الرئيسية / مقالات / الحِجَامَةُ و(البَحْثُ العِلمِي)

الحِجَامَةُ و(البَحْثُ العِلمِي)

جاءت التشريعات الإلهية على وفق غاياتٍ وأغراضٍ لا يمكن للإنسان القطع بعناوينها ما لم يُنصُّ عليها في الكتاب العزيز أو الحديث الشريف، كما وأنَّ ورود النص لا يعني انحصار المِلاك فيه ما لم يُصرَّح بذلك. قال الله تعالى: (اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ)[1]، فظهر أنَّ مِن النتائج المرجوة من الصلاة نهيها من يقيمها عن الفحشاء والمنكر، إلَّا أنَّها لا تدل على الانحصار فيها. فلا يقول قائلٌ: وصلتُ بعد مجاهدة النفس إلى درجات عالية من البُعد عن الفحشاء والمنكر، وبذلك تجاوزتُ مرحلة التزام الصلاة الناهية!

كما وأنَّ الذي يشرب الخمر ويزني ويمارس أبشع الفواحش وأشد المنكرات قبحًا مخاطبٌ بالصلاة؛ فكونه من عتاة العصاة والمذنبين لا يعني أنْ لا يُصلِّي، بل هو إن لم يحصل على ثواب امتثال الواجب، فلا أقل يكون قد فعل ما يحقِّق الإجزاء، فتفرغ ذمته من عهدة التكليف.

إذا اتَّضح ذلك، فليكن من أهم ما نتمسك بحضوره في أذهاننا دائمًا التزام الامتثال لمجرَّد الامتثال دون ملاحظة أي أمر آخر، وهذه فضيلةٌ عالية تعمُّ كُلَّ ما ثبتتْ محبوبيته لله تعالى، واجبًا كان أو مستحبًا، أو ممَّا فعله المعصوم (عليه السلام) بشيءٍ من الإقبال دون تصريح بِحُكْمِهِ. وكذا ينبغي أن نحافظ في أذهاننا على حضور أمر آخر في غاية الأهمية، وهو أن استناد وقوع الضرر، غير المُحتَمل، إلى أمرٍ فَعَلَهُ المُؤْمِنُ لكونه ممَّا وردت محبوبيته في إسلامنا العظيم لا يُسَوغ، على الإطلاق، الإقدام على مراجعة مشروعيته، بل أنَّنا نُرَجِّحُ قويًّا تضاعف الثواب على الفعل الوارد في الشرعية الغرَّاء عند وقوع ضررٍ يستند إليه. فتأمَّل جيِّدًا..

انتشر قبل أيَّام تصريحٌ لعضو مجلس الشورى البحريني الطبيب أحمد العريض بعدم وجودَ دليلٍ طبي على فوائد للحجامة. قال: “إنَّ الدراسات الأوروبية والأمريكية والعربية المعتمدة لم تُثبِتْ فَائِدَةً واحِدَةً للحِجَامَةِ، فالحجامة والكي والفصد أساليب قديمة اسْتُخْدِمتْ قَبْلَ مُمَارَسَةِ الطِبِّ التجريبي الحديث”[2].

وعلى ضوء هذا التصريح توالت ردود الأفعال بين موافق ومخالف، وبين مؤيِّد وناقض، فظهر انحصار شريحة من المجتمع في عقلية افتراض مِلاكات والبناء عليها! وغالبًا ما تكون ملتصقةً التصاقًا شديدًا بالدنيا ومصالح العيش، في حين أنَّ المِلاك الأعلى والمصلحة الأسمى هي الامتثال، مجرَّد الامتثال، بعد ثبوت النص الشرعي، مع قطع النظر تمامًا عن وجود مصلحة أخرى ترتبط بمعاشنا في الدنيا أو لا، بل وليس بالضرورة وجود غاية معنوية أو روحية أو ما شابه. فما نُؤكِّدُ عليه تأكيدًا قويًّا هو كفاية الفعل لمجرَّد ثبوت ورود الموضوع.

قال الطبيب العُرَيض أنَّ الدراسات العلمية “لم تُثبِتْ فَائِدَةً واحِدَةً للحِجَامَة”، ونحن نقول:

فلنفترض أنَّ الدراسات العلمية أثبتت الضرر من الحجامة، فإنَّنا، وبِكُلِّ وضوح، لن نُقدِّم نتائج هذه البحوث على نصوص قد ثبت صدورها عن أهل بيت العِصمَة (عليهم السلام)، خصوصًا وقد اعتدنا، بما لا يدع مجالًا للشك، على انتقاض نتائج البحوث العلمية التجريبية ببحوث علمية تجريبية أخرى.

إنَّنا، ولا شك على الإطلاق، نحترِمُ البحوث العلمية ونعمل بحسبها، ولكن ما لم تُعارَض بنصوص ثابتة في إسلامنا العظيم؛ فإنَّ غاية المؤمن رضا الله تعالى يوم يقوم الحساب، وعندها سوف يتساوى في الوجود هناك كلُّ من يقف بين يدي الله تعالى، سواء كان قد رحل عن هذه الدنيا مقتولًا أو في حادث سيارة، أو بسكتة قلبية على سرير نومه، وهذا ما يحتاج منَّا إلى تأمُّل جاد؛ إذ أنَّ الجزاء هناك على قدر قوَّة المؤمن في الامتثال والانتهاء الشرعيين.

إنَّ ما تفضَّل به الطبيب العُريض يُوَاجَه بطوفان عظيم من الردود النقضية المجتمعة في مُشتَرَكِ ما أثبتته البحوث العلمية الكثيرة والمتواترة من أضرار قاتلة ومدمرة للتكنلوجيا والتطور في مختلف الميادين، من الأجهزة الإلكترونية إلى مصانع النفط والأسلحة والغاز والألومنيوم.. بل وحتَّى مصانع الأدوية الطبية!! والمباني الإسمنتية والشوارع والأرصفة!!

فبالله عليكم، هل تُقاس قواتل ومهلكات ما تُنتجه التطورات العلمية من تلوث عالمي تجاوز غلاف الكرة الأرضية ليُنْزِل ضَرَرَهُ هناك حيثُ لا نحيط به علمًا، بما يُحتمل ضرره من الحجامة؟!

هل نسمع تصريحات (علمية) تدفع الإنسان نحو النأي بنفسه عن ما سبَّب له الأمراض والعاهات والتشوهات؟ أوليس ذلك إلَّا مصانع التطور (العلمي)؟

قال الله تعالى (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)[3]

لن أطيل في النقض؛ إذ أنَّ غايتي من كتابة هذه المقال التأكيد بكلِّ قوَّة على أنَّ ميزاننا الأوحد مطلقًا، هو النص الشرعي، لا غير. فمتى ما ثبت وروده امتثلناه، مع القدرة، وجزاؤنا حينها على الله تعالى.

بالمناسبة.. ذهبتُ عصر اليوم، مع بعض الأحبَّة، للاحتجام عند أحد الحجَّامين من حملة الرُخص الرسمية، وقد تحدَّثنا في أنَّ الغاية من احتجامنا هي لأنَّ الحجامة سُنَّة ثابتة عن الرسول الأكرم (صلَّى الله عليه وآله)، فنحن نحتجم قربة إلى الله تعالى وتأسيًّا بأهل بيت العِصمَة (عليهم السلام)، وهذا فقط، سواء ترتبت على الحجامة فوائد صحية أو لا، يرجحُ في الميزان على كلِّ مصالح الدنيا.

أختم بحديث عظيم..

عن زرارة بن حمران، قال: “كان يُجَالسُنَا رَجُلٌ من أصحابنا، فلم يَكُنْ يسمع بحديثٍ إلَّا قال: سَلِّمُوا، حَتَّى لُقِّبَ فَكَانَ كُلَّمَّا جَاءَ قالوا: قَدْ جَاءَ سَلَّمْ. فَدَخَلَ حَمْرَانُ وزرارَةُ على أبى جعفر (عليه السلام)، فقال: إنَّ رَجُلًا من أصحابنا إذا سمع شَيئًا مِنْ أحَادِيثِكُم قال: سَلِّمُوا، حَتَّى لُقِّبَ وكان إذا جاء قالوا: سَلَّم.

فقال أبو جعفر (عليه السلام): قَدْ أفْلَحَ المُسَلِّمُونَ؛ إنَّ المُسَلِّمِينَ هُم النُجَبَاءُ”[4].

ونحن، بحول الله وقوته، نُقيِّمُ الواقع الخارجي بميزان الثقلين المقدَّسين، وحاشا الله تعالى أن نُحكِّمَ الواقع الذي يصنعه الإنسان على النصوص الشريفة.

قال أحَدُ الأحبَّةِ من ذوي العقول الراجحة: “واللهِ، لو تمكَّنوا من تصنيع الحجامة وتعليبها، لكانت بحوثهم العلمية على تزكيتها وإثبات فوائدها التي قد تصل إلى حد القول بأنَّ الحجامة بابٌ من أبواب الجنَّة!!

 

السيد محمَّد بن السيد علي العلوي

20 شوَّال 1440 للهجرة

البحرين المحروسة

…………………………………

[1] – الآية 45 من سورة العنكبوت

[2] – صحيفة الوطن البحرينية https://alwatannews.net/article/834347 بتاريخ يوم الجمعة 21 يونيو 2019 للميلاد

[3] – الآية 41 من سورة الروم

[4] – بصائر الدرجات – محمد بن الحسن الصفار – ص 543

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *