الرئيسية / مقالات / الشُكرُ لفظًا وعملًا ll مقال لسماحة الشيخ محمَّد مسلم الصائغ

الشُكرُ لفظًا وعملًا ll مقال لسماحة الشيخ محمَّد مسلم الصائغ

بِسْم اللهِ الرّحمن الرّحيم
نطقت الآيات المباركة وتظافرت الرّوايات الشريفة بيانًا لسعةِ عظمة وكرامة شهر رمضان، واعتبرتهُ من أشرفِ الأزمنة وأنقاها، وأكثرها فضلًا؛ للأحداثِ الحاصلةِ فيه من جهة، وللإضافة من جهةٍ أخرى -باعتباره شهرُ الله بحسب بعض الرّوايات-، فذلك يعني أنّ ما نحنُ فيه من زمنٍ هو نعمةٌ إلهيّة تستدعي الحمدَ والثناءَ والشُكر.
تارةً يكون الشُكر لفظيًا كأن يقول المُنعَمُ عليه للمنعِمِ شكرًا لك أو الحمدلله كما ورد في الرّوايةِ عن حمّاد بن عثمان قال: خرج أبو عبد الله (عليه السلام) من المسجد وقد ضاعت دابّته فقال: لئن ردّها الله عليّ لأشكرنّ الله حق شكره. قال: فما لبث أن أُتي بها، فقال: الحمد لله. فقال له قائل: جعلت فداك أليس قلت: لأشكرنّ الله حق شكره؟ فقال أبو عبد الله عليه السلام: ألم تسمعني قلت: الحمد لله.، وتارةً يكون الشُكرُ عمليًا كأن يقومَ المُنعَمُ عليهِ بما يُحِبُ المنعِمُ ويمتنع عما يكره كأن يقي نفسه عن محارِم الله تعالى ما استطاع؛ لعلمه بمحبوبيّة ذلك، وكلاهُما مطلوبان بل لا يبعُد أفضليّة الثاني على الأوّل مع أهميّته ومطلوبيته؛ لجهاتٍ عدّة:
الجهة الأولى: صدق عنوان الشُكر على العمل لغةً كما ورد في قاموس المعاني؛ الشُّكْرُ : عِرفان النعمة وإظهارُها والثناء بها. فالمعنى غير ممتنع عن شموله للعمل؛ لأنّ الإظهار يكون باللفظ والعمل وبغيرهما أيضًا.
الجهة الثانية: كَوْنُ العملِ محقّقًا للملفوظ {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} التوبة ١٠٥ ، وهو محلّ نظر الله تعالى وعنايته.
الجهةُ الثالثة: تركيز الآيات والرّوايات على العمل، كما في قوله تعالى {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ} الزلزلة ٧..
و ورد عن الإمام الحسن المجتبى (عليه السّلام) أنّه قال في موعظته المشهورة لجنادة: إعمل لدنياك كأنّك تعيش أبداً، وأعمل لآخرتك كأنّك تموت غداً، وإذا أردت عزاً بلا عشيرة، وهيبة بلا سلطان، فاخرج من ذلّ معصية اللّه إلى عز طاعة اللّه عز وجل.
الحثُ على العمل يشيرُ إلى بعدٍ مهم وهو الثبوت، قيام الإنسان بعملٍ يكون ثابتًا في سلسلةِ حياته ومثبِتًا لما تلفّظ به.
لا يخفى أنّ التلفُظَ بنفسه عملٌ، ولكن المراد هو ترجمة معنى الشُكر إلى سلوكٍ وعمل، فذلك يكون أحفظ للملفوظ.
حفظ المعنى في قالب العمل مع عدم الغفلة عن اللّفظ والتلفظ؛ لأنه هو الطريق للعمل.
روى الشّيخ الصّدوق بإسناده عن عبد الرّحمن بن الحجّاج عن أبو عبد الله (عليه السلام)، أنّهُ قال: مَن سجد سجدة الشكر لنعمة وهو متوضئٌ كتب الله له بها عشر صلوات، ومحا عنه عشر خطايا عظام.
محمّد مسلم الصائغ
١ شهر رمضان المبارك ١٤٤٠ هـ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *