الرئيسية / غير مصنف / الزَوَاجُ تَكَامُلٌ ونُضْجٌ وصِراطٌ للاسْتِقَامَةِ

الزَوَاجُ تَكَامُلٌ ونُضْجٌ وصِراطٌ للاسْتِقَامَةِ

حاولتُ كثيرًا تحليلَ ظاهرة ثقافة التنفير من الزواج، فما تَوصلتُ لغيرِ الفهم الخاطئ للزواج سببًا، وإلَّا فالزواجُ آيةٌ إلهية ومظهرٌ من مظاهر رحمة اللهِ تعالى، وقد تظافرت وصايا أهل بيت العصمة (عليهم السلام) في الحث عليه سعيًا سعيًا..

قال الله تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)[1].

وعن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: “جَاءَ رجلٌ إلى أبي فقال له (عليه السلام): هل لك زوجة؟

قال: لا.

قال (عليه السلام): لا أُحِبُّ أنَّ لي الدُنيا وما فيها، وأنِّي أبِيتُ ليلةً ليس لي زوجة. ثُمَّ قال: إنَّ ركعتين يُصلِّيهما رجلٌ مُتَزَوجٌ أفضل من رجلٍ يقومُ ليلَهُ ويصومُ نهارَهُ أعزب. ثُمَّ أعطاه أبي سبعةَ دنانير؛ قال: تَزَوَّجْ بِهَذِهِ”[2].

وقال أبو عبد الله (عليه السلام): “ما أظُنُّ رجُلًا يزدادُ في الإيمانِ خيرًا إلَّا ازداد حُبًّا للنساء”[3].

وفي المقابل تعرَّض المعصومون (عليهم السلام) لذمِّ العزَّاب ذمًّا شديدًا، حتَّى قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): “رُذَّالُ مَوتَاكُم العُزَّابُ”[4]، وفي رواية “شِرارُ”!

ينبغي أن يُقال: لِمَ كان الزواج على هذا القدر من الأهمية في أدبيات الإسلام العظيم؟

فلينتبه القارئ الكريم جيِّدًا..

لو أنَّنا نُكَامِلُ بين الرجل والمرأة في موجود واحد لكان المُتَحَقِّقُ فيه حالة من التوازن في الصفات العارضة ذكوريةً وأنثويةً؛ فإنَّ كمال الرجل بصفاته الذكورية من قوَّة وبأس وخشونة وما نحو ذلك من مظاهر حسِّية ومعنوية، كما وأنَّ كمال المرأة بصفاتها الأنثوية من نعومةٍ وحنانٍ ورقًّةٍ وما شابه من مظاهر حسِّية ومعنوية.

ينبغي الالتفات إلى أنَّ كلَّ صِفَةٍ مُشَكِّكة؛ فهي تقعُ على خطٍّ أحَدُ طَرَفيه منتهى الشدَّة، والآخر منتهى الضعف، أمَّا الذكر فيتحرك في نِصف الشدَّة، والمرأة في نِصف الضعف، ومن هنا، فإنَّ كلًّا من الرجل والمرأة يقوم للآخر بدور المُحقِّق للتوازن.

وبعبارة أخرى: يبحث الرجل عن النعومة الأنثوية لكونه يعيش الخشونة الذكورية، والمرأة على العكس منه، فإذا التقيا يكون كلُّ واحدٍ منهما سكنًا للآخر.

إذا فُهِمَتْ حقيقة الزواج ووقف الإنسان على مسؤولية أن يكون زوجًا، فحينها سوف يعي محوريته في بناء أو هدم المجتمع.

إنَّ لمفاهيم المودَّة والرحمة والسكنى واللباس قِيَمًا عظيمةً، إنْ احترمها الإنسانُ وقدَّرَ جَلَالَها، وكان سَليمَ النَفسِ والفِطرَةِ، فإنَّ اشتياقه للزوج والأسرة والبيت لن يكون اشتياقًا عاديًا، ومنه سوف يحرص أكثر ما يحرص على صيانة وتصحيح حياته الأُسَرية والاهتمام بإزهارها بما يرضي الله تعالى.. الزواج جمال وروعة.. الزواج جنَّة في الدنيا بكلِّ ما للكلمة من معنى..

يُقال: أيكون ذلك مع ضعف حالات التفاهم بين الزوجين؟

فأقول:

عن يحيى بن زكريا الأنصاري، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سمعتُه يقولُ: “من سَرَّهُ أنْ يستكمل الإيمانَ كله فليقُلْ: القولُ مِنِّي في جميعِ الأشيَاءِ قول آل مُحَمَّد، فِيمَا أسَرُّوا وما أعْلنُوا، وفِيمَا بَلَغَنِي عنهم وفِيمَا لم يبلغنِي”[5].

ثُمَّ من بعد ذلك أضع بين يدي الزوجين هذه الأحاديث الشريفة العظيمة..

في رسالة الحقوق، قال (عليه السلام): “وأما حقُّ رعيتك بِملكِ النِكَاح، فأنْ تَعلَمَ أنَّ اللهَ جَعَلَهَا سَكَنًا ومُسْتَرَاحًا وأُنْسًا وواقِيًةُ، وكذلِكَ كُلُّ واحِدٍ مِنْكُما يَجبُ أنْ يَحمدَ اللهَ على صَاحِبِهِ ويعلمَ أنَّ ذلك نِعْمَةً مِنْهُ عَليَهِ. وَوَجَبَ أن يُحسِنَ صُحبَة نِعمَةِ اللهِ، ويُكرمَهَا، ويرفقَ بِها، وإنْ كانَ حَقُّك عَلَيها أغْلَظَ، وطَاعَتُك بِها ألزَمَ، فِيمَا أحبَبْتَ وكرهْتَ، ما لَم تَكن مَعصِية فإنَّ لَهَا حَقَّ الرَّحمَةِ والمُؤَانَسةِ ولا قُوَّة إلاَّ بالله”[6].

وقال أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصيته لولد الإمام الحسين (عليه السلام): “فإنَّ المرأةَ ريحانَةٌ لا قَهرَمَانة، فَدَارها على كُلِّ حَالٍ وأحسِنِ الصُحبَةَ لهَا؛ فَيصْفُو عَيشُكَ”[7].

وقال النبيُّ (صلَّى اللهُ عليه وآلِه): “ما زَالَ جبرئيلُ يُوصِيني بالمرأةِ حَتَّى ظَنَنتُ أنَّه لا ينبغي طلاقُها إلَّا مِنْ فَاحِشَةٍ مُبينة”[8].

وقال (صلَّى اللهُ عليه وآلِه): “قول الرجُل للمرأة إنِّي أُحِبُّكِ لا يذهب من قلبها أبدًا”[9].

وفي خطوط واضحة لسياسة الحياة الزوجية الرائِقة، قال الإمامُ الصَادِقُ (عليه السلام): “لا غِنى بالزوج عن ثلاثة أشياءٍ فِيَما بينه وبين زوجته، وهي:

  • المُوافَقَةُ ليَجتَلِبَ بها موافَقَتَها ومَحَبَّتَها وهَوَاهَا.
  • وحُسنُ خُلُقِهِ مَعَهَا، واستعمَالُه استِمَالَة قلبِها بالهَيئةِ الحَسَنَةِ في عَينِها.
  • وتوسِعَتُهُ عليها.

ولا غِنى بالزوجة فيما بينها وبين زوجها الموافق لها عن ثلاث خصال، وهنَّ:

  • صِيَانَةُ نفسها عن كُلِّ دَنَسٍ حَتَّى يطمئن قلبُه إلى الثقة بها في حَالِ المحبُوبِ والمكروه.
  • وحياطتُه[10]؛ ليكون ذلك عاطفًا عليها عند زَلَّةٍ تَكُونُ منها.
  • وإظهارُ العِشْقِ له بالخَلَابَةِ[11] والهيئَةِ الحَسَنَةِ لَهَا في عَينِهِ”[12].

وقال رسولُ اللهِ (صلَّى اللهُ عليه وآلِه): “خَيرُكُم خَيرُكُم لِأهلِهِ، وأنا خَيرُكُم لِأهلِي”[13].

وقال أميرُ المؤمنينَ (عليه السلام): “كَتَبَ اللهُ الجِهَادَ على الرِجَالِ والنِسَاءِ، فجِهَادُ الرَجُلِ بَذْلُ مَالِهِ ونَفْسِهِ حَتَّى يُقْتَلَ في سبيلِ اللهِ، وجِهَادُ المرْأةِ أنْ تَصبِرَ على مَا تَرَى مِن أذَى زَوجِهَا وغِيرَتِهِ. وفي حديث آخر: جِهاَدُ المرأةِ حُسْنُ التَبَعُّلِ”[14].

تَحضُرُ هذه المعاني الجليلة العالية في نفس كلٍّ من الرجل والمرأة إذا ما كانا على وعي بمجموعة من القضايا المهمَّة، منها:

هذه المرأة التي لا تمازِحُ على الإطلاق في سِترِ نفسها عن أقرب الأقربين.. بل عن أمِّها، وكذا الرجل الذي يرى سِترَ نفسه فضيلة ومن شمائل الرجولة والمروءة.. هذا أمر لا نقاش فيه على الإطلاق، وبالرغم من عظيمِ خطره، إلَّا أنَّه يزول تمامًا بين الزوجين!

بالله عليكم.. ألا يستحق، بل أليس من الواجب على الزوجين إجلال بعضهما البعض لمجرَّد هذا الأمر العظيم؟

فلننتبه إلى أمر آخر..

تكون الفتاة في دار أبيها، تعيش الأمان بين والديها وإخوتها، وبقرار حاسم تترك كلَّ حياتها لتدخل في وثاقة رجلٍ أجنبي!

ألا يوجب هذا على الزوج تقديرًا خاصًّا لزوجته، وأن يُلزِمَ نفسَه بصونها وبأن يجعل حياتها جنَّةً تحمد الله تعالى عليها؟

ونفس الأمر تمامًا فيما يجب للزوج على زوجته..

فلننتبه جيِّدًا..

هو هكذا: (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلاَ تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلاَ تَتَّخِذُواْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)[15]، فلا يصحُّ على الإطلاق أن يكون بيت الزوجية محلًّا للإزعاج والضيق، وقد أراده الله تعالى جنَّةً من المودَّة والرحمة والسكنى. ولا يمكن لنفس سليمة وفطرة سويَّة القبول باستفراد الزوج بزوجته أو الزوجة بزوجها للأذى والإيلام؛ فكلُّ واحدٍ منهما كان في بيت أهله مستريحًا، ومن العيب، بل هي عظيمة من عظائم اضمحلال المروءة من أيِّ أحدٍ أن يتعدَّى على الآخر بكلمة خارج حدود الأدب، أو بإهانة أو ما شابه!

لقد أراد الله جلَّ في علاه للزوجين أن يكونا نواة لمجتمع عفيٍّ صالحٍ، وفي حال ضعف أجواء التفاهم بينهما، فلا أجمل ولا أنقى من نفس تستوعب الواقع وتتجاوز عن الأخطاء دون منٍّ ولا أذى.. دون تذكير بها ولا تعيير. وإن لم يكن كذلك فتسريح بإحسان.. إحسان حقيقي يقوم على قِيَمِ المروءة والشِيَم.

قد يذهب بعضٌ إلى حمل هذه المقالة على المثالية وعدم الواقعية، فأقول قاطعًا متيقنًا:

ما جاء في المقالة مِثالٌ يقصد تحقيقه واقعًا رجالٌ ونِساءٌ يُؤمِنون بقداسة الروابط الإلهية، ومن أجلِّها رابط الزواج، وأمَّا من يضيق صدرُه عن العقل والتعقل والحِكمة، والحبِّ عن صدقٍ، فقد يحتاج إلى مساعدة نفسه ليتجاوز فشله، ولكنَّ الذي نرجوه منه، ويرجوه المجتمع أن لا يبث سلبيته ومفاهيمه الخاطئة بين الناس، ونسأل الله تعالى أن يأخذ بيده.

في الختام أُجَدِّدَ دعوتي لسادتي العلماء والفضلاء، والخطباء والشعراء، وأهل القلم والمحابر، إلى أن يشمِّروا عن سواعد الجد لنشر ثقافة الزواج الصالح بين الناس، وهذا لا يؤدِّي حقَّه مقالٌ أو محاضرَةٌ، فأمره طويل الذيول متكثر الشقوق.

في المقال القادم أكتبُ إن شاء الله تعالى حول معاداة الواقع المعاش لسعادة الحياة الزوجية، وهناك أرجو من القرَّاء صدورًا رحِبة..

بصوتٍ عالٍ.. بصوتٍ خَجِلٍ، أقول: عيبٌ أيُّها الناس.. عيبٌ عيبٌ عيبٌ، تداول البعض لنُكتِ تمس قداسة الحياة الزوجية، ومن قِلَة المروءة الحديث والتضاحك على خصوصيات العلاقة الخاصَّة بين الزوجين. من يفعل مثل هذه الشائنات عليه أن يستحي على وجهه ويتوقف عن ابتذال نفسه بهذا الشكل المُشين. فالزواج آية إلهية.

نسأل الله تعالى أن ينعم علينا ببيوت هانئة وأُسَر مستقرة، وقلوب ملؤها الحب والسعي نحو الوئام، بحق محمَّد وآله الطاهرين.

 

السيد محمَّد بن السيد علي العلوي

20 جمادى الأولى 1440 للهجرة

البحرين المحروسة

……………………………………………….

[1] – الآية 21 من سورة الروم

[2] – قرب الاسناد – الحميري القمي – ص 20

[3] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 5 – ص 320

[4] – بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج 100 – ص 220

[5] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 1 – ص 391

[6] – تحف العقول – ابن شعبة الحراني – ص 262

[7] – مصباح البلاغة (مستدرك نهج البلاغة) – الميرجهاني – ج 4 – ص 11

[8] – بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج 100 – ص 253

[9] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 5 – ص 569

[10] – حفظُهُ وتهُدُده.

[11] – اللسان الجميل والقول اللطيف

[12] – تحف العقول – ابن شعبة الحراني – ص 323

[13] – من لا يحضره الفقيه – الشيخ الصدوق – ج 3 – ص 555

[14] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 5 – ص 9

[15] – الآية 231 من سورة البقرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *