الذكر بانتزاعها من الخارج، وهو ما أسميتها في بعض الكتابات السابقة بـ(المفاهيم التحتانية)، أمَّا إذا كان المفهوم فوقاني، بمعنى تحصيله من الوحي أو من علم عقلي أوَّلي كاستحالة اجتماع وارتفاع النقيضين، فهو قطعي يقيني بعد فهمه فمًا صحيحًا.

مثال:

يقول الله تعالى: (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ)[6]، فنقول:

هل عدم رضاهم لكونهم يهودًا أو نصارى، أو أنَّه لعلَّة في نفس المكون الفكري، يوجد في اليهود والنصارى غالبًا أو حتمًا، ولا يمتنع وجوده في غيرهم؟

إن كان الأوَّل فلا تكون تعاملات المسلمين معهم في أكثر من حدود المصالح العامَّة، دون أدنى تجاوز إلى أطروحات أخرى مطلقًا. وإن كان الثاني، فمع غلبته يُتجاوز إلى من يمتلك القابلية للمناقشة الموضوعية، ومع حتميته فكالأوَّل.

ثُمَّ إنَّ من نُحرِز فيه العِلَّة من غير اليهود والنصارى نُلحِقه بهم حكمًا، فلا نتجاوز معه حدود ما تستدعيه المصالح العامَّة.

عند إحرازنا للصغرى فإنَّ الحكم حينها يقينيًا بلا كلام؛ فالكبرى تلقيناها وحيًا حُفِظَ في الكِتَابِ العَزيزِ، وبالتالي فإنَّ الشغل الذي تُكلِّفُه الحِكمَةُ الإنسانَ إنَّما هو تحصيل أدوات التشخيص الصحيح، وأمرها لا ينحصر في التعلم، بل هو بشكل أساسي في زكاة النفس بما يزيل عنها ما يحجب نور الحكِمة. قال رسولُ اللهِ (صلَّى الله عليه وآله): “ما أخْلَصَ عَبْدٌ للهِ عَزَّ وجَلَّ أربعين صَبَاحًا إلَّا جَرَتْ يَنَابِيعُ الحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ على لِسَانِهِ”[7].

إنَّه وبالرغم من ذلك، إلَّا أنَّ هذا المستوى من زكاة النفس يحتاج إلى جهاد وصبر، وجهاد وصبر، وحتَّى يتيقن المؤمن من زكاة نفسه بما يورثه الحكمة، فهو في حاجة إلى حبل متين يتمسك به ويمشي في هديه.

ثانيًا: هجوم اللوابس:

اللوابسُ كلُّ ما يجعل الأمورَ مُشتبهة غير واضحة المعالم، فيُرى الحقُّ منها باطلًا، والباطِلُ حقًّا، والمهمُّ في المقام بيان الإمام (عليه السلام) بإقبالها هاجِمة، والهجوم هو الانتهاء إلى الشيء بغتةً، وهو الانهدام، كما يقال: هجم السقف، أو هجمت الدار، أي تهدَّمت.

تأتي اللوابِسُ غيرَ العَالِمِ بِزَمَانِهِ هَاجِمَةً، فتسلبه القدرة على التركيز، بل ولكونها كذلك تسلبه خيار التفكير، ويُتصور الهجوم بتسارع التوارد وبالتكاثف والتلاحق، والتلون، وبالتلبس بالحق إلى درجة أنَّ أهل الحق والإيمان يدافعون عنها!

ينبغي الالتفات جيِّدًا إلى أنَّ العلم بالزمان يمنع (هجوم) اللوابس، لا (اللوابس)، فإنَّ شُغْلَ الشَيطانِ مع العالم بزمانه يختلف على مستوى الرؤية والبناء الفلسفي.

قال الله تعالى (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)[8]، فهذا وبالرغم من أنَّ الله تعالى قد أنعم عليه بآياته، إلَّا أنَّ في لحظة عُجبٍ وكبر، انسلخ عنها، فصار من بعد رِفعةٍ سافلًا كالكلب يلهث في سائر الظروف والأحوال!

بَلَى، تَرِدُ اللوابِسُ حَتَّى على العَالِمِ بِزَمَانِهِ، ولكن في أحوال غير حال الهجوم، وهذا ما ينبغي للعقلاء التنبه إليه جيِّدًا؛ فالعلم بالزمان لا يكفي للأمن والسلامة من اللوابس، بل قد ينقلب العَالِمُ بِزَمَانِهِ مِنَ الحِكمة إلى الغرق في الدفاع عن الضلال والفساد قاطِعًا بأنَّه على الحقِّ وطريق الهدى. قال تعالى (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)[9].

الأمن من اللوابس في سائر أحوالها:

قد يكون ما مرَّ أنسب وأقرب من البحث الثبوتي، إلَّا أنَّه في مقام الإثبات لا يبدو متيسرًا؛ وذلك لعدم القدرة على ضبط الطريق لتحصيل الأدوات الصحيحة للاستقراء وانتزاع المفاهيم وتشخيص الفرد الخارجي على الوجه الذي يعصمنا من الخطأ في القياس ونتائجه.

يرى النظر القاصر أنَّ الزمان في العلم به على قسمين:

أوَّلهما: زمان الحضور المقدَّس للمعصوم (عليه السلام)، وفيه يجب الاتِّباع المباشر كما كان اتِّباعُ سلمان وأبي ذر لرسول الله (صلَّى الله عليه وآله)، وزرارة ومحمَّد بن مسلم للصادقين (عليهما السلام).

وثانيهما: زمان غيبة المعصوم (عليه السلام)، وفيه يجب الإئتمام بالاحتياط إئتمامًا حقيقيًا؛ إذ لا مرجعَ يُسألُ فيزيل الشبهات ويعالج ما أبهم، ولا ينبغي للمؤمن الحصيف أن يخبط بالرأي خبط عشواء، وعندها، والحال هذه، لا طريق يلتمسه للسلامة والأمن من الضلال والإضلال، والفساد والإفساد، غير الاحتياط. وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في بعض وصاياه لكميل بن زياد: “يا كُمَيلُ، أخُوكَ دِينُكَ، فاحتَطْ لِدِينِكَ بِمَا شِئْتَ”[10]، وممَّا هو نصٌّ في المطلوب ما جاء عن الإمام أبي جعفر (عليه السلام) في وصية له لِأصحابِه، قال: “إذا اشتبه الأمرُ عليكم فَقِفُوا عِندَه وردُّوه إلينا؛ حتَّى نشرحَ لكم من ذلك ما شُرِحَ لنا، فإذا كنتم كما أوصيناكم لم تَعدُوه إلى غيره فمات منكم ميتٌ مِنْ قبل أن يخرج قائِمُنا كان شهيدًا، ومن أدرك قائِمَنا فَقُتِلَ معه كان له أجرُ شهيدين، ومن قَتَلَ بين يديه عَدُوًا لنا كان له أجر عشرين شَهيدًا”[11].

أشرنا إلى أنَّ ما يُوجِبُ طلب الاحتياط ومقتضياته إنَّما هو ضعف القدرة عن الوقوف على الروابط العِليَة الصحيحة بما يُمكِّن من إرجاع الواقعة لمناشئها.

رسم أهلُ البيتِ (عليهم السلام) لنا خريطةَ طَريقٍ واضِحَةٍ مُحْكَمَةٍ، فأغنونا عن الاجتهادات في طُرِقِ الزيغ والضلال، وهذا من أهم أسرار بقائنا متماسكين يشدُّ بعضنا بعضًا في أحلك الظروف وأقساها.

من أهم صحائِف الهُدَى وعرى العِصمة، صحيفة كتبها الإمام الصادق (عليه السلام) لأصحابه[12] “وأمرهم بِمُدارسَتِها والنظرِ فيها وتعاهُدِها والعملِ بِها، فكانوا يَضَعُونها في مَسَاجِدِ بيوتِهم، فإذا فرغوا من الصلاة نظروا فيها”، وجاء في مطلعها:

“أمَّا بعد، فاسْألُوا ربَّكم العافِيةَ، وعليكم بالدعة والوقار والسكينة، وعليكم بالحَيَاءِ والتنزُّه عمَّا تَنَزَّه عنه الصالِحُون قبلكم. وعليكم بمجامَلَةِ أهلِ الباطِلِ. تحمَّلُوا الضَيمَ منهم، وإيَّاكم ومُمَاظتهم. دِينُوا فيما بينكم وبينهم إذا أنتم جالستموهم وخالطتموهم ونازعتموهم الكلام؛ فإنَّه لا بُدَّ لكم من مجالستهم ومخالطتهم ومنازعتهم الكلام بالتقية التي أمركم الله أن تأخذوا بها فيما بينكم وبينهم، فإذا ابتُليتُم بذلك منهم فإنَّهم سَيُؤذُونَكم وتعرفون في وجُوهِهِم المُنكر، ولولا أنَّ اللهَ تعالى يدفعهم عنكم لَسَطوا بكم! وما في صدورهم من العداوة والبغضاء أكثر مِمَّا يُبدُونَ لكم، …”.

في هذه الرسالة من التعليمات والإرشادات ما لا تقاربه غوالي الكنوز واللآلئ قيمةً وثمنًا.

كما ووجَّه الأئمةُ المعصومون (عليهم السلام) شيعتهم للاهتمام بالحديث الشريف للبصيرة والعصمة من الفتن والضلال، فعن المُفَضَّل بن عمر، قال: قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): “اكْتُبْ وبُثَّ عِلمَكَ في إخْوَانِك، فإنْ مِتَّ فأورِث كُتُبَكَ بَنيكَ؛ فإنَّه يأتي على الناس زمانُ هَرجٍ لا يأنَسُونَ فيه إلَّا بِكُتُبِهم”[13].

كثير منَّا لا يتمكَّن من الوقوف على عِلَل وغايات ما يأمر به أهل البيت (عليهم السلام) ويرشدون إليه، ولكن فعندما ينكشف الغطاء سوف يرى الجميع حينها الارتباطات العِلِّيَة لا يداخلها ولا يُزَاحِمُها شيءٌ، وهناك سوف يقول من أعرض عنها: ليتني متُّ قبل هذا وكنتُ نسيًا منسيًا..

حتَّى لا نقع فرائس لعديلة أو زيغ عند الموت والعياذ بالله، كان من الواجب علينا الاهتمام بالثقلين المقدَّسين تسليمًا وتمسكًا، وفهمًا ووعيًا، وتجنب المكابرة انتصارًا للنفس والقناعات الخاصَّة، فإنَّ قوله (عليه السلام): “والعالم بزمانه لا تهجم عليه اللوابس” لا يعطي الحقَّ للمؤمن في الانطلاق لفهم الواقع بعيدًا عن حديث أهل البيت (عليهم السلام)، كلِّ حديثهم، لا انتقاءً بحسب ما يوافق القناعات الخاصَّة!

لا أرى في سماء العلم النوري، بعد استثناء خواصِّ أهل البيت (عليهم السلام)، أرفع نجومًا من غوَّاصي الحديث الشريف، الذين ذهبوا بعيدًا في الأعماق، فاستخرجوا لنا حديثهم الشريف وجمعوه ليصلنا محفوظًا بعين الله تعالى ورعاية مولانا صاحب الأمر (أرواحنا فداه)، وليس من الإنصاف أن يسيء أحدٌ لما في كتبنا الحديثية قبل أن يغوص إلى الأعماق التي وصل إليها المحمدون أصحاب الكافي والفقيه والتهذيبين، والوسائل والبحار، وغيرهم ممَّن تركوا الدنيا لحفظ الحديث وجمعه جمعًا واعيًا متقنًا.

سأل زرارةُ الإمامَ الصادق (عليه السلام) عن زمن الغيبة، قال: “جُعِلتُ فداك، إنْ أدركتُ ذلك الزمان، أيّ شيءٍ أعمل؟

قال (عليه السلام): يا زرارة، إذا أدركت هذا الزمان فادعُ بهذا الدعاء: (اللهم عرِّفني نفسك، فإنَّك إن لم تُعرِّفني نفسك لم أعرف نبيك، اللهم عرِّفني رسولك، فإنَّك إن لم تعرِّفني رسولك لم أعرف حُجَّتَك، اللهم عرِّفني حُجَّتَك، فإنَّك إن لم تعرِّفني حُجَّتَك ضَللتُ عن دِيني”[14].

 

السيد محمَّد بن السيد علي العلوي

27 ربيع الأوَّل 1440 للهجرة

البحرين المحروسة

………………………………………………………..

 

[1] – نهج البلاغة – خطب الإمام علي (ع) – ج 1 – ص 23

[2] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 1 – ص 26 – 27

[3] – سورة الأعراف 16 -17

[4] – سورة النساء 118 – 120

[5] – سورة الأنعام 112

[6] – سورة البقرة 120

[7] – عيون أخبار الرضا (ع) – الشيخ الصدوق – ج 1 – ص 74

[8] – سورة الأعراف 175 – 176

[9] – سورة الكهف 103 – 104

[10] – الأمالي – الشيخ المفيد – ص 283

[11] – وسائل الشيعة (الإسلامية) – الحر العاملي – ج 18 – ص 123

[12] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 8 – ص 2

[13] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 1 – ص 52

[14] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 1 – ص 337

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *