الرئيسية / مقالات / أننشغل بالمهم، أم بالأهم؟ ll بقلم الأستاذ محمَّد عيسى التيتون

أننشغل بالمهم، أم بالأهم؟ ll بقلم الأستاذ محمَّد عيسى التيتون

 

بسم الله الرحمن الرحيم

ينبِّه أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى التفاتةٍ مهمَّة مصيرية في حياة الإنسان، حيث يقول في إحدى كلماته: “مَنِ اشتَغَل بغَيرِ المهمّ ضَيَّعَ الأهم، إنَّ رأيَكَ لا يتَّسعُ لكلِّ شيءٍ، ففرِّغهُ للمهمّ”.

بطبيعة الحال فإنَّ ما يدركه كل عاقل في هذا العالم بأنَّ كل القدرات التي يمتلكها الإنسان هي قدرات محدودة، قابلة للنَّفاد من جهة، ومتفاوتة في القوة من شخص إلى شخص آخر من جهة أخرى، وناقصة في نفسها؛ حيث تحتاج إلى من يمدُّها بالقوة.

فإذا أقررنا بذلك، فنقول: بأنَّ فكر الإنسان لا يمكنه الإحاطة والانشغال بكلِّ هذه المعلومات الموجودة في عالم الكثرات والمزاحمات، وهذا يعود لمحدوديته، فيجب إذن على الإنسان أن يحافظ على هذه القدرة (الفكر) فيما ينتفع به في الدنيا والآخرة؛ بتحديد المهم والأهم، حتى يجتنب الانشغال بتوافه الأمور، التي تجعل منه إنساناً لا هدفية من وجوده، فصاحب العقل السليم لا يهدر قدراته فيما لا ينفعه، ولا يغمض عينيه عمَّا يجب أن يهتم به، ويساعده على الارتقاء في شتى أمور الحياة، ويضمن له السعادة الأخروية.

فالانجرار خلف  الأمور غير المهمة -وأعني بها: كل ما يحول عن حركة تكامل الإنسان- يوجب تضييع الكثير من الأمور المهمة التي تساهم في رقي الإنسان وتكامله، وبهذا يبتعد الإنسان عن الهدف الذي خلق له شيئاً فشيئاً، حتى يكون قد ضيع عليه الدنيا والآخرة، وهذا هو الخسران الأكبر.

وحتى يتَّضح لنا ما هو المهم والأهم، الذي يجب أن نبذل قدراتنا فيه، وما هي الأمور غير المهمة التي يجب أن لا ننشغل بها انشغالاً كُلِّيًّا، يتحتَّم علينا معرفة الطريق الصحيح الذي يوصل الإنسان إلى الكمال، فنقول:

إنَّ جسم الإنسان يتركب من ثلاثة أجزاء: جسد وعقل وروح، وكل واحدٍ من هذه الأجزاء يحتاج إلى الغذاء المناسب له، فكلما غذَّى الإنسانُ هذه الجوانب بالغذاء المناسب لها، كلما خطى خطوةً في مسير تكامله، ولكن ما هو الغذاء المناسب لكل جزء من هذه الأجزاء؟

إنَّ النظرة الإسلامية الإلهيَّة توضِّح لنا الغذاء المناسب لكمالِ كلِّ جزءٍ من هذه الأجزاء.

فقد جاء في الخبر مما روي عن الإمام موسى بن جعفر (عليه السَّلام) أنَّهُ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ (صلَّى الله عليه وآله) الْمَسْجِدَ فَإِذَا جَمَاعَةٌ قَدْ أَطَافُوا بِرَجُلٍ.

فَقَالَ: “مَا هَذَا”؟

فَقِيلَ: عَلَّامَةٌ.

فَقَالَ: “ومَا الْعَلَّامَةُ”؟

فَقَالُوا لَهُ: أَعْلَمُ النَّاسِ بِأَنْسَابِ الْعَرَبِ وَوَقَائِعِهَا وَأَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ وَالْأَشْعَارِ الْعَرَبِيَّةِ.

قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ (صلَّى الله عليه وآله): “ذَاكَ عِلْمٌ لَا يَضُرُّ مَنْ جَهِلَهُ، وَلَا يَنْفَعُ مَنْ عَلِمَهُ”.

ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ (صلَّى الله عليه وآله): “إِنَّمَا الْعِلْمُ ثَلَاثَةٌ: آيَةٌ مُحْكَمَةٌ، أَوْ فَرِيضَةٌ عَادِلَةٌ، أَوْ سُنَّةٌ قَائِمَةٌ، وَمَا خَلَاهُنَّ فَهُوَ فَضْلٌ”.

تشير الرواية إلى أنَّ هنالك بعض الأمور التي لا يجب على الإنسان أن ينشغل بها، فهو إن علِم بها لم تنفعه، وإن جهِلها لم تضره، ثم بيَّن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) الأشياءَ المهمَّة التي يجب على الإنسان أن يعلم بها، ليصل إلى كماله، وهي:

  1. آية محكمة: ويعنى بها الأمور العقائدية، وهذا جانب اهتمام العقل.
  2. فريضة عادلة: إشارةٌ إلى واجبات الشريعة ومحرماتها، التي يجب على الإنسان أن يلتزم بها، وهذا جانب اهتمام الجسد.
  3. سنةٌ قائمة: وهي الأمور الأخلاقية، التي يجب على الإنسان أن يتَّصف بها، وهذا جانب اهتمام الرُّوح.

ومن هنا يتَّضح لنا بأنَّ مسيرة تكامل الإنسان يجب أن تُغذى من هذه الجوانب الثلاثة، وكلما زاد الإنسان في تغذية هذه الجوانب كلما ارتقى وتكامل، وكلما انشغل في توافه الأمور كلما تهاوى وابتعد عن كماله.

فالاهتمامُ وتوجيهُ كلِّ قدرات الإنسان في هذه الجوانب الثلاثة، هو الشيء المهم، ووصول الإنسان إلى السَّعادة الأبدية في جنات النعيم ذلك هو الشيء الأهم، وما سوى ذلك فهي أشياء غير مهمة، لا ينبغي أن ينشغل بها الإنسان عن الأشياء المهمة.

ويجب التنويه: إلى أن المراد من هذا الكلام لا يعني عدم الاطِّلاع على الأشياء غير المهمة بالقدر المستفاد منه في حياة الإنسان، كما يشير الحر العاملي في تعليقه تحت هذا الحديث الذي أورده في كتاب وسائل الشيعة، حيث قال: “هذا محمول على الافراط في تعلم العربية، والزيادة على قدر الحاجة، بل هو ظاهر في ذلك لقولهم: علامة، وقولهم أعلم الناس بالعربية، فلا ينافي الأمر بتعلمها”.

ومما ورد عن إمامنا زين العابدين (عليه السلام)، في دعائه المعروف بدعاء مكارم الأخلاق:

“اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَاكْفِنِي مَا يَشْغَلُنِي الاهْتِمَامُ بِهِ، وَاسْتَعْمِلْنِي بِمَا تَسْأَلُنِي غَداً عَنْهُ، وَاسْتَفْرِغْ أَيَّامِي فِيمَا خَلَقْتَنِي لَهُ”.

والحمد لله رب العالمين، وصلَّى الله على محمَّدٍ وآله الطَّاهرين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *