الرئيسية / مقالات / مسألة وكالة الزوجة في تطليق نفسها

مسألة وكالة الزوجة في تطليق نفسها

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمَّدٍ وآله الطاهرين

مسألة وكالة الزوجة في تطليق نفسها

محاولة لجمع أطراف المسألة والنظر في خلفياتها ومترتباتها

يدور الحديثُ في الأوساط المجتمعية حول تعرُّض الزوجة إلى ظلم شديد في محاكم القضاء الجعفري في خصوص قضايا الطلاق والنفقة، ما يجعل مظلوميتها مضاعفة، فهي من جهة، كما تدعي، تتعرَّض لما لا يُحتمل من زوجها، وبالرغم من تقديمها لأدلة تدعم ادِّعاءها، إلَّا أنَّ القاضي لا يتَّخذ الخطوة المرجوة والمتوقعة، بل والتي تراها هي متعينةً لإنقاذها ودفع الضرر عنها.

استشعر بعضُ الأفاضل من العلماء مسؤولية شرعية تجاه هذه المسألة، فأطالوا النظر وأجهدوا الفكر بحثًا عن حلول تُحقِّق العدالة وتُجنِّب المجتمع الوقوع في مهاوي التفكُّك والتخاصم. أنتجت هذه الجهود الصادقة الاستناد إلى إطلاق أدلة الوكالة في إعطاء الزوجة حقَّ اشتراطها في العقد الوكالة لها أو لمن تثق به في تطليقها من زوجها. وبذلك تُؤمِّن نفسها عن إضرار محتمل من الزوج، وكذا القضاء الذي لا يدفع عنها ما ترجو دفعه.

قرأتُ مبادرات أصحاب السماحة الأفاضل، فلم تتم عندي المسألة كما تفضَّلوا بطرحها، فعقدتُ العزم على إجراءِ قَلَمِ التَعَلَّمِ؛ لعلِّي أحْظَى بعناية الأكارم فيُقَوِّمُوا فهمي ويُصحِّحوا اعوجاجه، وهم أهلٌ، إن شاء الله تعالى، للأخذ بيد من رجاهم.

 

 

  • مقدِّمة:

“الوكالة هي: تَسليطُ الغَيرِ على مُعَامَلَةٍ مِنْ عَقْدٍ أو إيقَاعٍ أو مَا هو من شُؤونِهِمِا كالقَبْضِ والإقْبَاضِ”[1]، ومن أهمِّ ما تتميَّز به “أنَّ العمل الصادِر عن الوكيل كالبيع يُنسَبُ إلى المُوَكِّل ويُعَدُّ عملًا له، فيًقال: (بَاعَ زيدٌ دارَهُ) وإن كان المباشرُ للبيع وكيله”[2].

قد يُفهَمُ من الوكالة تسليمُ المُوَكِّل بالتقاءِ إرادة الوكيل مع إرادته في ما وُكِّل فيه، مع الأخذ بما ارتكز عرفًا وعقلائيًا، ولذلك فإنَّ “الإطلاق في الوكالة في البيع يقتضي البيعَ حالًّا بثمن المثل بنقد البلد، وفي الشراء يقتضي ابتياع الصحيح والردِّ بالعيب”[3]. مع أنَّ قيود: البيع حالًّا، وبثمن المثل، وبنقد البلد، وابتياع الصحيح والرد بالعيب، لم تُذكر في إيجاب التوكيل؛ فالوكالة محكومة بعدم الإضرار ضرورةً.

عن محمد بن مرازم، عن أبيه أو عمِّه، قال: “شهدتُ أبا عبد الله (عليه السلام) وهو يُحَاسِبُ وكيلًا له، والوكيل يكثرُ أنْ يقول: واللهِ ما خنتُّ، واللهِ ما خنتُّ. فقال له أبو عبد الله (عليه السلام): يا هذا، خِيانَتُك وتضييعُك عليَّ مالي سواء، إلَّا أنَّ الخِيَانَةَ شَرُّها عليك. ثُمَّ قَالَ: قال رسولُ اللهِ (صلَّى اللهُ عليه وآله): لو أنَّ أحدَكم فَرَّ من رِزْقِهِ لَتَبِعَهُ حَتَّى يُدرِكَه، كما أنَّه إنْ هَرَبَ مِنْ أجَلِهِ تَبِعَهُ حَتَّى يُدْرِكَه. ومن خَانَ خِيَانَةً حُسِبَتْ عليه من رِزْقِهِ وكُتِبَ عَليهِ وزرُهَا”[4].

  • توكيل الزوج زوجته في تطليق نفسها:
  • قالوا بأنَّ في المسألة ثلاثة آراء:

الرأي الأوَّل: عدم الصحَّةُ، وهو ما ذهب إليه الشيخ الطوسي (نوَّر الله ضريحه)، قال: “وإن أراد أن يجعَلَ الأمر إليها فعندنا لا يجوز على الصحيح من المذهب، وفي أصحابنا من أجازه”.

نحتمِلُ أنَّ الشيخ (قُدِّس سرُّه) قَصَدَ بجعل الأمر إليها غيرَ التوكيل، فقد قال قبل العبارة المنقولة: “إذا أراد الرجلُ أنْ يُطَلِّقَ زوجَتَهُ، فهو بالخيار بين ثلاثة أشياء: إنْ شَاءَ طَلَّقَهَا بِنَفْسِهِ، وإنْ شَاءَ وكَّلَ في طَلَاقِهَا، وإنْ شَاءَ جَعَلَ الأمْرَ إليها حَتَّى تُطَلِّق نَفْسَهَا، هذا عند المخالف. فإذا بَاشَرَ الطلاقَ فقد ذَكَرْنَا حُكْمَهُ، وإنْ وَكَّلَ فالحُكْمُ فِيِهِ ظَاهِرٌ، …”.

فإمَّا أن يكون كما نحتمل، أو أنَّه (علا برهانه) أفرد الثالث مخرِجًا الزوجة من العموم ليقول بعدم جواز توكيلها، وهو ما فهمه الأعلام. قال ثاني الشهيدين: “واسْتَنَدَ الشيخُ في تَخْصِيصِها بالمنع إلى أنَّ القَابِلَ لا يَكُونُ فَاعِلًا، وظاهر قوله (صلَّى اللهُ عليه وآلِه وسَلَّم): “الطَلَاقُ بِيَدِ مَنْ أخَذَ بالسَاقِ”؛ فإنَّه يَقْتَضِي عَدَمَ صِحَّةِ التَوكِيلِ مُطْلَقًا، خَرَجَ مِنْهُ غيرُ المرأةِ بدليلٍ مِنْ خَارِجٍ فَتَبْقَى هِي عَلى أصْلِ المَنْعِ”[5].

وقد ناقش المسالِكُ وغيره الدليلين بكفاية المغايرة الاعتبارية بين الفاعل والقابل، وبأنَّ توكيله لزوجته لا ينافي كون الولاية بيده. وقد يُقال أيضًا بأنَّ المُخرَج من تحت عموم المنع هو الكلُّ ما عدا الزوجة، وهذا غريب!

الرأي الثاني: الصحَّةُ، وهو ما عليه المشهور.

لإطلاق أدلة الوكالة، وأمَّا ما قيل من الروايات بدلالته على جواز وكالة المرأة في تطليقها نفسها ممَّا أورده الوسائِلُ[6]فالأقرب أنَّ الوكالةَ، إن قيل بها، مُقيدةٌ بمقام التخيير، وإن شئتَ فمقام المجلس، وهو قيد يتداخل فيه الزمان والمكان.

عن الفضيل ابن يسار، قال: “سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجُلٍ قال لامرأتِهِ: قد جعلتُ الخيارَ إليك، فاختَارتْ نَفْسَهَا قبل أن تقوم. قال (عليه السلام): يجوز ذلك عليه. فقلتُ: فلها متعة؟ قال (عليه السلام): نعم. قلتُ: فلها ميراثٌ إن مات الزوج قبل أن تنقضي عدتها؟ قال (عليه السلام): نعم، وإن مَاتَتْ هي ورثها الزوجُ”.

قال شيخنا الحرُّ العاملي (علا برهانه) عن هذه الطائفة من الأحاديث: “قد عَرَفْتَ أنَّ الشيخَ حمل هذه الأحاديث على التقية. ويُمكِنُ حملها على الاختصاص بالنبي والأئمة (عليهم السلام) بأنْ يَكُونُوا ذكروا حُكمهم في ذلك، أو على أنَّ الزوج وكَّلَ المرأة في طلاق نفسها كما يفهم من بعض ما مضى ويأتي، أو على ما لو طلقها الزوج بعد التخيير، أو على استحباب طلاقها لو اختارت نفسها، ويحتمل غير ذلك والله أعلم”[7].

وفي مسألة الاختصاص بالنبي والأئمة (عليهم السلام)، جاء عن مُحمَّد بن مسلم، قال: “سألتُ أبا جَعفَرٍ (عليه السلام) عن الخيار، فقال: وما هو وما ذاك؟! إنَّما ذاك شيءٌ كان لرسول الله (صلَّى اللهُ عليه وآله)”[8].

فقال في الفقيه: ” قال أبي (رضي الله عنه) في رسالته إلي: اعلم يا بُنَيَّ أنَّ أصْلَ التخيير هو أنَّ اللهَ تبارك وتعالى أنف لنبيهِ (صلَّى اللهُ عليه وآله) في مقالة قالتها بعضُ نسائِهِ: أيرى مُحمَّد أنَّه لو طَلَّقَنَا لا نجد أكِفَّاءَنا من قريش يتزوجُونا؟!

فأمر اللهُ نبيه (صلَّى اللهُ عليه وآله) أن يعتزل نِسَاءَه تِسْعًا وعشرين ليلةً. فاعتزلهنَّ النبيُّ (صلَّى الله عليه وآله وسلَّم) في مشربَةِ أُمِّ إبراهيم، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا)[9]. فاخترنَ اللهَ ورسولَه، فَلم يَقَع الطلاقُ، ولو اخترن أنفسهنَّ لَبِنَّ”[10].

فالظاهر أنَّ العمدَة في المقام إطلاق أدلة الوكالة.

الرأي الثالث: التوقُّف: وهو ما انتهى إليه المُحقِّقان البحراني في الحدائق، والسبزواري في كفاية الفقه، وظاهر الفيض الكاشاني في مفاتيح الشرائع.

قال المُحَقِّق البحراني: “وعندي في المسألة نوع توقف”، مًعلِّلًا بأنَّ: “الاعتماد عندنا في الأحكام الشرعية إنَّما هو على النصوص، والزوجية قد ثبتت وتحقَّقت، فرفعها ورفع ما يترتب عليها يتوقف على دليل واضح من النصوص”[11].

وقال المحقِّق السبزواري: “ولو وكَّلَها في طلاق نفسها، ففي صحته قولان. والأدلةُ من الجانبين مَحَلُّ بَحثٍ”[12].

وفي مفاتيح الشرائع: “وفي جواز توكيلها في طلاق نفسها قولان”[13]، ما قد يُفهم منه توقُّفه (رحمه الله).

  • آراء المعاصرين:

انتخبت الأقوال التالية:

قال السيد السيستاني (دام ظلُّه): “يجوز أن يُوكِّلها في طلاق نفسها مطلقًا أو في حالات خاصَّةٍ”[14].

قال (دام ظلُّه): “يجوز أن تشترط الزوجة أن تكون وكيلة عن الزوج في طلاق نفسها إمَّا مطلقًا أو في حالات معينة من سفرٍ طويل، أو جريمة موجبة لحبسه، أو عدم إنفاقه عليها شهرًا، ونحو ذلك. فتكون وكيلةً في طلاق نفسها ولا يمكنه عزلها[15]، فإذا طلَّقت نفسها صحَّ طلاقُها”[16].

وقل السيد الحكيم (دام ظلُّه): “يجوز توكيل الزوجة في طلاق نفسها وينفذ طلاقها حينئذ، بل لها أن تشترط في عقد النكاح الوكالة في الطلاق”[17].

أمَّا السيد الخميني (قُدِّس سرُّه) فقد قال: “بل وكذا، له أن يوكِّل زوجته فيه[18] بنفسها أو بالتوكيل، لكن لا ينبغي ترك الاحتياط بعدم توكيلها”[19].

وقال الشيخ زين الدين (قُدِّس سرُّه): “يجوز للزوج أن يوكِّل زوجته بنفسها في أن تُجري صيغة طلاقها بنفسها إذا كانت تُحسِن ذلك، ويجوز له أن يوكِّلها في أن توكِّل أحدًا غيرها على إجراء طلاقها، وإن كان الأحوط استحبابًا عدم توكيلها في كلتا الصورتين”[20].

وقال: “إذا وكَّل الرجلُ المرأةَ في طلاق نفسها، وفوَّض ذلك إليها إن شاءت الطلاق أو شاءت البقاء، فإنَّما يصحُّ الطلاقُ إذا انشات صيغة الطلاق المعينة بالوكالة عن الزوج”[21].

وقال السيد المدرسي (دام ظلُّه): “قالوا: يجوز توكيل الزوجة لتطليق نفسها بنفسها، ولا بأس بهذا القول إذا كان بمعنى أنَّ الزوج هو الذي يُقرِّر الطلاق إلَّا أنَّه يوكِّل الزوجة لتنفيذ ذلك نيابة عنه. أمَّا إذا كانت الوكالة بمعنى جعل الطلاق بيد المرأة، فهي تُطلِّق نفسها متى شاءت فإنَّ ذلك مُشكِل؛ لأنَّه مخالِفٌ لحكم الله الذي جعل الطلاق بيد الرجل”[22].

  • تمييز الوكالة:
  • عن إبراهيم بن محرز، قال: “سألَ أبا جعفرٍ (عليه السلام) رجلٌ وأنا عنده، فقال: رجلٌ قَالَ لامرأتِهِ: أمْرُكِ بِيَدِكِ؟

قال (عليه السلام): أنَّى يكُونُ هذا واللهُ تعالى يقول: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء)[23]، ليس هذا بشيءٍ”[24].

  • روى مُحمَّدُ بن قيس، عن أبي جعفرٍ (عليه السلام) “أنَّه قَضَى في رَجُلٍ تَزَوَّجَ امرأةً وأصدقته هي، واشترطت عليه أنَّ بيدها الجُمَاع والطلاق.

قال (عليه السلام): خالفتِ السُنَّةَ وَوليت حقًّا ليست بِأهلِهِ. فَقَضَى أنَّ عليه الصداق وبيده الجماع والطلاق. وتلك السُنَّةُ”[25].

  • عن هارون بن مسلم، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: “قلتُ له: ما تَقُولُ في رَجُلٍ جَعَلَ أمْرَ امرأتِهِ بيدِها؟

قال: فقال (عليه السلام): ولَّي الأمر من ليس أهله، وخالف السُنَّةَ، ولم يجز النكاح”[26].

موضوع هذه الأحاديث الشريفة هو جعل حق التطليق لنفس الزوجة، والحال أنَّها غير قابلة شرعًا، وقد يكون لبُعدٍ تكويني، أن تكون معروضًا لهذا الحق، أمَّا التوكيل فهو ليس بجعلٍ ولا من قبيل الجعل، بل هو إنابة مأذونة بمقتضى عقد شرعي (وكالة) بما يجعل يَدَهَا (المُوَكَّلة) يَدَ الآذِن (المُوَكِّل)، ومن هنا فإنَّ الفرض عدم تعارض الإرادتين على الفعل الواحد وجودًا وعدمًا، مع شرط الوحدتين الزمانية والمكانية، وإلَّا فهي ليست (وكالة) وإنَّما تفويض جعلي بالمماثلة مع حفظ الاثنينية، فتجوز المعارضة.

لذا، منع بعضُ الأعلام توكيلَ الزوج غيره في التطليق إلَّا في حال غيابه مُحكِّمين قول الإمام الصادق (عليه السلام): “لا تجوز الوكالة في الطلاق”[27] على غيره من الأخبار التي يدل ظاهرها على جواز التوكيل.

قال شيخ الطائِفةِ (طاب رمسه): “فلا ينافي الأخبارَ الأولة؛ لأنَّ هذا الخبر (خبر عدم جواز الوكالة في الطلاق) محمولٌ على أنَّه إذا كان الرجلُ حاضرًا في البلد لم يصح توكيله في الطلاق، والأخبار الأولة نحملها على جواز ذلك في حال الغيبة”[28].

وكيف كان، فإنَّ في المسألة كلام وتفصيل انتهى بشيخ الحدائق وصاحب كفاية الفقه والفيض (قدَّس الله أسرارهم) إلى التوقُّف، وبالسيد الخميني والشيخ زين الدين (طاب رمسهما) إلى الاحتياط، وبالسيد المدرِّسي (دام ظلُّه) إلى المنع في غير مورد الموافقة بين الإرادتين.

أمَّا مَنْ ذهب مِنَ الأعلام إلى الجواز فقد يصحُّ منَّا فهمه على اشتغال المقام بقيود عقلائية ارتكازية، وبيان ذلك في التالي:

في توكيل الزوج زوجته في تطليق نفسها:

إمَّا أن يكون الزوج متعهدًا بالموافقة ضمنًا لقرار الطلاق وقتما تتخذه الزوجة، فلا يقع التعارض بين الإرادتين، وإمَّا أن يترك لها الخيار وكالةً، فيكون عنده الأمرُ سيان، سواء طلقت نفسها أو لا، وإمَّا أن يكون مريدًا للطلاق ويوكلها فيه لظروف خاصَّة تمنعه عن المباشرة.

الأوَّل: الموافقة وجود تقتضيه مقدمات، وفي حال عدمها مع احتمال عدم وقوعها، ووقع الطلاق من المُوَكَّلة لمقدِّمات غيرها، فإنَّ الموافقة المقدَّمة ليست أكثر من لغو.

الثاني: إذا وقع الطلاق منها فلمُرجِّح يُفتَرض فيه الحضور عند المُوَكِّل، وهو خُلف الفرض، فيظهر أنَّ هذه الصورة منتقضة ذاتًا.

الثالث: هو المُتَصوَّر؛ لموافقته القواعد كما يظهر. والله العالم أوَّلًا واخيرًا.

  • إشارات:
  • لا يظهر تشريعُ الشارع المُقدَّس توكيل الزوجة في تطليق نفسها، على القول به، كحلٍّ لدفع إضرار الزوج المتعنِّت، وما وقع نزاعًا بين الزوجين فأمر رفعه محصورٌ بين الزوج والحاكم الشرعي، ولذا قال المُحقِّق البحراني (علا برهانه): “الاعتماد عندنا في الأحكام الشرعية إنَّما هو على النصوص، والزوجية قد ثبتت وتحقَّقت، فرفعها ورفع ما يترتب عليها يتوقف على دليل واضح من النصوص”.
  • عندما تتعرَّض الزوجة لظلم يستوجب تطليقها فالأمر حينها إلى الحكام الشرعي، ولا حيف في الشرع على الأطلاق، وإنَّ وقع شيءٌ فالخلل في التطبيق، لا في التشريع. ويُتصوَّر التعطَّل في الظروف الطبيعية العادلة من جهتين:

الأولى: عدم كفاية أدلة المُدَّعية بما يستوجب تطليقها.

الثانية: توقُّف القاضي عن الإقدام كحاكم شرعي أو إجبار الزوج على التطليق.

  • على كلا التقديرين، فإنَّ التزام المنظومة الشيعية في التربية والنفس والاجتماع لا تُنتج تنازعات تستدعي التفكير في حلول مثل اشتراط الزوجة الوكالة في الطلاق لنفسها أو لأحد من تثق به، وكلَّما ابتُكِرت أو استُنْبِطت أو وضِعت حلول للحدِّ من مشكلة النزاعات الزوجية فهي لن تنتهي بالمجتمع إلَّا لمزيد من التأزمات؛ فإنَّ الابتعاد عن التدين والتقوى والتزام موازين السماء وأدبها، كل هذا من مصاديق الإعراض عن ذكره جلَّ في علاه، وهو القائِل (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا)[29].
  • لا شكَّ ولا شبهة في وجود مشاكل حقيقية لا يمكن إنكارها، إلَّا أنَّ ما ينبغي الانتباه إليه هو المحل الحقيقي للخلل، وليس من الصحيح الاهتمام والتركيز على معالجة ما مرضه راجع إلى مرض أصوله وخلفياته. وإذا أصاحب (العاقور) النخلة فلن تصلح الرطبة (العاقور دودة تصيب جذع النخلة من الداخل).

إنَّ المشكلة ليست في أحكام الطلاق، ولا هي -كما أحسب- في منظومة القضاء الجعفري، ولكنَّ الذي أقطع به مطمئِنًّا، أنَّها في النُظم التربوية والاجتماعية التي يقوم عليها المجتمع اليوم، فهي لا تُعِدُّ ولا تُؤَهلُ لأسرة مستقرة ولاحياة زوجية هانئة، بل على الخلاف تمامًا.

حتَّى على القول بصحة اشتراط الوكالة محل الكلام، فهذا يُظهِر كيف أنَّ نيَّة وروحية الإقدام على الزواج قد تشرَّبت ما لا ينبغي من توقُّع الإضرار بما استدعى حماية الزوجة لنفسها من الزوج، وهو الذي من المفترض بحسب أدبيات الإسلام العظيم أن يكون سكنًا له يحميها ويدفع عنها!

قد يُقال: وما الحل للحالات الزوجية المتأزِّمة القائِمة فعلًا؟

فأقول: لم أعقد هذه المقالة لوضع الحلول، ولكن لأقول بأنَّ الحلَّ المطروح، وهو اشتراط الزوجة الوكالة لها أو لمن تثق به في تطليق نفسها لن يؤدِّي إلَّا لمزيد من المشاكل والاحتقانات، حتَّى مع التقييد بالضرر؛ لأنَّ تشخيص الصغرى حينها بيد المُوكَّلة. فتأمَّل، رزقنا الله تعالى البصيرة.

هذه مداخلة تداخلت بها متطفلًا متجاسرًا في محضر جمع من الفضلاء:

ما معنى أن تشترط الزوجة وكالة لها في تطليق نفسها مطلقًا أو عند تعرُضها لما تُشخصه مستدعيًا للطلاق؟

أوَّلًا: الخروج بالزواج عن حالته الطبيعية التي جعل الله تعالى للرجل فيها القيادة الشرعية، وهو خروج يجعل الأجواء أجواء توجُّسٍ وحساباتٍ من أوَّل الأمر، والظاهر مخالفة ذلك للمودَّة والرحمة والسكنى واللباس!

ثانيًا: إعطاء المرأة حق ترتيب الأثر على تشخيصها لما تعتبره صغرى، وهذا ما يُحتمل أن يكون الشارع المقدَّس قد أراد تجنيب الحياة الزوجية إيَّاه، وملاكه ظاهر في منع المرأة عن بعض مواقع القرار والفصل[30].

ثالثًا: قد لا يكون خيار التوكيل محل الكلام ممَّا يطرحه الشارع المقدَّس كطرحه لصحة أو عدم صحَّة شرط عدم الإخراج من البلد أو ما شابه، وكونه لم يمنع لا يدل على أكثر من عدم المنع.

رابعًا: هناك مشاكل تتعرَّض لها بعضُ النساء، منها ما هو واقعي وجاد، ومنها ما فيه الكثير من المبالغات، وعلى كلٍّ، فالحل ليس في نشر ثقافة اشتراط المرأة للوكالة في تطليق نفسها، بل هو في إعادة الاعتبار لعقلانية الاختيار على وفق مجموعة من المعايير المقرَّرة في الثقلين المقدَّسين.

خامسًا: العلاقة الزوجية مفردةٌ في منظومة تربوية مجتمعية واجتماعية مترابطة، وما لم تُراعى كلُّ مفرداتها فليس من حلٍّ إلَّا وينقلب عن قريب مفسدة..!!

يرى النظرُ القاصرُ أنَّ الحديث في المجتمع عن الشرط محلِّ الكلام سوف يدخلنا في أنفاق مظلمة خانقة، وسوف يُفجِّر تنازعات متلاحقة[31].

اللهم صلِّ على محمَّد وآل محمَّد، واشرح صدورنا بنور الحِكمة، ووفقنا للخير والصلاح. إنَّك سميع مُجيب.

اللهم ونسألك العجل بالفرج لمولانا صاحب الأمر (أرواحنا لتراب مقدم خدَّامه الفداء).

الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على محمَّد وآله الطاهرين.

 

السيد محمَّد بن السيد علي العلوي

26 ربيع الثاني 1440 للهجرة

البحرين المحروسة

…………………………………………….

[1] – منهاج الصالحين – السيد السيستاني – كتاب الوكالة ج2

[2] – نفس المصدر السابق

[3] – نفس المصدر السابق

[4] – وسائل الشيعة (آل البيت) – الحر العاملي – ج 19 – ص 169

[5] – مسالك الأفهام – الشهيد الثاني – ج 9 – شرح ص 29

[6] – الباب 41 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه – كتاب الطلاق: أنَّ من خيَّر امرأته لم يقع بها طلاق بمجرَّد التخيير، وإنْ اختارت نفسها، فإن وكَّلها في طلاق نفسها ففعلت وقع مع الشرائط

[7] – وسائل الشيعة (آل البيت) – الحر العاملي – ج 22 – ص 95 – 96

[8] – وسائل الشيعة (آل البيت) – الحر العاملي – ج 22 – ص 92

[9] – سورة الأحزاب 28 – 29

[10] – من لا يحضره الفقيه – الشيخ الصدوق – ج 3 – ص 517

[11] – الحدائق الناضرة – المحقق البحراني – ج 25 – ص 173

[12] – كفاية الأحكام – المحقق السبزواري – ج 2 – ص 320

[13] مفاتيح الشرائع – الفيض الكاشاني – ج2 ص313

[14] منهاج الصالحين – السيد السيستاني – ج3 النسألة 504 ص151

[15] – لكون الشرط في العقد.

[16] – منهاج الصالحين – السيد السيستاني – ج3 المسألة 334 ص102

[17] – منهاج الصالحين – السيد محمَّد سعيد الحكيم – ج3 المسألة 8 من كتاب الطلاق، ص72

[18] – أي: في الطلاق

[19] – تحرير الوسيلة – السيد الخميني – ج2 المسألة 4 من القول في صيغته (الطلاق) – كتاب الطلاق، ص297

[20] – كلمة التقوى – الشيخ زين الدين – ج 7 المسألة 37 من كتاب الطلاق، ص175

[21] – كلمة التقوى – الشيخ زين الدين – ج 7 المسألة 37 من كتاب الطلاق، ص176

[22] – الفقه الإسلامي – السيد المُدرِّسي – ج2 ص412 – 413

[23] – سورة النساء 34

[24] – الاستبصار – الشيخ الطوسي – ج 3 – ص 313

[25] – من لا يحضره الفقيه – الشيخ الصدوق – ج 3 – ص 425

[26] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 6 – ص 137

[27] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 6 – ص 130

[28] – الاستبصار – الشيخ الطوسي – ج 3 – ص 279

[29] – سورة طه 124

[30] – لا استنقاصًا ولا تقليلًا من شأن المرأة، فهي لها إنجازاتها ونجاحاتها المشهودة، إلَّا أنَّ الكلام في حقيقةٍ وجوديةٍ تكوينيةٍ.

[31] – تاريخ المداخلة: السبت، 15 ربيع الثاني 1440 للهجرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *