الرئيسية / مقالات / دَورُ الإجَازَاتِ الرِوَائِيَّة في وَعي وحِفْظِ وصِيَانَةِ العِبَاد

دَورُ الإجَازَاتِ الرِوَائِيَّة في وَعي وحِفْظِ وصِيَانَةِ العِبَاد

مقدمة:

عُرِّفَتْ الإجازة في الرواية بأنَّها: “الكلامُ الصَادِرُ عَنِ المُجِيز، المُشْتَمِل على إنشائه الإذن في رواية الحديث عنه، بعد إخْبَارِهِ إجْمَالًا بمروياته، ويُطْلَقُ شَايعًا على كتابة هذا الإذن المشتملة على ذكر الكُتُب والمصنفات التي صَدَرَ الإذنُ في روايتها عن المجيز إجمَالًا أو تَفْصِيلًا، وعلى ذكر المشايخ الذين صدر للمجيز الإذنُ في الرواية عنهم، وكذلك ذكر مشايخ كلِّ واحدٍ من هؤلاء المشايخ طبقةً بعد طبقةٍ إلى أن تنتهي الأسَانيدُ إلى المعصومين (عليهم السلام)”[1].

لا يعني ذلك أنَّ من لا يُجازُ في الرواية يُمْنَعُ منها، إلَّا أنَّ الاعتبار العلمي للمُجَاز؛ فهو من جهةٍ قد حاز على ثقة من أجازه، ومن جهةٍ أُخرى يكون حضورُه بين الخاصَّة والعامَّة حضورَ مُتحمِّلٍ ضابطٍ للحديث الشريف، فيكون مُلمًّا بحيثياته التي لا يقف عليها العالِمُ ما لم يُحِط بالأحاديث الشريفة إحاطة دراية وفهم وضبط، وما لم يُقابِل بين النُسخ ويكون ذا قدرة على ترجيح الوجوه، خصوصًا عندما يتردَّد اللفظ الحديثي بين احتمالين أو أكثر.

مِثال:

روى الكليني (طاب رمسه) “علي بن إبراهيم، عن محمَّد بن عيسى بن عبيد، عن يونس[2]، عن هشام بن سالم، قال:

سَألَ خَطَّابُ الأعورِ أبا إبراهيم (عليه السلام) وأنا جَالسٌ، فقال: إنَّه كانَ عِنْدَ أبي أجِيرٌ يَعْمَلُ عِنْدَهُ بالأجر فَفَقَدْنَاهُ، وبَقِيَ لَهُ مِنْ أجْرِهِ شَيءٌ، ولا نَعرِفُ له وَارِثًا.

قال: فاطلبوه.

قال: قد طلبناه فلم نجده.

قال: فقال: مساكين، وحَرَّكَ يَدَيه.

قال: فأعَادَ عليه.

قال: اطلبْ واجهدْ، فإنْ قَدَرْتَ عَليهِ وإلَّا فَهُوَ كسبيل مَالِكَ حَتَّى يَجِيءُ لَهُ طَالِبٌ، فإنْ حَدَثَ بِكَ حَدَثٌ فَأوصِ بِهِ إنْ جَاءَ لَهُ طَالبٌ أنْ يُدْفَعَ إليهِ”[3].

وقال الشيخُ الصدوقُ (طاب رمسُه): “رَوَى صفوانُ بن يحيى، عن عبد الله بن جندب، عن هشام بن سالم، قال:

سَألَ حفصُ الأعور أبا عبد الله (عليه السلام) وأنا حَاضِرٌ، فقال:

كان لأبي أجيرٌ، وكان له عنده شيءٌ، فهلك الأجيرُ، فلم يَدَعْ وارِثًا ولا قَرَابَةً، وقد ضقتُ بذلك، كيف أصنع؟

فقال: رابَكَ المسَاكين [رابك المساكين].

فقلتُ: جُعلتُ فداك، إنِّي قد ضقتُ بذلك، كيف أصنع؟

فقال: هو كسبيل مالِكِ، فإنْ جَاءَ طَالِبٌ أعطيتَهُ”[4].

وقال الشيخ الطوسي (طاب رمسُه): “عنه[5]، عن محمَّد بن زياد، عن هشام بن سالم، قال:

سَألَ حفص الأعور أبا عبد الله (عليه السلام) وأنا عِنْدَه جَالِسٌ، قال:

إنَّه كان لأبي أجيرٌ كان يقوم في رحاه، وله عندنا دراهم وليس له وارثٌ.

فقال أبو عبد الله (عليه السلام): تدفع إلى المساكين.

ثُمَّ قال: رأيك فيها. ثُمَّ أعاد عليه المسألة، فقال له مثل ذلك. فأعاد عليه المسألة ثالثة، فقال أبو عبد الله (عليه السلام):

تطلب له وارثًا، فانْ وجدتَ له وارثًا وإلَّا فهو كسبيل مالِكِ.

ثُمَّ قال: ما عسى أن تَصْنَعَ بها؟ ثُمَّ قال: تُوصي بها، فإنْ جَاءَ لها طَالبٌ وإلَّا فهي كسبيل مالِكِ”[6].

روى هذا الحديث الشريف، بحسب هذه الموارد الثلاثة، ثلاثةٌ عن هشام بن سالم، هم: يونس بن عبد الرحمن، وعبد الله بن جندب، ومحمَّد بن زياد، فيما اختلفت ألفاظه وتراكيب جمله كما هو واضح. هذا والحال أنَّ الظاهر كون الحادثة واحدة.

المشكلة التي نواجهها بشكل عام، أنَّ مثل هذه الأحاديث، وهي كثيرة في كتبنا، لا تحظى بالعناية التحقيقية اللازمة ما لم تكن من أحاديث الأحكام. ولا أقصد هنا الكتب المُحقَّقة، بل أقصد دخول التحقيق في تكوين شخصية طالب العلم، وهذا هو المهم، بل هو الأهمُّ من تحقيق الكتب تحقيقًا تخصُّصيًّا أكاديميًا، وهو ما يُفسِّرُ قولنا بأنَّ الغاية من الإجازة في الرواية ليست حفظ الكتب وضبط أحاديثها فحسب، فهذه ليست إلَّا واحدة من غايات أخرى تدخل في صُلب تكوين الشخصية العلمية النوعية لطالب العلم.

هناك عمل تحقيقي جادٍّ في مراكز ومؤسسات تخصصية على مستويات عالية من العلمية والتقنية، إلَّا أنَّ هذا لا علاقة له بما نحن فيه؛ فالذي نسعى إلى توضيحه في بعض جوانب هذه المقالة هو حاجة طالب العلم إلى النشوء العلمي على أسس تحقيقية تُكَوِّنُ عقليته، فلا يقتصر مع هذه العقلية على تحقيق كتب الحديث، بل يتوسَّع إلى سائر الكتب الدراسية، وخصوصًا الفقهية منها.

ثَمَّة مشكلة أخرى تعرض هنا، فالإحاطة العلمية المطلوبة قد تُدَّعى بحفظ وتكرار بعض الأقوال المنقولة عن أهل السبر والتحقيق، وهذا مُشكِلٌ عظيم، تدفعه، إلى حدٍّ جيِّد، الإجازةُ في الرواية.

فلنتأمَّل جيِّدًا..

في إجازة الشيخ محمَّد بن أبي جمهور الأحسائي للسيد الفاضل محسن الرضوي في رواية كتابه (غوالي اللئالي)، قال:

“وقد أجزتُ له الكتاب المذكور وجميع ما هو فيه مزبور ومسطور بطريق السماع منِّي..” إلى أن قال: “وكان سماعه سماع العالم العارف، وتلقيه له تلقي الفاهم الواقف على ما اشتمل عليه من أسرار الروايات الصادرة عن أطايب البريات..”، وقال: “وقد سأل وقتَ سماعه منِّي وروايته عنِّي عن جميع مشكلاته وفحص بذهنه الذكي عن سائر معضلاته ومبهماته، فأجبتُه عن كلِّ ما سأل عنه وفحص عن معناه بجواب شاف، وأوضحتُ له ما تغطَّى عليه بإيضاح حسن واف، وبينتُ له ما خفي منه ببيان كامل ضاف..”[7].

لقد حقَّقتْ هذه الإجازة جانبًا مهمًّا من الاعتبار الضروري لشخصية المُجَاز، ناهيك عن ما تُظهره من علو كعب المُجِيز وهيمنته العلمية الحقيقية على ما أجاز فيه، وكلُّ هذا ينعكس فوائدَ مهمَّة وخصالَ حسنة في المجتمع.

قال الشيخ علي بن الشيخ حسن البلادي البحراني (علا برهانه): “حدَّثني بعضُ الصالحين الثقات من أهل البحرين عن سلفهم الأقدمين، أنَّه كان في الزمن القديم في البحرين أنَّ الرجل من أهل السوق والتجَّار يكون عنده العبد المملوك فيراه ليلة من الليالي ربَّما غفل عن صلاة الليل لنومٍ أو غفلةٍ، فيُصبِح ويأمر الدلَّال أن يبيعه، فيقول له جيرانُه من أهل السوق: لِمَ تَبِع مولاك ولم تر منه إلَّا الصلاح والطاعة؟

فيقول لهم مولاه: إنَّه البارحة لم يُصلِّ صلاة الليل، وأخاف أن تكون له عادة، فرُبَّما يقتدي به بعضُ العِيال فلا يُصلِّي صلاة الليل. فإذا سمعوا[8] ذلك منه صار[9]عندهم عيبًا، فيأمرون بإخراجه من البحرين وبيعه في غيرها من البلدان”[10].

لا شكَّ في أنَّ لانتشار العلماء الصالحين في البلاد الدور الأبرز في صلاح العِباد، وقد ذكر الشيخ البلادي عن جدِّه أنَّ بيتهم “وحده اجتمع فيه أربعون عالِمًا بين مجتهدٍ ومشرفٍ على الاجتهاد في عصر واحد من الأعصار”، كما ونقل عن الشيخ علي ابن الشيخ محمَّد المقابي أنَّه “قد اتَّفَقَ أنَّ فاتحةً أقيمت لبعض أشخاص البحرين في مسجدها المُسمَّى بالمشهد ذي المنارتين، فاتَّفَق فيها حضور ثلاثمائة أو يزيدون من العلماء الأفاضل في وقت من الأوقات”[11]، وكان (طاب رمسُه) في معرض ذكر بعض الشواهد على الدرجات العالية من الإنصاف والتقوى والإعراض عن الدنيا لعلماء البحرين في تلك الحقبة الزمنية.

الوثاقةُ والتواثق:

عندما يُجاز أحدُ العلماء في رواية كتاب معين، فهذا يعني ظَفَرَهُ بثقة من أجازه من العلماء، وهي ثقة تتوسَّع مع كلِّ إجازة يُجاز بها عالم ثُمَّ يمُدُّها مستطيلةً فيجيزُ غيره، وقد عرفنا أنَّ الإجازة ليست سهلة المنال، وذاك لكونها شهادةً من المُجيز للمجاز، لا بالعلمية وحسب، بل بالنباهة والفهم، والفحص والتدقيق، وهذا ما يوقفنا على المسؤولية العظيمة التي يتحمَّلها المُجيز، ولذا، قال الشيخ إبراهيم من سليمان القطيفي (علا برهانه) في إجازته للشيخ شمس الدين محمَّد بن تركي (رحمه الله):

“إنَّ ممَّن يُعاني العلمَ ودراسته، ويُحلِّي بالبحث ومصادمته، والمسائل ومقاومته، واستعدَّ لاقتباس الأحكام من الكتاب، واستنباط الفروع الفقهية من المورد المستطاب، وأشغل أوقاته بطلب الواجب عليه، ولم تَتُقْ نفسُه إلى ما يَميلُ ذو الرياسات إليه. ذو الأخلاق الزاكية، والشيم المرضية، والسيرة الرضية؛ الشيخ الفاضل، بل العالم العامل الورع التقي، الشيخ شمس الدين محمَّد بن تركي (أخلص الله أعماله لوجهه)”[12].

نلاحظ الشيخَ القطيفي (رحمه الله) وهو يُؤكِّدُ على جانبين مُهمَّين من الجوانب الشخصية لمن هو بصدد إجازته في الرواية؛ الجانب التحصيلي، والجانب الأخلاقي، وهذا أمرٌ مُتَكَرِّرٌ، نجده بوضوح في الكثير من الإجازات الروائية، ومنها ما قدَّم به المُحدِّث البحراني الشيخ يُوسف بن الشيخ أحمد آل عصفور (علا برهانه) في إجازته لولدي أخويه حسين وخلف؛ إذ قال:

” وحيثُ إنَّ الولدين الأعَزَّينِ الفَاضِلَينِ، الكامِلَينِ، نُورَي العينِ والنَاظِرِ، وبُهْجَتَي القلبِ والخَاطِرِ، خَلَفَ  ابن أخي المُقَدَّس المَبْرُور الشيخ عبد علي، وحُسَينَ  ابن أخي الأمجد والأسعد الشيخ محمَّد – سلَّمهما الله تعالى وأبقاهما، وبعين عنايته حاطهما ورعاهما – مِمَّنْ فَازَا بالمُعَلَّى والرقيب من قِداح العلوم الفاخرة، وحازا أوفر نصيب من سنا جواهرها الزاهرة، مضافًا الى ما هُمَا عليه من الورع والتقوى، والتمسك بتلك العروة الوثقى، وَفَّقَهُمَا اللهُ تَعَالى للصعود الى غايتها العُليا، ونهايتها القصوى، وقد استجازاني – أمَدَّ اللهُ لهُمَا في العمر السعيد، ومَتَّعهما بالعيش الرغيد – قبل هذه الأيام، (فأجزتُ لهما) حيثُ رأيتُهما أهلًا لذلك المقام، …”[13].

إنَّ الثقة المتبادلة، آنذاك، بين المُجيز والمُجاز ثقةٌ عن تتبع أحوالٍ، لا لعمومات حُسن الظنِّ بالمؤمن، ما يُقرِّبُ بينهما خُلُقًا وعِلمًا، فيصيران، ومن تمتد فيهم الإجازات، لعموم المؤمنين وِحْدَةً واحِدَةً كالبنيان المرصوص يركنون إليه ويستظلون فيئه، ويظهر ذلك في استيعاب علماء ذاك العصر لبعضهم البعض بصدور واسعة وعقول راجحة وأفهام ذات آفاق عالية، فنجد الأخْبَاريَّ وقد اختار تلميذٌ له المسلك الأصولي، والأصوليَّ وقد نحى أحدُ تلامذته المنحى الأخباري؛ فالأمر، أوَّلًا وأخيرًا، يرجع إلى التقوى أخلاقًا وسلوكًا، والعلم تحصيلًا واشتغالًا، وما بينهما من تفاوت واختلاف مُضْبَطٌ بِهِمَا.

لا شكَّ في أنَّ مجرَّد الإجازة في الرواية لا تُنتِّج مجتمعًا علميًا نوعيًا، ولكنَّها المُحَدِّدُ والمعيارُ الاعتباريُّ للعالِم؛ لتضمنها شهادة من المُجيز إلى المُجاز بالوثاقة وعلو الأخلاق وقوَّة التحصيل.

نعم، تقع بين العلماء نِزَاعاتٌ ومُصادماتٌ، ويتعرَّضُ بعضُمهم إلى تشنيعات العوام. وممَّا جاء في ذلك استنصار الشيخ أحمد آل عصفور (والد صاحب الحدائق) الشيخ عبد السماهيجي، وعتابه عليه للتراخي في ما دعاه إليه، قال:

“على أنَّ المُحِبَ قد صار عليه من الشناع ما طبَّقَ جميع الأصقاع، من السباب والشتم وفظيع الكلام ما هو أشدُّ من الأمراض والأسقام من سفهاء بني جمرة، وقد سَمِعَتْ أُذنُكَ وغيرُكَ مرَّةً بعد مرَّةٍ، وكرَّةً بعد كرَّةٍ، ونقلتُ لك كما نقلتُ لغيرك أخبارهم واطَّلعتَ على أفعالهم وتصانيف أشعارهم، بحيثُ لا يمكن ولا يسوغ إنكاره من أحد؛ لِعِظَمِ انتشاره واشتهاره، وها هم إلى الآن يتلون صحائفَ أورادهم بالسباب في جميع أوقاتهم وأيَّامهم، …”[14].

لم تكن مثل تلك الحوادث لمعايب عرضتْ ولحقتْ بالعلماء وأهل الفضل، بل هي لِفِتَنٍ مفتعلةٍ كان لها نحو اقتضاءٍ في حصول نزاعات ومصادمات، فبلادنا البحرين لم تسلم من التخريب إلَّا في أوقات متقطعة. قال المُحدِّثُ البحراني (علا برهانه): “حالتِ الأقضيةُ والأقدارُ بخراب بلادنا البحرين بمجيء الخوارج إليها، وترددهم عليها حتَّى فتحوها قهرًا، وجرى ما جرى من الفساد، وتفرَّق أهلُها منها في أقطار كلِّ بلاد”[15].

أمَّا ما يشجرُ بين العلماء فكان يبقى في الغالب بينهم، ولا يكونون بين الناس إلَّا كما كان أمثالهم في مسجد المشهد ذي المنارتين، وكذا الناس فواقعهم التدين والطاهرة، وإنَّما يتعكَّر صفو المياه بما يثيره الأبالِسَةُ والشياطينُ رجالًا وركبانًا. وكيف كان، فالمقام لا يناسبه الاستطراد، وإلَّا فتاريخ أرضنا الطيبة يستحقُّ الدفاع عنه طردًا للكثير من التوهمات الملتصقة ببعض الأفهام، ويكفي أن أُشيرَ مُؤكِّدًا على أنَّ أولادَ هذه الأرض عيونٌ في العذوبة والنقاء.. نَخلٌّ في الشموخ والعطاء.. بحورٌ في ما يحملون في صدورهم من لؤلؤ ومرجان.. هم في سجاياهم من سِنخ أرضهم النابضة بالطيب والصلاح.

تأكيد الرسوخ العلمي للمُجِيز:

طلبُ العلمِ ليس وظيفة كسائر الوظائف التي يلتزم فيها الناس بدوامٍ مُحدَّد إلى سِنٍّ مُعين، بل هو اشتغالٌ دائمٌ ومستمِرٌّ بالتحصيل، دون كللٍ ولا مَللٍ إلَّا في الحدود الطبيعية، ولذلك نرى العلماء في امتزاجٍ فريد بالكتاب قراءةً وتحبيرًا، ولأنَّ المُجِيزَ يتحمَّلُ مسؤولية الأمانة والاستئمان العلميين، نقف على تضاعف اهتمامه بتتبع وقراءة كتب وبحوث ورسائل من يقع بينهم متوسطًا، وأقصد مشايخه من جهة ومُجِيزِهم من جهة أخرى، وهذا ما يذكره المُحدِّثُ البحراني (نوَّر الله مرقده) في الكثير من المواضع عند ترجمته للعلماء في لؤلؤته النفيسة بما يُظهر وقوفه ما استطاع على كلِّ مُصنَّفٍ وميزاته.

يُفضِي هذا السمتُ العلميُّ إلى أمرين مُهمَّين:

الأوَّل: تَكَوُّن تبانياتٍ علميةٍ تتسع وتتعمق وترتفع في مدارات وآفاق الترامي العلمي والمعرفي للكتب التي تقع موضوعًا للإجازة، وهذا محورٌ أساسٌ في التقارب والتفاهم الثقافيين والفكريين بين العلماء، ما ينعكس في العِباد أدبًا عاليًا وأدبيات وازنة.

الثاني: ظهور المدرسة العلمية في مقامها الصحيح، فلا يَتَّخِذ أحدٌ قرارًا بطلب العلم التخصُّصي إلَّا أن يكون على مستويات عالية من الاستعداد الذهني والنفسي والسلوكي.

ثُمَّ وممَّا يبتني على ما تقدَّم، الاعتبار الكبير والمهم الذي يُكسِبُه المُجيزُ للمُجَاز، فإنَّ الإجازات القائمة على أُسس التقوى والعلم، في القوَّة التي تتمتَّع بها شهادة الفقيه المُجتَهِد لعالِم بالفقاهة والاجتهاد، والفرق أنَّ الثانية تشترط الحصول الفعلي لملكة الاجتهاد في نفس العالِم، بينما تشترط الإجازة في الرواية التلبُّس الحقيقي لطالب العلم بمبدأ التحصيل الخاص، لا مطلق التحصيل.

الوقوع المعنوي للإجازة:

لا شكَّ في أنَّ من أهمِّ ما لا يُتسَامح فيه مع طالب علوم آل محمَّد (عليهم السلام) قوَّة وجدِّيَة استشعاره لخطورة موقعه كطالب علم، فلا يكون تأخيره للصلاة عن أوَّل وقتها أقلَّ من كارِثةٍ، ولا يُعدُّ استعجاله في أداء الفرائض على غير روية وتدبر أهون من مصيبة، فهو على مَسلَكٍ جاء فيه من النصوص الشريفة ما لم يجيء في غيره..

عن أبي عبد الله (عليه السلام)، عن أبيه (عليه السلام)، قال: قال رسولُ اللهِ (صلَّى الله عليه وآله):

“من سَلَكَ طريقًا يطلبُ فيه علمًا سَلَكَ اللهُ تعالى بِهِ طريقًا إلى الجنَّة، وإنَّ الملائكةَ لَتَضَع أجْنِحَتَها لطالبِ العلم رضًا بِهِ، وإنَّه ليستغفر مَنْ في السماوات ومَنْ في الأرض، حتَّى الحوت في البحرِ، وفضل العالِمِ على العَابِدِ كفضل القَمَرِ على سائرِ النجوم ليلةَ البدرِ، وإنَّ العلماءَ لورثة الأنبياء؛ إنَّ الأنبياء لم يُوَرِّثُوا دينَارًا ولا دِرهمًا، إنَّما وَرَّثُوا العِلمَ”[16].

وعن علي بن الحسين (عليه السلام)، قال:

“لو يَعلَمُ الناسُ ما في طلب العلمِ لَطَلَبُوهُ ولَو بِسَفْكِ المهَجِ وخَوضِ اللجَجِ؛ إنَّ الله تبارك وتعالى أوحى إلى دانيال: إنَّ أمْقَتَ عبيدي إليَّ الجاهِلُ المُسْتَخِفُّ بِحَقِّ أهل العلم، التَارِكُ للاقتِدَاءِ بِهم، وإنَّ أحَبَّ عبيدي إليَّ التَقيُّ الطَالِبُ للثَوَابِ الجزيل، اللازِمُ للعُلمَاءِ، التَابِعُ للحُلمَاءِ، القَابِلُ عَنِ الحُكَمَاءِ”[17].

وعن أبي جعفرٍ (عليه السلام)، قال:

“مَا مِنْ عَبْدٍ يَغْدُو في طَلَبِ العِلمِ أو يَرُوحُ، إلَّا خَاضَ الرَحْمَةَ، وهَتَفَتْ بِهِ الملائِكَةُ: مَرْحَبًا بِزَايرِ اللهِ، وسَلَكَ مِنَ الجَنَّةِ مِثْلَ ذَلِكَ المَسْلَكِ”[18].

إذا كان طالب العلم على مستويات عالية من الشعور بالمسؤولية وخطرها، فإنَّ إجازته في الرواية حينها تكون فارِقةً واقعيةً ومهمَّةً في حياته العلمية ومسيره التحصيلي، وذلك لثلاثة أمور رئيسية، هي:

أوَّلًا: إنَّ للوقوع في سندٍ روائيٍّ ينتهي إلى الإمام المعصوم (عليه السلام) خطرًا عظيمًا لا يُدركُه غير القاصد حقيقةً وجِدًّا لرضى الله سبحانه وتعالى بالاشتغال في طلب العلم وهداية العباد واستنقاذ المؤمنين من مهاوي الدنيا ومخاطرها، كما وأنَّه شرفٌ لا يضاهيه شرف، وأيُّ عاقِلٍ يُفرِّط، أو يُخِلُّ بما يحفظ له شرف الاتِّصال السندي بالمعصوم (عليه السلام)؟

إنَّ هذا الوقوع ليس مجرَّد اسم يتموضوع في سلسلة سندية، بل هو مَحَلٌّ لضميرٍ يتحمَّلُ التبليغ عن المعصوم (عليه السلام)، وهي أمانةٌ عظيمةٌ كما لا يخفى.

ثانيًا: تُحمِّلُ الإجازةُ المُجازَ مسؤوليةً كبيرةً تجاه مُجِيزِه، وهي مسؤولية الحفاظ على سلامته الشخصية خُلُقًا وعِلْمًا وتحصيلًا؛ حيثُ إنَّ نفسَ المُجيز تحمَّل مسؤوليةً أكبر عندما أجاز؛ كيف لا وقد أعطى اعتبارًا علميًا خطيرًا لمن أجازه؟

لذا، فإنَّ الجدِّية العالية لطالب العلم وانضباطه على طريق التحصيل، يتضاعف بعد تشرُّفه بالإجازة.

ثالثًا: من الواضح؛ بعد ما تقدَّم، أنَّ الإجازة في الرواية ليستْ مِن أدوات التفاخر والتعالي على العباد، بل هي في الواقع تُحمِّلُ صاحبها مزيدًا من المسؤولية تجاههم من جهة كونه الأولَى عِلمًا وعملًا بما هو مجازٌ فيه، وإلَّا فقد يكون من موارد توجُّه قوله تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)[19].

عندما يعود الاعتبار للإجازة الروائية، التي يراها النظر القاصر عِلمًا من أجلِّ العلوم، بمقدماتها وشروطها، فإنَّ نهضةً تاريخية تستتبعها مستوعبةً لقطاعات مهمَّة في المجتمع.

وآخر دعوانا أن الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمَّد وآله الطيبين الطاهرين.

 

السيد محمَّد بن السيد علي العلوي

22 ربيع الأوَّل 1441 للهجرة

البحرين المحروسة  

 

………………………………………………………..

 

[1] – الذريعة – آقا بزرگ الطهراني – ج 1 – ص 131

[2] – هو يونس بن عبد الرحمن

[3]  الكافي – الشيخ الكليني – ج 7 – ص 153

[4] – من لا يحضره الفقيه – الشيخ الصدوق – ج 4 – ص 330 – 331

[5] – الحسن بن محمَّد بن سماعة

[6] – تهذيب الأحكام – الشيخ الطوسي – ج 7 – ص 177

[7] – بحار الأنوار – المجلسي – كتاب الإجازات، ج105 ص5-6

[8] – أي: التجَّار وأهل السوق

[9] – أي: العبد

[10] – أنوار البدرين في تراجم علماء القطيف والإحساء والبحرين – الشيخ علي البلادي- ص50

[11] – المصدر السابق ص48

[12] – بحار الأنوار – المجلسي – الإجازات، ج105 ص 64

[13] – لؤلؤة البحرين – الشيخ يوسف آل عصفور- ص6

[14] – هامش مقدِّمة المُحقِّق لكتاب (الخُطب) – الشيخ عبد الله السماهيجي- تحقيق الدكتور حسين السماهيجي ص31

[15] – لؤلؤة البحرين – الشيخ يوسف آل عصفور- ص11

[16] – بصائر الدرجات – محمد بن الحسن الصفار – ص 23

[17] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 1 – ص 35

[18] – ثواب الأعمال – الشيخ الصدوق – ص 131

[19] – الآية 5 من سورة الجمعة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *