الرئيسية / مقالات / وعيُ المُؤمنين بمسألة (إثبات) الهِلال

وعيُ المُؤمنين بمسألة (إثبات) الهِلال

بدايةً، لا بدَّ لنا من شكر الله سبحانه وتعالى، والثناء على المؤمنين في مجتمعنا؛ لما وُفِّقوا إليه من فهمِ ووعي كبيرين بمسألة إثبات هلال الشهر الهجري، من حيث الاختلاف فيه لاختلاف المباني الفقهية، فبعد سنوات شهدنا فيها بينهم حالات من الاستياء، جاء اليوم الذي أصبحوا فيه على فهم متقدِّم بجهات المسألة، ويرجع الفضل في ذلك من بعد الله تعالى، للجهود التي بذلها، ويبذلها، العلماء والأفاضل في تثقيف الناس، ولنفس المؤمنين الذين يُبدُونَ دائمًا مستويات من الإيجابية في التواصل المعرفي مع العلماء. فالحمد لله ربِّ العالمين.

إنَّه مع هذه الأجواء المعرفية الجيدة، والمَرْضِيَّة، إن شاء الله تعالى، عنده سبحانه، لا زالت روحية التوفيق الطيبة عند بعض المؤمنين ترجو يومًا يتوحد فيه الجميعُ في إثبات الهلال، فيكون الصوم في يوم واحد، والعيدان كذلك، ولِجَدَارَةِ هذه النِيَّاتِ الصادقة بالاهتمام، رجوتُ توضيح مسألة (إثبات الهلال) بشيء من البسط؛ لعلِّي أساهم في رفع بعض الاشتباهات.

  • مَسْأَلَةُ المَبْنَى:

يَمْتَازُ فَهْمُ العُقَلاءِ بالتَّعَدُّدِ؛ بحسب تَعَدُّدِ المبَاني، وهذا في كلِّ ما يُتْرَكُ فَهْمُهُ للإنسان. من أمثلة ذلك تَرْكُ بعضُ الآبَاء أولادَهم الصغار ليخوضوا التجارب المعتادة دون تدخل منهم؛ و(مبناهم) جدوائية التعلُّم الذاتي من جهة الرسوخ واكتساب الخبرة، في حين يرى آخرون ضرورةَ مرافقتهم لأولادهم وحمايتهم من خوض التجارب التي قد يواجهون فيها مشاكل بمستوى معين، و(مبناهم) في ذلك حماية نفسية الولد من صدماتٍ قد لا يتحملها فتسبب له بعض الانتكاسات أو العُقد.

هذا أمرٌ طبيعيٌّ، نَجدُهُ في مختلف مجالات الحياة، إلَّا أنَّ عامَّة الناس لا يلتفتون إلى أنَّ الموجِّه للفكر والسلوك في حياتهم يسمَّى (مبنى)؛ كونه ما يقوم البناء على أساسه وفي حدوده.

يَتَمَيَّزُ العُلماءُ بالدقة في تحديد مبانيهم العلمية، فالعَالِمُ لا يُحدِّدُ مُخْتَارَهُ قبل مناقشة كافَّة المباني، بل وافتراض ما أمكن افتراضه منها، مناقشةً تستوعبُ مبادِئها وطُرُقَ الاستدلال عليها، هيئةً ومادَّةً، لذا، نرى أنَّ الفقيه بالكاد يُنهي، على مدى سنوات عمره، دورةً أو دورتين في خارج الأصول والفقه!

  • اختلاف المباني في مسألة الهِلال:

قبل الشروع في توضيح جهات الاختلاف، يجدر بنا التقديم ببيان حول الأحكام الشرعية المستنبطة بالإعمال الصناعي.

عندما يُفْتِي الفقيهُ، فهو في الغالب (يدَّعي) أنَّ ما انتهى إليه هو الواقِع المُنكَشِف بحسب استدلالاته القائمة على مبانيه العلمية الخاصَّة، وبذلك تكون ممارسة الاستنباط متوسطة بين الحكم كما هو في الواقع ونفسه الأمر، وبين (ادِّعاء) انكشافه.

إنَّ لخصوصية (الادِّعاء) دور جوهري في عدم مخالفة الفقيه لمبانيه العلمية؛ إذ أنَّها المُحقِّقة للمعذرية بالنسبة إلي. وبعبارة واضحة:

عندما ينكشف، بين يدي الله تعالى، خطأ الفقيه في ما انتهى إليه، فإنَّه يقول مُعتذِرًا بمسلكه العلمي: اجتهدتُ حتَّى تقرَّر عندي المبنى الكذائي، وعلى وفقه كانت الفتوى. وبذلك يكون معذورًا؛ فالخطأ لا يُفقِدُ الطريقَ علميته، ولذلك كان تميُّز الفقهاء عن غيرهم من سائر طلبة العلم، فضلًا عن المثقفين وأصحاب الاطِّلاع.

إذا اتَّضح ذلك، فليس من الصحيح، مجرَّد التفكير، في توحيد الفقهاء على مبانٍ واحدِة، إلَّا أن يُلغى أصل حجية الظواهر من رأس، أو أن يُنتهى إلى عدم انحصار المعذرية الخاصَّة في ما ينتهي إليه شخص الفقيه، فيجوز حينها أن يُفتي بحسب مباني غيره من الفقهاء. وهذا باطل بلا كلام؛ لمخالفته ضرورة الاجتهاد الفقهي.

كما وأنَّ التخلِّي عن المبنى يعني انتقاضَ كل ما قال به بناءً عليه. لذا، فالمناقشة ليست في طريق الاستلال، بل في مباني الاستدلال.

ومن جهة أخرى، فإنَّ مِلاك الحكم قد يكون ناظرًا إلى موضوع خارجي، كما في الصدقةِ التي يفعلها الناس قبل الإسلام، ثُمَّ تأكَّد استحبابها شرعًا لما فيه من مصلحة، وقد يكون التشريع لأمر يُرادُ تحقيق مِلاكه في الخارج، كما في الصلاة والصوم، وسائر العبادات.

في المسألة التي نتعرَّضُ إليها في هذا المقال، وهي مسألة الطريق إلى إثبات الهِلال، من الواضح أنَّ الحكم فيها غير ناظر إلى مصلحةٍ في توحد المؤمنين في يوم واحد يُعَيِّدُونَ فيه، ولا إلى أن تكون فرحتُهم بالعيد في يوم واحد لا يومين؛ إذ لم ترد نصوصٌ تشير إلى هذا المعنى، لا على وجه الخصوص، ولا في عمومات حاكمة، وبذلك، ثبت أنَّ المِلاك في وجود الهِلال، إمَّا بقيد “الرؤية“، أو مُطلقًا، كما سيتَّضح قريبًا إن شاء الله تعالى.

الآن..

قال الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث (خِصَالٌ من شرايع الدين)[1]: “وصيام شهر رمضان فريضة يُصَامُ لرؤيته ويُفْطَرُ لرؤيته”[2].

وعنه (عليه السلام) قال: “صُمْ لرؤية الهلال وأفطرْ لرؤيته، فإنْ شهد عندك شاهدان مرضيان بأنَّهما رأياه فاقضه”[3].

وقال (عليه السلام): “في كتاب عليٍّ (عليه السلام): صُمْ لرؤيته وأفطرْ لرؤيته، وإيَّاك والشك والظن؛ فإنْ خَفِيَ عليكم فأتِمُّوا الشهر الأوَّل ثلاثين”[4].

لقد تواترت الأحاديث الشريفة في خصوص (صوموا وافطروا “لرؤيته“)، وظاهر “لرؤيته” دوران الأمر بين وجود الهلال وعدمه بقيد (الرؤية)، لا بين الوجود وعدمه مطلقًا، فمن بنى من الفقهاء على هذا الظهور انتفى عنده بحث إمكان الأخذ بالحساب الفلكي، إلَّا من جهة تحديد الوجود بقيد إمكان (الرؤية)، كما ذهب إليه بعضُهم.

قال آخرون بعدم وجود خصوصية لـ”الرؤية“، وإنَّما جاءت في لسان الأحاديث الشريفة لانحصار الإثبات فيها حينذاك، ولنفس السبب كان الدوران بين الإثبات وعدمه، وإلَّا فالوجود فردٌ أتم، يتعين بحصول الطريق إليه، فقالوا بطريقيةلرؤيته” لا بموضوعيتها؛ أي أنَّ المطلوب هو إحراز الوجود بأي طريق علمي معتبر دون تقييد بـ”الرؤية“.

انقسم الفريق الأوَّل من حيث أداة “الرؤية” إلى من قال بانحصارها في العين المجرَّدة؛ كونها الفرد المتيقن، وإلى آخر قال بعدم الفرق في الإثبات بين العين المجرَّدة وبين العين المُسلَّحة، فانتهى إلى كفاية العين المسلَّحة عن العين المجرَّدة.

وكذا انقسم من حيث أُفق “الرؤية” إلى من قال بالأفق المشترك بقيد القرب، وآخر قال بتعدُّدها مطلقًا بضابطة الاشتراك ولو في جزء من الليل.

المُتحصلُ، إلى هنا، أمران:

الأوَّل: دوران الحكم بين الوجود والعدم بقيد “الرؤية“، أو بين الوجود والعدم مطلقًا.

الثاني: موضوعية وطريقية “الرؤية“.

ينبغي هنا الالتفات جيِّدًا إلى أنَّ هذه الاختلافات في الآراء العلمية أمرٌ طبيعي جدًّا، وهو، علميًا، موجود في مختلف ميادين الإعمالات الفكرية.

تقريب توضيحي..

عندما يقول المعصوم (عليه السلام): “يُصَامُ لرؤيته ويُفْطَرُ لرؤيته”، فمن الفقهاء من تقتضي مبانيه الفكرية عدم تجاوز الفرد المتقين، وهو بكلِّ وضوح: الرؤية بالعين المجرَّدة في بلد التكليف. ويقول: لا أتمكَّن من التوسُّع في غير هذا الفرد دون دليل صحيح.

ومِنَ الفُقَهَاء من تكون مبانيه الفكرية على اتِّساع الأفراد المنُاسِبَة باتِّساع الخيارات، فيكون من ذلك الانتقال من الفرد الذي يراه الفريق الأوَّل متيقَّنًا إلى غيره من الأفراد التي تُحقِّق النتيجة التي يُحقِّقها الفرد المتيقن.

وهناك من يرى أنَّ في قوله (عليه السلام): “صوموا لرؤيته” خطاب بتكليف الجميع عند الثبوت الشرعي في مطلق البلدان التي يصدق عليها الاشتراك في الآفاق..

نلاحظ أنَّ الدليل واحِدٌ، يختلف فهمه بحسب المباني الفكرية الحاكمة في مختلف الموارد، ما يعني أنَّ الأمر لا يتعلَّق بخصوص مسألة الهِلال، بل أنَّ مسألة الهِلال موردٌ من موارد تطبيق تلك المباني الفكرية العامَّة، وهي ممَّا لا يصحُّ العمل بغيرها مع القول بصحتها. لذا؛ فإنَّ المطالبة بالوحدة في فهم الدليل مطالبة غير علمية على الإطلاق.

يُقال: لِمَ لا يجتمع الفقهاء في مباحثات علمية للتقريب بين المباني والآراء؟

فيُقال: أوَّلًا: يُناقِشُ الفقهاء مختلف المباني، بل ويفترضون ما يمكن فرضه منها، ولا ينتهي الفقيه إلى المُختار إلَّا من بعد المناقشة العلمية الجادَّة. وهنا لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ لنفس النشأة الثقافية والفكرية للفقيه دخالة في بناءاته الفكرية، وهو أمر طبيعي جدًّا، إن استوعبناه كما ينبغي سوف نقف على تركُّب المباني العلمية من مجموعة عناوين، منها عنوان المناشيء والخلفيات الثقافية والفكرية، ولذلك نرى اختلافًا في الأفهام وطبيعة المباني بين الفقيه البحراني والآخر اللبناني، وبين الفقيه النجفي ونظيره الكربلاء، وبين فقيه قم وفقيه مشهد وطهران..

لا شكَّ في أنَّ هذه الاختلافات طبيعية في أُطِر الحدود العلمية، ولا شيء منها يُؤسِّسُ إلى فقه جديد. فالأمر طبيعي، بل هو طبيعي جدًّا، وينبغي فهمه واستيعابه بكلِّ أريحية وتعقُّل.

ثانيًا: المناقشات العلمية لا تعني، ولا هي علَّة لتوحيد المباني، بل هي طريق لتعميق الفهم، وحينها، لو تمسَّك فقيهان كلٌّ بمبناه، فهذا لا يعني أنَّ المناقشة لم تُنتج خيرًا، بل كلُّ الخير في فهم الآخر واستيعابه استيعابًا علميًا راقيًا. لذا، فإنَّ بقاء الفقيه وتمسكه برأيه لا ينقض احترامه للرأي الآخر وعلميته.

  • كلمات ضعيفة:

يتحدَّث بعضٌ، أحيانًا، بكلام غير مفهوم!

يقولون، مثلًا: كيف تطالبون المسلمين بوحدة الكلمة، وهم لم يتمكَّنوا من توحيد كلمتهم في الهِلال؟!

فأقول: وما العلاقة بين إثبات الهِلال، وبين وحدة الكلمة؟!

ومن قال بأنَّ الكلمة لا بدَّ ان تكون واحدة؟ بل ومن قال بأنَّ الصلاح في وحدة الكلمة؟

هي ليست أكثر من مفاهيم استُغِلَّ جمالها وبديع رونقها في الضغط الثقافي والفكري على الأفهام، فذهب البعض، وربَّما الكثير، إلى الجري وراء ما لا يُدْرَك إلَّا عند مرور تلك اليد الكريمة على الرؤوس فتكتمل فيها العقول. عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: “إذا قَامَ قَائِمُنَا وَضَعَ اللهُ يَدَهُ على رُؤوسِ العِبَادِ فَجَمَعَ بِهَا عُقُولَهُم وكَمُلَتْ بِهِ أحْلَامُهُم”[5].

إنَّه بعد ما تقدَّم، نحن في حاجة إلى أن نفهم جيِّدًا ما يُنتِجه احترام الآراء العلمية وتقبُّلها من قوَّة ومنعة، وأنَّ اختلاف الآراء ليس ضعفًا، ولا هو من مُسبِّبات الضعف، ولذا قال العقلاء بضرورة التوافق، لا الاتِّفاق، مع التأكيد على ضرورة التحدُّد العلمي.

من تلك الكلمات أيضًا، قولهم: كيف أنَّ الهِلالَ واحِدٌ ويُختَلَفُ في رؤيته؟

أقول: لسنا في حاجة للردِّ على هذه المقولة أو مناقشتها، فعقول المؤمنين أرقى وأجلُّ من أن نُضيع وقتها معها أو مع مثلها من الأقوال الضعيفة..

في الختام.. أقول:

عندما نضعُ الأمُورَ في حجمِها الطبيعي، فإنَّنا نكون حينها أقرب إلى التعامل معها بحكمة. ومن ذلك مسألة الاختلاف في إثبات خصوص هلال شهري رمضان وشوَّال، وكذا هلال ذي الحجَّة، فببساطة شديدة، يبدأ المؤمنون صيامهم في أيَّام مختلفة بحسب اختلاف المباني الفقهية، وبالنسبة للعيد، فلا مشكلة على الإطلاق في إظهار الصائم للفرح والسرور بين من ثبت عندهم هلال شوَّال، فيتواصل معهم ويزورهم، دون ان يأكل أو يشرب، ومن عَيَّدَ في اليوم الأوَّل يجدِّد فرحة العيد في اليوم التالي مع إخوانه ممَّن ثبت عندهم. وها هو النضج الثقافي والأدبي في مجتمعنا العزيز يظهر بوضوح في الإعلان عن صلاة العيد في مختلف المناطق بحسب ثبوت الهلال، فيُصلِّي مؤمِنون صلاة العيد جماعة في اليوم الذي ثبت عندهم الهِلال بحسب مبنى من يرجعون إليه في تقليدهم الفقهي، ويصلِّي مُؤمنون في اليوم التالي لثبوت الهِلال بحسب المبنى الفقهي لمرجع تقليدهم. وإن وقع شيءٌ من التنازع والاستياء، فعلى العقلاء، وفي مقدمتهم العلماء وطلبة العلوم الدينية، التصدِّي لرفع المستويات الثقافية بما يدفع مثل ذلك ممَّا لا يُناسب المؤمنين وعقولهم الراجحة.

أعتقد بأنَّنا في حاجة إلى روحية وسعة صدرٍ عاليتين، حتَّى نفهم الواقع ونستوعب جمال فهم الاختلافات الطبيعية، فنتعامل معها بحكمة وهدوء وأريحية.. نحتاج إلى ذلك في مختلف نواحي الحياة، ولا يصحُّ السماح لأجواء النزاع بأن تكون بين المؤمنين.

 

والحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، محمَّدٍ وآله الطاهرين.

 

السيد محمَّد بن السيد علي العلوي

6 شوَّال 1440 للهجرة

البحرين المحروسة

………………………..

[1] – بحسب عنونة الشيخ الصدوق (علا برهانه)

[2] – الخصال – الشيخ الصدوق – ص 606

[3] – الاستبصار – الشيخ الطوسي – ج 2 – ص 64

[4] – المصدر السابق

[5] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 1 – ص 25

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *