الرئيسية / دراسات وبحوث / جنيُ المحصُول من كلِّيات الفصول / جنيُ المحصُول من كلِّيات الفصول (2)

جنيُ المحصُول من كلِّيات الفصول (2)

حَاجَةُ العَاقِلِ النَاقِصِ لِلكَامِلِ، والدَعَوَةُ إلى الاسْتقْلَالِ (1-2)

 

عن عِدَّةٍ من أصحابنا، عن أحمد بن محمَّد بن خالد، عن بعض أصحابه، رفعه؛ قال:

“ما قَسَمَ اللهُ للعباد أفضلَ من العقل، فنوم العاقِل أفضل من سهر الجاهل، وإقامة العاقل أفضل من شخوص الجاهل، ولا بَعَثَ اللهُ نبيًّا ولا رسولًا حتَّى يستَكمِلَ العقل، ويكون عقلُهُ أفضلَ من عقول جميعِ أمَّتِه. إلى أن قال: ولا بَلَغَ جميعُ العابدين في فضل عبادتهم ما بَلَغَ العاقِلُ، الحديث”.

أوَّلًا:

  • أفضلُ قِسمةِ اللهِ تَعَالى للعبادِ العقلُ مطلقًا.
  • بعثُ الأنبياء والرسل متوقفٌ على استكمالهم العقل.
  • عقل كل نبي ورسول أفضل من عقول أمَّته مطلقًا. فعقول أبناء الأمَّة أدون مطلقًا من عقول أنبيائها ورسلها، فالحاجة منهم إليهم قائِمةٌ مطلقًا.
  • يبلغ العاقل في فضل عبادته ما لا يبلغ غيره ممن هم أدنى عقلًا منه مطلقًا.

ثانيًا:

تظهر، للنظر القاصر، ثلاثة مقاصد:

الأوَّل: أفضلية العقل بين مطلق ما قسم الله تعالى للعباد.

الثاني: حاجة العباد المطلقة والدائمة للأنبياء والرسل.

الثالث: قياس فضل العبادة بقدر العقل.

أمَّا قِسمة الله جلَّ في علاه للعباد، فهي كلُّ ما لا يكون لنفس هذا الفرد الدنيوي دخل فيه، كلأم والأب، واللون والجنس، وما نحو ذلك ممَّا يقع في ابتداء وجوده الدنيوي، ويكون معلولًا لغيره، فإنَّ التفاوت بين زيد وعمر، في العقل أو في مستوى تدين الأبوين، أو ما نحو ذلك، لا يمكن أن يكون اعتباطيًا، كما أنَّه، بحسب الظاهر، ليس من تسبيبات نفس الفرد الموضوع له.

يظهر أنَّ العقلَ هو القادر على تغيير واقع الإنسان الذي خُلِقَ عليه، بل وحتَّى تغيير واقع نفسه؛ فيزداد بما عنده، وكلَّما ازداد، اشتدتْ قدراتُه على الفهم والتعلُّم، وهكذا ممَّا سوف يأتي بيانه بوضوح عند البحث في أحاديث قادمة إن شاء الله تعالى.

لا أقصدُ التعلُّم الاعتيادي الذي يشترك فيه الفطِنُ ومَنْ دونه، بل أن يمتلك الإنسان المعرفة بواقعه العقلي الحقيقي، فيعمد إلى معالجة النواقص بشتَّى الطرق السليمة، بل أنَّ مجرَّدَ التفاته فضيلةٌ عقليةٌ مهمَّة.

جاء في الكافي:

عدَّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمَّد، عن الهيثم بن أبي مسروق النهدي، عن الحسين بن خالد، عن إسحاق بن عمَّار، قال: قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام):

“الرجل آتيه وأكلِّمُه ببعض كلامي فيعرفه كُلَّه، ومنهم من آتيه فأكلِّمُه بالكلام فيستوفي كلامي كُلَّه ثُمَّ يَردُّه عليَّ كما كلَّمتُه، ومنهم من آتيه فأكلِّمُه فيقول: أعِدْ عَليَّ؟!

فقال (عليه السلام): يا إسحاق، وما تدرى لِمَ هَذَا؟

قلتُ: لا.

قال (عليه السلام): الذي تُكَلِّمُه ببعض كلامك فيعرفه كُلَّهُ فَذَاكَ من عُجِنَتْ نطفتُه بِعَقْلِهِ، وأمَّا الذي تُكَلِّمُه فيستوفي كلامك ثُمَّ يُجيبُك على كلامِكَ فَذَاكَ الذي رُكِّبَ عَقْلُهُ فِيهِ في بَطْنِ أُمِّهِ، وأمَّا الذي تُكَلِّمُهُ بالكلام فيقول: أعِدْ عَلَيَّ، فَذَاكَ الذي رُكِّبَ عَقْلُهُ فِيهِ بَعْدَ مَا كَبُرَ، فَهو يَقُولُ لَكَ: أعِدْ عَليَّ”.[1]

بحسب فهمنا القاصر، فإنَّ هذه الدرجات من التركيب معلولةٌ لأمرٍ ما، لا نتمكَّن من القطع به، وقد يكون متعيِّنًا في حِكْمَةِ الله تعالى مباشرةً دون تعلُّقٍ بغيرها، كأن تكون في التفاوت بين العقول، ويكون الجزاء، ثوابًا وعقابًا، بقدرها، كما جاء عن محمَّد بن عيسى اليقطيني، عن الحسن بن علي بن يقطين، عن محمَّد بن سنان، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: “إنَّمَا يُدَاقُّ اللهُ العِبَادَ في الحِسَابِ يَومَ القِيَامَةِ على قَدَرِ مَا آتَاهم مِنَ العُقُولِ فِي الدُنيا”.

وإن قِيلَ: هل يكون الأدون عقلًا في درجةٍ واحِدَةٍ، في الجنَّة، مع العاقِلِ الذي استفاد من عقله في نيل رضا الله تعالى؟

فَيُقَال: قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز: (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ)[2]، وهذه، وغيرها من الآيات الكريمة، قاعِدةٌ تكوينيةٌ ثابتةٌ مُطلَقًا. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فنحن البشر لا نصِل في عقولنا إلى عقول الأنبياء والرسل؛ كما ما يفيده الحديث محل الكلام، فكيف نُحيطُ، بل كيف نُفكِّر في إمكان الإحاطة بحكمة الله تعالى؟

نحن، في اجتهاداتنا، لا نجرأ على أكثر من الاحتمال، وربَّما قطعنا، ولكنَّه من القطع في مقام الإثبات، ولا يتجاوزه إلى الثبوت، لذا، نحتمل أن يكون المقام الأخروي على حسب القابليات فيما لو كان الحال غير الحال.

مثلًا، لو أنَّ قليل العقل هذا كان في الدنيا ذا عقل أكمل، فهل سيكون حامدًا لله تعالى وعاملًا بما يفي حقَّ نعمة العقل، أو أنَّه سوف يكون من أولئك الذين ظلموا أنفسهم فانقلبت عقولهم نكراء وشيطنة؟ فإن كان الأوَّل، كان في درجات عُليا على قدر قابلياته، وإن كان الثاني فلا..

ونحتمل أن لا يشعر المؤمن ذو العقل الأدون بأقل غبنٍ في موقعه الأقل في الجنَّة، بل يشعر بالغبطة كما يشعر ذاك الأكمل الذي يتنعم في درجات أعلى..

ونحتمل غير ذلك ممَّا يقع متوافقًا تمامًا مع كبرى (إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ).

قد يكون احترامُ الإنسانِ لما أُعطي من عقلٍ كمالًا له، فيعمل بحسب قَدَرِ عَقْلِهِ، ولا يَتَجَرَّأ على التجاوز، ولا يُفرِّطُ بالتكاسل، وبذلك يكون العقل أفضل ما قسم الله تعالى له.

من هذا التقدير الأخير نخرج بأصل مهم؛ مُفاده ضرورة أن يعرف الإنسانُ نفسه، فيقف على قدراتها ومُؤهلاتها لينمي ما يقبل التنمية والزيادة، ويقف عند حدود ما لا يقبل ذلك، فيعيش نفسه باستقرار؛ بعيدًا عن حسد الآخرين وما في حكمه من ظلمٍ للنفس.

أمَّا الثاني، فالإنسان عُرضةٌ لوسوسة الشياطين وتسويلات النفس الأمَّارة بالسوء، ولذلك، نادرًا ما نرى من يحترم نفسه وما قَدَّرَ اللهُ تعالى لها، وفي المقابل، كثيرًا ما يعاني المجتمع البشري تجاوزات الناس باجتهاداتهم الخاصَّة التي يفرضونها فرضًا على الآخرين، فينتشر الفسادُ وتعمُّ الأزمات!!

في مثل هذه الأجواء تتشكَّل عقلياتُ التبرير والدعوة إلى احترام كلِّ الآراء والتوجهات مهما كانت بيَّنَةَ الفسادِ والضلالِ؛ ثمنًا لعدم التراجع عن الخطأ!

نجد في الحديث الشريف طريقًا آمنًا لعدم الوقوع في مهاوي العِزَّة إذا أخذت صاحبها بالإثم..

قال (عليه السلام): “ولا بَعَثَ اللهُ نبيًّا ولا رسولًا حتَّى يستَكمِلَ العقل، ويكون عقلُهُ أفضلَ من عقول جميعِ أمَّتِه”، وهنا أمران:

الأوَّل: مقامات النبوة والرسالة، وهي مقامات لا تُنال دون استكمال العقل.

قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا)[3]، فقد يكون مقام الميثاق هو الكاشف عن استكمال العقل، وفي هذا الأمر بحث عقائدي يدور حول احتجاج الله تعالى على الملائكة بالأسماء التي علَّمها آدم (عليه السلام)، وهو بحث طويل الذيول، لا يناسبه المقام.

الثاني: حاجةُ العاقل الناقص للكامل حاجةٌ تكوينيةٌ لا نقاش فيها، وفي هذا الحديث الشريف تَقَرَّرَ بوضوحٍ كَمَالُ عقولِ الأنبياء والرسل بالنسبة لأُمَمِهم “ولا بَعَثَ اللهُ نبيًّا ولا رسولًا حتَّى يستَكمِلَ العقل، ويكون عقلُهُ أفضلَ من عقول جميعِ أمَّتِه”، فجعل سبحانه وتعالى الأنبياء والرسل جهات يقصدها العقلاء طلبًا للكمال.

ينبغي للمؤمن التنبَّه جيِّدًا إلى أنَّ دعواتِ الاستقلال العقلي دعواتٌ غير عاقلة، بل هي بلهاء مُفسِدة؛ لجهة رجوع الإنسان في حِكْمَةِ وجُودِهِ إلى السعي للسلامة من فِتَن الدنيا طلبًا للنجاة في الآخرة، وهو سعي تكتنفه الكثير من الشبهات والمتشابهات التي يعجز الإنسانُ عن التخلص منها، وإن نجح في بعض فإنَّه لا يضمن ذلك باستمرار، فأنعم الله سبحانه عليه بأنبياء ورسل يتمسَّك بهم في الواضحات، ويسألهم في غيرها، وإن لم يصل إليهم فالمآل العقلي إلى التزام شاطئ الاحتياط.

قال الإمامُ الصادِقُ (عليه السلام) في مقبولة عُمَر بن حنظلة: “وإنَّمَا الأُمُورُ ثَلاثة: أمْرٌ بَيِّنٌ رُشْدُه فَيُتَّبَع، وأمْرٌ بَيِّنٌ غَيُّهُ فَيُجْتَنَب، وأمْرٌ مُشْكِلٌ يُرَدُّ عِلْمُهُ إلى اللهِ وإلى رَسُولِهِ؛ قال رسولُ اللهِ (صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ): حَلالٌ بَيِّنٌ وحَرَامٌ بَيِّنٌ، وشُبُهَاتٌ بَيْنَ ذَلِكَ، فَمَنْ تَرَكَ الشُبُهاَتِ نَجَا مِنَ المُحَرَّمَاتِ، ومَنْ أَخَذَ بالشُبُهَاتِ ارْتَكَبَ المُحَرَّمَاتِ وهَلَكَ مِنْ حَيثُ لا يَعْلَمُ”[4].

تظهر، بشكل أكثر وضوحًا، جهات تفضيل العقل على سائر ما قسم الله تعالى للعباد؛ فإنَّ اتِّباع الأنبياء والرسل، وتحقيق الامتثال الأعلى لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)[5]، هو عين قول العقل.

وأمَّا الثالث، فَكُلُّ عَمَلٍ يُؤتَى بِقَدَرِ ما يُدرِكُ العَقْلُ مِنْ أهميَةٍ لَهُ، وهذا حتَّى في غير الصالحات؛ فإنَّ المُجرِمَ الذي يُخلِص لإجرامه وما يحمل مع معتنقات فاسدة، يُجرِمُ باهتمامٍ وعِنَايَةٍ وطَلَبٍ للكمال في ما يرتكب من شرٍّ..

نلاحظ مدى العمق في قول أمير المؤمنين (عليه السلام): “إلهي، ما عَبَدتُكَ خَوفًا مِنْ عِقَابِكَ، ولا طَمَعًا في ثَوابِكَ، ولكِنْ وَجَدتُكَ أهلًا للعبَادَةِ فَعبَدتُكَ”[6].

لا شكَّ في استغناء المقام عن زيادة في البيان؛ فإنَّ هذه الدرجة العالية من المعرفة أوضح من أن تُبَيَّن، ونفيد منها ارتفاع فضل العبادة بقدر كمال العقل، وكلَّما ارتفعت فاضِلةً، كانت محلًّا لقبول الله تعالى ورضاه، فيكون صاحبها من المرضي عنهم عنده جلَّ في علاه، وهو القائلُ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ)[7]، فيتأكَّد قول العقل بالاتِّباع المُطلق للأنبياء والرسل (عليهم السلام). ومن المهمِّ أنْ نُشيرَ هنا إلى أنَّ العقلَ كلَّما كمُلَ، أتقن صاحبُهُ القياسَ على القواعد الكبرى وتفعيلها في عموم تعقُّلاته، فلا يضرُّه عدمُ علمِه بحيثيات الصغرى بعد ثبوتها صغرى، كما هو الحال في عدد الركعات أو أشواط الطواف، أو في تحريم ما ليس له فَلس من السمك، وما شابه ممَّا ستر الله تعالى ملاكاته الواقعية؛ والوجه في ذلك إرجاع العقل مثل هذه المظاهر العبادية إلى كبرى وجوب الطاعة لله تعالى لكونه اللهَ، وكذا في سائر ما لا يتمكَّن من تفسير مِلاكه والحِكمَة منه.. إنَّه التسليم المطلق عن فهمٍ ومَعرِفَةٍ، وهو حقًّا، شِراعُ النَجَاةِ في طمطَامِ الدنيا.

ثُمَّ أنَّ الإقبال على العبادَةِ دون تكلُّفٍ، والاهتمام بها عن حبٍّ وشعور حقيقي بكونها كمالًا إلهيًا للإنسان، دليلٌ على ارتفاع العقل في درجات الكمال. وفي المقابل فإنَّ التكلُّف في العبادة، وضعف الشعور بقيمتها الحقيقية إشعارٌ بضرورة مراجعة النفس والجد بصدق وإخلاص للارتقاء بالعقل وتقويته، وهذا ما سوف يتَّضح وتظهر وسائله عند التعرُّض لبعض الأحاديث قريبًا إن شاء الله تعالى.

بقي أمرٌ، وهو ما ذكره الإمام (عليه السلام) من أفضلية نوم العاقل وإقامته على سهر الجاهل وشخوصه، وهذا ما نحاول بحثه في المقال القادم إن شاء الله تعالى.

 

السيد محمَّد بن السيد علي العلوي

25 شعبان 1440 للهجرة

البحرين المحروسة

……………………………………………….

[1] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 1 – ص 26

[2] – الآية 40 من سورة النساء

[3] – الآية 7 من سورة الأحزاب

[4] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 1 – ص 68

[5] – الآية 59 من سورة النساء

[6] – بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج 41 – ص 14

[7] – الآية 119 من سورة التوبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *