الرئيسية / مقالات / بين الكعبة والمحراب..أنت

بين الكعبة والمحراب..أنت

كان من المفترض أن تبقى في دارها بين العارفات بقضايا الحمل والولادة، ولكنها خرجت ولم تقصد بيتاً لقابلة أو غير ذلك بل توجهت نحو امتداد النور من البيت المعمور وهو بيت الله العتيق (شرفنا الله بزيارته في هذا العام وفي كل عام).

وهناك، حيث لا يراها أحد ولا ترى أحداً اتصلت الأنوار وتعانقت لتعلن قدسية جديدة على أهل الأرض حملها وجود علي بن أبي طالب (صلوات الله وسلامه عليه) فكانت البركات من البيت الحرام تقطع أوصال أيام هذه الدنيا الدنية لتلتقي بمحراب عاصمة الخلافة العلوية في مسجد الكوفة رافعة راية الدم الأقدس هداية لكل من أرد الله (تعالى) وسيفاً في وجه كل من جار وتجبر.

إنه عليٌ (عليه الصلاة والسلام) الذي تجلت فيه أسمى وأرقى وأكمل وأتم معاني العبادة الخالصة والصادقة لله (جلَّ قدره) عندما امتد علياً من بيت الله الحرام إلى محراب الصلاة في مسجد الكوفة، وفي مسيرة العطاء هذه يسجل عليٌ (صلوات الله وسلامه عليه) مواقف ثلاثة لا أراها إلى حجج بالغة علينا، فتأملوا جيداً أيها الأحبة:

الموقف الأول: عندما بات عليٌ (صلوات الله وسلامه عليه) في فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليلة الهجرة المباركة إلى المدينة المنورة، وفي مبيته ذاك تقديم الدين على كل غال ونفيس، فقد كان مستعداً للتضحية بنفسه الطاهرة في سبيل إنقاذ الإسلام من بين أنياب الشرك القرشية.

الموقف الثاني: من بين عشرات (الشوارب) يصر الفتى اليافع عليٌ (عليه الصلاة والسلام) على البروز لعمرو بن ود العامري الذي يخافه العرب والعجم، وما إن برز وأردى العامري قتيلاً حتى صاح رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأن ضربة عليٍ (عليه الصلاة والسلام) تعدل عبادة الثقلين، والمعنى واضح هو أن لولا ضربة علي (عليه الصلاة والسلام) لما عُبد الله (تعالى)، فعلي هنا في كفة ميزان الإسلام برمته.

الموقف الثالث: وأي موقف أكثر صدقاً وإخلاصاً وإيثاراً من أن يصبر عليٌ على ضرب بضعة رسول الله (صلوات الله وسلامه عليه وآله) وعصرها بين الباب والحائط؟

ولكن، من أجل الدين وبقاء راية لا إله إلا الله، محمد رسول الله، صبر عليٌ وبقى على طريق التضحية بلا حدود من أجل إسلام محمد (صلى الله عليه وآله)، ومن نتائج رباطة جأشه (عليه الصلاة والسلام) أننا اليوم هنا على وجه البسيطة نصرخ في كل مكان بالحق الذي قاتله الحقد والشر والباطل منذ رحيل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحتى يظهر القائد المظفر (عجل اللهم فرجه الشريف) ليملئها قسطا وعدلها كما ملئت ظلما وجوراً.

بين بيت الله ومحراب مسجد الكوفة ترك لنا علي بن أبي طالب (عليه الصلاة والسلام) بنى لنا عليٌ (عليه الصلاة والسلام) ملايين المساجد لنملئها نوراً كما تشرف بيت الله العتيق بنور علي (عليه الصلاة والسلام) وإلا فدونها دمائنا كما قدس دم عليٍ (عليه الصلاة والسلام) محراب الصلاة.

هل نتأمل هذه المسيرة العلوية المباركة فنتعلم كيف نستنهض أرواحنا الولائية فنجعل المساجد كخلية النحل التي لا يهدأ عمارها؟

أمانة في أعناقنا هذه المساجد –أيها الأحبة- فلنتعاهد على إعمارها بالصلاة والدعاء والدرس والمحاضرة والندوة، فمساجدنا هي أنديتنا، وبها فخرنا وعزنا.

السيد محمد علي العلوي

16 رجب الأصب 1430هـ

9 يوليو 2009

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *