الرئيسية / مقالات / المبتنيات ومسألة الثابت والمتغير

المبتنيات ومسألة الثابت والمتغير

يحتاج الإنسان، حاجةً ضروريةً مُلِحَّةً، إلى مراجعة نفسه باستمرار، وفي ذلك قال الإمام الكاظم (عليه السلام): “ليسَ مِنَّا مَنْ لم يُحَاسِب نَفْسَهُ في كُلِّ يَومٍ، فإنْ عَمِلَ حُسْنًا اسْتَزَادَ اللهَ، وإنْ عَمِلَ سَيئًا اسْتَغْفَرَ اللهَ مِنْهُ وتَابَ إليهِ”[1]. وتشتدُّ الحاجة إلى المراجعات النفسية كلَّما اشتدَّتْ أغبرةُ الشبهات وعواصف الفِتن.

لا يكاد عاقِلٌ يخالف الدعوة إلى مراجعة النفس، غير أنَّ الكثير من المحاذير تكتنف عنوان (المراجعة) ما لم تُحدَّدْ بوضوحٍ تامٍّ الجِهَةُ التي يُقاس عليها وتكون هي المعيار في المراجعات؛ وإلَّا فإنَّ المعزول اجتماعيًا -مثلًا- بسبب سوء تقديراته وخياراته وقراراته، قد يراجع نفسه على اعتبار مدح القلَّة في القرآن الكريم، فينتهي إلى نتيجة أنَّه كالأنبياء في عزله!! وقد يراجع آخر أفكاره وقناعاته على أساس أنَّ الصح ما نجح في التجربة الخارجية، والخطأ ما لم ينجح فيها، وهو ما يُسمَّى بالبرغماتية التي تُعرَّف بأنَّها: مذهب فلسفيٌّ سياسيٌّ يَعتَبِرُ نَجَاحَ العَمَلِ المعيار الوحيد للحقيقة!

لن يصل مثل هؤلاء إلى نتائج صائبة من مراجعاتهم؛ إذ أنَّ الأساس فيها باطِلٌ وهو الأولى بالمراجعة وإلَّا اختلط الحقُّ بالباطل وتضبَّبت الرؤى.. وفي الغالب سوف يدخل في تطبيع عميق مع أخطائه حتَّى يراه الحقَّ وما دونها باطل وضلال.

قال نبينا الأكرم (صلَّى اللهُ عليه وآله):

” كيف بكم إذا فسد نِسَاؤكم وفَسَقَ شُبَّانُكم، ولم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر؟!

فقيل له: ويكون ذلك يا رسول الله؟!

قال (صلَّى الله عليه وآله): نعم، وشَرُّ من ذلك؛ كيف بكم إذا أمَرْتُم بالمُنكر ونَهيتُم عن المعروف؟!

قيل: يا رسول الله، ويكون ذلك؟!

قال (صلَّى الله عليه وآله): نعم، وشَرُّ من ذلك؛ كيف بكم إذا رأيتُم المعْرُوفَ مُنْكَرًا والمنْكَرَ مَعْرُوفًا؟!”[2].

إنَّنا اليوم في مواجهة مباشرة مع أكثر الفِتن العصرية فتكًا بالاستقامة والفكر، بل والذوق!! إنَّها فِتنَة الحداثة والدعوة الصارخة إلى عدم الثبات مطلقًا؛ على أساس أنَّ كلَّ شيءٍ في هذا الوجود يسير في أطوار وتبدلات مستمرة، وهو ما يُسمَّى بـ(السيرورة)، وما لم يواكب الإنسان التغيرات المستمرة في مطلق الأشياء، فإنَّه يصير إلى التخلُّفِ لا محالة!

أنتجتْ نظريةُ الحداثةِ ومسائِلُها مجموعةً من توجهاتٍ ثقافيةٍ وفكريةٍ خطيرةٍ أصبحنا ولها وجودها الحقيقي والواقعي في المجتمع، بل ونجدها في رؤى ونظريات من يرفضونها!!

في هذه المقالة أحاول التطرق إلى بعض العناوين المهمَّة التي تَسَللت إليها الحداثةُ فأفسدتها. وأُقدِّمُ بمقدمة تأصيلية في أمور:

الأوَّل: الضرورة التكوينية للثابت:

لا يخرجُ التغيُّر في هذا العالم عن قوانين ثابتةٍ تقع التغيرات والتطورات فيها، وإلَّا لما وجِدَ شيءٌ، فضلًا عن أن يتطور، فانتقال الإنسانُ -مثلًا- من نقطة إلى أخرى قانونٌ، وداخله مجموعة من القوانين تستوعب كافّةَ طُرق ووسائل الانتقال، من المشي إلى المكوك الفضائي، مرورًا بالدابة والدراجة والسيارة وما نحوها، ولا من تطور على الإطلاق إلَّا وهو واقعٌ حتمًا وضرورةً في حدود هذه القوانين التكوينية.

فلندقِّق جيِّدًا..

عندما تُمزِّقُ ورقةً وتحولها إلى أجزاء صغيرة، ثُمَّ ترمي بتلك الأجزاء في الهواء، فإنَّ كلَّ جزءٍ يسلكُ طريقًا خاصًّا لا يحيد عنه ولا بنسبة الواحد من المليون؛ فهو محكومٌ بوزنه وشكله وظرفه الجوي، وغير ذلك من معطيات دقيقة تجعله يسلك مسارًا مُتَعَينًا بدقَّة 100% يستحيل عليه استحالة عقلية تكوينية الخروج عنه قيد أنملة، بل ولا حتَّى مجرَّد مقاومته.

هذا القانون يظهر في بعض الأرقام التي يُسجِّلها الفيزيائي -مثلًا- كمعطيات، وكلَّما تغيرت فَتَغَيُّرهَا واقعٌ ضرورةً في قانونٍ تَكويني حاكم، وهكذا كلُّ شيءٍ في هذا الوجود من أقصاه إلى أقصاه.

يضبط الإنسانُ العاقلُ فهم القوانين إجمالًا، ولا يلاحق التفصيلات، خصوصًا تلك التي يصطنعها البشر اصطناعًا مقصودًا لأجل نفسه حتَّى لو لم يطلبه الواقع العاقل، وإنْ عاند وأصرَّ على ملاحقتها فمسيره حينها نحو الخِفَّة واضطراب النفس وتفاهة الفكر والتفكير. فلنفهم هذا الأمر جيِّدًا، وإلَّا فإنَّ لكلِّ حَدَثٍ العشرات من المقتضيات المُحتَمَلَة، وأكثر منها احتمالات ما يتركَّب منها.

مثال: تزوَّج زيدٌ من ليلى.. هذا واقِعٌ معلوم. السؤال: ما هي الظروف التي اقتضت انتهاءهما إلى الزواج؟

قد يُقال: التقتْ أختُ زيد بليلى في مكان ما، فخطر ببالها أن ترشحها لأخيها. هل هذا هو السبب؟

الجواب: هذا أمر وقع فانتفت بوقوعه ما لا يُعدُّ من الاحتمالات، ونفس الوقوع معلولٌ لأمر وقع وانتفت بوقوعه ما لا يُعدُّ من الاحتمالات.

إنَّ هذه التشعبات المُعقَّدة جدًّا لا تقف عند ساعة ولادة زيد وساعة ولادة ليلى، بل الآباء والأمههات.. ولو أنَّ نبي الله آدم (عليه السلام) لم يأكل من تلك الشجرة لما حَدَثَ شيءٌ من هذا!!

المهم في هذا الأمر العظيم الإيمان المُطلقُ بأنَّ شيئًا لا يقع إلَّا في سُلطانِ قَوانين التَكوين الإلهية؛ قال الله تعالى في الكتاب العزيز (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالإِنسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَن تَنفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ فَانفُذُوا لا تَنفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطَانٍ)[3].

يُعتبر الإنسان من أكثر العوامل الفاعلة في التغيير والانتقال بالأشياء من أطوار إلى أطوار، فهو الذي أقصى السيف والرمح والقوس في الحروب، وأحلَّ مكانها الأسلحة النارية وأنواع القنابل والمتفجرات.. وكذا أقال الدوابَّ من خيول وحمير وبغال وجِمال من وظيفة النقل وحمل البضائع والأمتعة لمصلحة السيارات والقطارات والطائرات.. وهو الذي لا زال في اجتهاداته الجادَّة لإقصاء القلم والورقة، وإحلال وسائل القراءة والكتابة الرقمية (الإلكترونية)..

كلُّها تصرُّفات بشرية في قوانين تكوينية، ومن هنا جاءت أهمية أنْ يكون الحاكِمُ المُفْتَرض على التغيرات والتحولات في هذا العالم هي القِيَم وأصول الأخلاق، وهي ثوابت خُلِقَتْ مع الإنسان، والعبث بها عبثٌ بمصير كلِّ ما تصل إليه يدُ الإنسانِ، وإلَّا فالخطر داهم، وقد قال جلَّ في علاه (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)[4].

إنَّنا في غنى عن تكلُّفِ إثبات كون أصول الأخلاق والقِيَم الفاضلة ثوابت لا تتغير بتغير الزمان والمكان والظروف، فهي أجلى من أن تحتاج إلى إثبات، وأمَّا منكرها فالكلام معه مضيعة للوقت وصرف للجهد في غير محلِّه.

من تلك الثوابت التي لا تقبل المراجعة، بل يُراجع غيرها على وفقها، ثابتة التوحيد، وهي ثابتة تكشفها وتبين عمقها تصريحات المعصومين (عليهم السلام)؛ كما جاء عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: “سألتُه عن قول الله عزَّ وجَلَّ: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)[5] ما تلك الفطرة؟

قال (عليه السلام): هي الإسلامُ، فَطَرَهم اللهُ حينَ أخَذَ ميثَاقَهم على التوحيد؛ فقال: (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ)[6] وفيه المؤمن والكافر”[7].

إذًا، للإنسان أنْ يعمل جهده في التطوير، فإن كان محكومًا بالقيم والأخلاق كان تقدُّمًا، وإن كان عبدًا للدنيا كان فسادًا وضياعًا، ومن أعظم الجرائم؛ لوقوعها الحتمي في القوانين التكوينية التي خلقها الله تعالى للعبادة وزكاة النفس، فاستعملها المفسدون في المعصية والإفساد.

الثاني: مكونات الشخصية السوية:

يتطور الإنسانُ في أطوار إلى الأمام أو إلى الخلف بما يطرأ عليه من تغير وتبدل في أفكاره وقناعاته، وهذا أمر طبيعي، بل هو العامل الرئيسي في التغير والتطور بشكل عام، إلَّا أنَّ هنا ما ينبغي التأكيد عليه..

تتركَّب الشخصية الإنسانية المتَّزنة من ثلاثة مستويات فكرية:

الأوَّل: الثوابت:

الثابتة هي كل أمرٍ قام عليه البرهان، وقد ذكر أبو هلال العسكري موضِّحًا الفرق بين البرهان والدليل، فقال: “البُرهانُ: الحُجَّةُ القاطِعَةُ المُفيدَةُ لِلعِلمِ، وأَمّا ما يُفيدُ الظَّنَّ فَهُوَ الدَّليلُ”[8]. ولذا فإنَّ مادَّة البرهان هي كلُّ ما يقع في التسلسل الوثيق لاستحالة اجتماع وارتفاع النقيضين، فكلُّ ما يستند في إثباته إلى هذا المبدأ الأوَّلي الفارد، كان قطعي الثبوت دون أدنى تردُّد.

إنَّ هذا المستوى من إنتاج العلم غير قابل للنقض على الإطلاق، وبالتالي كانت الثابتة هي ما ينتجه البرهان، فلا تكون قابلة لأدنى مزاحمة مهما تغيرت الدنيا بما فيها.

من أهم ما قام عليه البرهان القاطع أصول الدين؛ التوحيد والعدل والنبوة والإمامة والمعاد، أمَّا كونها من موضوعات البحوث الكلامية والفلسفية، فهذا بالنسبة لنا ليس أكثر من إعمالات نظرية يواجَهُ بها المُنكِرون ومن في حكمهم، أمَّا نحن فلو انطبقت السماء على الأرض ما تزحزحنا ولو بمقدار شَعَرَةٍ واحدةٍ عن أصولنا العَقَدِية؛ لا عنادًا ولا تعصبًا، وإنَّما هو الطبيعي بعد أن كانت تلك الأصول من نتاجات البرهان.

الثاني: القناعات:

هي ما قام عليه الدليل المنطقي الصحيح، ولذا جاءت بعد الثوابت؛ لكونها قريبة منها في الإثبات، إلَّا أنَّ نسبة الخطأ فيها تبقى قائمة ما لم يقم عليها البرهان، فهي لا تتغير بسهولة، ولكنَّها تتغير إن قام دليل منطقي أثبت خطأ دليلها، وينبغي أن نعي جيدًا ندرة مثل هذا النقض؛ إذ أنَّ القناعات تستند في وجودها إلى أدلة على درجة عالية من الإحكام، وليس ما هذا شأنه سهل التزلزل فضلًا عن الزوال.

الثالث: الأفكار:

وهي ما يميل لها الفردُ لسبب ما، إلَّا أنَّها خالية من الدليل، وقد تتحول إلى قناعة أو ثابتة، وقد تزول عن مقام الفكرة، فهي سهلة الانقياد من جهة، ومن جهة أخرى فإنَّ لها أهمية بالغة، لكونها المادَّة الأوَّلية للقناعات والثوابت.

الثالث: الإذاعة وكثرة الكلام:

لِمَ يتحدَّثُ الإنسان؟ وما الغاية من إفصاحه عمَّا بداخله؟ ولماذا يذيع ما يحمل في داخله من ثوابت أو قناعات أو أفكار؟

قال أميرُ المؤمنين (عليه السلام): “مَنْ كَثُرَ كلامُه كَثُرَ خَطَؤه، ومَنْ كَثُرَ خَطَؤه قَلَّ حَيَاؤه، ومَنْ قَلَّ حَيَاؤه قَلَّ وَرَعُهُ، ومَنْ قَلَّ ورَعُهُ مَاتَ قلبُهُ، ومَنْ مَاتَ قَلبُهُ دَخَلَ النَارَ”[9].

وقال (عليه السلام): “الكَلَامُ في وَثَاقِكَ مَا لَمْ تَتَكَلَّم بِهِ، فإذا تَكَلَّمْتَ بِهِ صِرْتَ في وَثَاقِهِ، فاخْزن لِسَانَكَ كَمَا تَخزن ذَهَبَكَ ووِرقكَ؛ فَرُبَّ كَلِمَةٍ سَلَبَتْ نِعْمَةً”[10].

احتَاجَ الإنْسَانُ إلى الكلام لِغايةِ التعبير والتفهيم والتفاهم، فالكلام له قوَّة التأثير في وعي وأفهام الآخرين، مثله مثل أيِّ صادر دلالي تفهيمي تتلقاه القوى العاقلة في الإنسان، وقد جاء عن رسول الله (صلَّى الله عليه وآله) في وصيته لأبي ذر الغفاري (رضوان الله تعالى عليه) أنَّه قال: “يا أبَا ذر، الكَلِمَةُ الطيبَةُ صَدَقَةٌ”[11]؛ لما لها من أثر في النفوس كما للصدقة المالية أو العينية أثر فيها.

وقد جاء في الكتاب العزيز (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ)[12].

باللسان علَّم رسولُ الله (صلَّى الله عليه وآله) الناس الخير ودلَّهم على الطريق الذي ينتهي بهم إلى رحمة الله تعالى ورضوانه، قال تعالى (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ)[13]، وباللسان أيضًا أضَلَّ السامِريُّ بني إسرائيل، قال في الكتاب العزيز (قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ)[14].

إنَّ للسان خطرًا عظيمًا، وقد جاء عن أحدهم أنَّه دخل على صاحبه وإذا به “آخِذٌ بِلِسَانِهِ يُنَضْنِضُهُ!

فقال له: الله الله!!

فقال: هاه؛ إنَّ هذا أوْرَدَنِي الموَارِدَ!”[15].

ولذلك جاء في الحديث عنهم (عليهم السلام): “ما كُلُّ ما يُعلم يُقال، ولا كُلُّ ما يُقال حَانَ وقتُهُ، ولا كُلُّ ما حَانَ وقتُهُ حَضَرَ أهْلُهُ”. وبالتالي فحتَّى لو كان الكلامُ كلامَ حَقٍّ لا يداخله باطل، فهذا لا يكفي مُبَرِّرًا للتصريح به ما لم توجبه الحِكمَة ويدلُّ على موجبه العقل، ولذلك قال أمير المؤمنين (عليه السلام): “لِسَانُ العَاقِلِ وَرَاءَ قَلبِهِ، وقَلْبُ الأحمَقِ وَرَاءَ لِسَانِهِ”. وعلَّقَ الشارِحُ: “وهذا من المعاني العجيبة الشريفة. والمرادُ به أنَّ العاقِلَ لا يُطلق لسانه إلَّا بعد مشاورة الرَوية ومؤامرة الفِكرة، والأحمَقَ تَسبقُ حَذَفَاتُ لِسَانِهِ وفَلتَاتُ كَلامِهِ مُرَاجَعَةَ فِكرِهِ ومُمَاخَضَةَ رأيِهِ. فكأنَّ لسَانَ العَاقِلِ تَابعٌ لقلبه، وكأنَّ قَلبَ الأحمَقِ تابعٌ للسانِهِ”[16].

وبالتالي، فإنَّ مستوى الكلام ينبغي أن يكون بمستوى محلِّه في النفس أوَّلًا، فإن كان ثابتةً وناسبَ طرحها لِمَا استدعاها أو استوجبها فينبغي أن تُطرح على أنَّها ثابتة، وما لم يتمكَّن المتحدِّث من تحديد محل كلامه فعليه أن يبين ذلك موضحًا أنَّ الجهل راجع له.

مثال: في الحديث عن أنَّ الإمام المهدي بن الحسن العسكري (عليهما السلام) قد وُلِدَ أو لا، على المُتحدِّث التصريح بوضوح تام عن موقفه العلمي هو من هذه المسألة، لا أنَّها هي ليست من المسائل البرهانية.

ينبغي أن نستحضر دائمًا قانون عدم الحديث في شيء دون موجبٍ من جِهَةٍ، ودون معَارِضٍ أو مُزاحِمٍ من جهةٍ أخرى، وقد جاء عن الأصبغ بن نباته، عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: “سَمعتُهُ يقول: إنَّ حديثَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ، خشْنٌ مُخْشَوشِنٌ، فانبذوا إلى الناس نبذًا، فَمَنْ عَرفَ فَزيدُوه، ومَنْ أنْكَرَ فامسِكُوا”[17].

الرابع: غرور العلم.

إنَّ من أخطَرِ أنواع الغرور والاعتداد بالنفس الغرور الذي يتقمَّصُ الإصلاح وإرادة الخير وإنقاذ الناس من مهالك الجهل وضياعات التجهيل، وأكثر ما يجتاح هذا النوع مجاميع الالتقاطيين والذين يقرأون تحت حكم ثقافاتهم وتعقلاتهم الخاصَّة، ولذلك يظهر الغرور العلمي بوضوح في من يتحرَّك على وفق قناعاته ومبانيه المُعَارضة بما عليه العقلاء وعموم الذوق العام، وكلامنا هنا ليس في المباني العلمية، ولكنَّه في المباني السلوكية والتعقلية، كما لو أشار عليه العقلاء ونصحوه بعدم الحديث في الأمر الفلاني، أو عدم التصدِّي للقضية الكذائية، فلا يسمع الرأي ويذهب في ما يريده هو إشباعًا لغروره وشهوة إثبات شخصيته، مُبَرِّرًا بنية الإصلاح وضرورة انقاذ المؤمنين!

جاء عن الرضا (عليه السلام) أنَّه قال: قال عليُّ بن الحسين (عليهما السلام):

“إذا رأيتم الرجُلَ قَدْ حَسُنَ سمتُه وهَديُهُ، وتماوتَ في مَنطِقِهِ وتخاضَعَ في حركاته، فرُويدًا لا يَغُرنَّكم؛ فما أكثر من يُعجِزه تَنَاولُ الدُنيا وركوبُ المحارم منها لضعف قيمته (بُنيته) ومهانته وجُبن قلبه، فَنَصَبَ الدينَ فَخًّا لها، فهو لا يزال يختلُ الناسَ بِظَاهِرِه، فإنْ تَمَكَّنَ مِنْ حَرَامٍ اقتَحَمَهُ.

وإذا وجَدتمُوهُ يَعِفُّ عن المال الحرام، فرويدًا لا يَغُرنَّكم؛ فإنَّ شهوات الخلق مُخْتَلفَةٌ، فما أكثر من يَنبُو عن المال الحرام وإنْ كَثُرَ، ويَحْمِلُ نَفْسَهُ على شَوهَاء قبيحةٍ فيأتي منها مُحَرَّمًا!!

فإذا وجَدتمُوه يَعفُّ عن ذلك، فرويدًا لا يَغُرنَّكم حَتَّى تنظروا ما عَقَدَهُ عَقْلُهُ؛ فَمَا أكثر مَنْ تَرَكُ ذلك أجمع ثُمَّ لا يَرجِعُ إلى عَقْلٍ مَتين، فَيكُونُ ما يُفسِدُهُ بِجَهلِهِ أكثرَ مِمَّا يُصْلِحُهُ بِعَقلِهِ.

وإذا وَجَدتم عَقْلَه مَتينًا، فرويدًا لا يَغُرنَّكم حَتَّى تنظروا مَعَ هَواه يَكُونُ على عَقْلِهِ، أو يَكُونُ مَعَ عَقْلِهِ على هَواه، وكَيف مَحَبَّتُهُ للرياسات الباطلة وزُهدُهُ فِيها؛ فإنَّ في الناسِ مَنْ خَسرَ الدُنيا والآخرة بِتَركِ الدُنيا للدنيا، ويَرَى أنَّ لَذَّةَ الرياسَةِ البَاطِلَةِ أفْضَلَ مِنْ لذَّةِ الأموالِ والنِعَمِ المبَاحَةِ المحللةِ، فيترُك ذلك أجمع طَلبًا للرياسة!

إلى أن قال (عليه السلام): ولكِنَّ الرجُلَ كل الرجُل نِعمَ الرجُلِ هوَ الذي جَعَلَ هَوَاهُ تَبَعًا لأمرِ اللهِ، وقوَاهُ مَبْذُولَةً في رِضَاءِ الله.. يَرَى الذُلَّ مَعَ الحَقِّ أقْرَبَ إلى عِزِّ الأبَدِ مِنَ العِزِّ فِي البَاطِلِ.

إلى أن قال (عليه السلام): فَذَلِكُم الرَجل نِعم الرجُلِ، فِيهِ فَتَمَسَّكُوا، وبِسُنَّتِهِ فاقْتَدُوا، وإلى رَبِّكُم بِهِ فَتَوسَّلُوا؛ فإنَّه لا تُرَدُّ لَهُ دَعْوَةٌ، ولا تَخيبُ لَهُ طَلِبَةُ”[18].

هكذا تحوطُ النفسَ جنودُ الشهوات تتواردُ عليها رجالًا وركبانًا مِنْ كُلِّ فجٍّ عميق، وهو ما توعَّدَ به إبليسُ الرجيم بني البشر.. (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ)[19].

إنَّ للافتتان ببعض العلوم دورًا رئيسيًا في خلق الغرور العلمي عندما يُسَاقُ المُفتَتِنُ في طريق تصغير غيره واعتبار نفسه الفائز بتوفيقات الله تعالى أن مكَّنه من الإحاطة المتميزة بهذا العلم أو ذاك حتَّى أصبح ممَّن يُشار إليهم بعلو الكعب والرسوخ العلمي، وهنا يكون بين محذورين إن لم يُحكِّم عقله ويتواضع لله تعالى، فإمَّا أن يرى نفسه عالمًا ضاع بين جهَّال، وإمَّا أن ينتَصِبَ وصيًّا على الناس ومُنقِذًا لهم من الضياع!!

عندما يَصِلُ إلى هذا الحد ويبدأ بالتنظير لمسيره التبليغي تتفاقم المشكلة في ما يتركه من آثار تضليلية في أذهان ونفوس الناس، وحينها لا يكون مستعدًا لقبول النصح لا من أساتذته ولا من أقرانه، فضلًا عن أن يقبل ممَّن يراه دونه!!

الخامس: مواكبة العصر.

يحمل البعضُ فكرةَ أنَّ للإسلام من السعة والقدرة على أن يكون نافعًا لكلِّ مكان وزمان، بمعنى قابليته لمواكبة متغيرات العصور دائِمًا!

هذا فهم غير صحيح، فالإسلام دين لكلِّ زمان ومكان بمعنى أنَّ كلَّ الظروف العصرية الممكنة من ثقافات ومعارف وما نحوها ينبغي أن تُصاغ وتُنتج على وفق قوانين الإسلام وقواعده. فلو منع الإسلام أسلحة القتال النارية والأوتوماتيكية فإنَّه لن يواكبها مهما كانت مُسلَّمة الصناعة والاستعمال في كلِّ الكرة الأرضية، والعيب حينها لن يكون في الإسلام، بل في عدم استجابة الناس لقوانين الإسلام، وحينها لا يصحُّ نعته بالرجعية والتخلف والجمود، فهذه حتمًا نعوتٌ لمن يخالفه، وهو أمر نحتاج إلى فهمه بعمق.

ليس من السهل تبني حاكمية الإسلام بهذا المعنى؛ وذلك لغلبةِ نظرية المواكبة العصرية على عموم الفكر البشري، وحصر المجتمعات لمن لا يواكب العصر في زاوية الاتِّهام بالرجعية والأصولية وما نحو ذلك من نعوت العزل.

لقد أثَّرتْ هذه الأجواء في صياغة العقلية العامَّة للناس أفرادًا ومجتمعات حتَّى ظهرت تأصيلات وتفريعات جديدة في فقه الثابت والمتغير تحت عنوان مواكبة الإسلام لروح العصر، ومن هنا تحديدًا خرجت بعضُ الأصوات معلنة التنكر لكتب المتقدمين وما أنتجته من تبانيات فكرية أعمُّ من العقدية والفقهية والأخلاقية وغيرها، ومناديةً للتحديث بما يجعل الإسلام خيارًا سياسيًا واقتصاديًا إلى جانب الخيارات العصرية.

لا شكَّ في جمال مثل هذه العبارات، إلَّا أنَّ لمعانَها كاذِبٌ وبريقَها يفيض زيفًا؛ فإنَّنا إذا جمعنا قوله (صلَّى لله عليه وآله): “كيف بكم إذا رأيتُم المعْرُوفَ مُنْكَرًا والمنْكَرَ مَعْرُوفًا؟!” إلى قول الله تعالى (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ)، ثُمَّ تأمَّلنا قول رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): “إنَّ الإسلامَ بَدَأ غَريبًا وسَيعُودُ غَريبًا كما بَدَأ، فَطُوبَى للغُرَبَاء. فقيلَ: ومن هم يا رسولَ الله؟ قال (صلَّى الله عليه وآله): الذين يَصلُحُونَ إذا فَسَدَ النَاسُ”[20] لتبيَّنَ لنا كيف أنَّ مجاراة العصر مسيرٌ حتمي نحو المنكرات والخسران، وكيف أنَّ من أهم وظائف المؤمنين في عصر غيبة الإمام المعصوم (عليه السلام) إصلاح النفس وتهذيبها كلَّما اشتدَّ الفسادُ في الأرض، ولذلك فإنَّ اهتمام المؤمنين بالبناء المعنوي هو الراجح في قبال البناء المادِّي الذي يحكم الدنيا اليوم.

لا يمكن للمفتونين بالحداثة ومواكبة العصر من فهم مثل هذه النصوص على النحو الذي يُفقِدهم قواعدهم الجماهيرية من الذين يبحثون عن إسلام يخلصهم من قيود الإسلام!! ولذلك يظهرون مُصرين دائمًا على نظرياتهم في صياغة الإسلام بحسب متطلبات العصر!

  • من مغالطات الافتتان بالحداثة والعصرنة:
  • المساواة بين الدليل والبرهان:

أشرنا إلى الاختلاف بين الدليل والبرهان من جهة اليقين وعدم اليقين بإصابة الواقع، وبالرغم من بديهية الثبوت اليقيني لما يثبته البرهان إلَّا أنَّ من لا يقوى على تصور نفسه خارج التيَّارات الثقافية والفكرية الدنيوية، بل ولا يقوى على تصور نفسه في تيَّار مقابل لها، يسعى جاهدًا إلى تقديم الإسلام على معايير تواكِبُ الحياةَ وعَصْرَنَةَ الفِكر، وهذا متنافر غاية التنافر على يقينية النتائج البرهانية؛ إذ أنَّها نافية لنظرية الحداثة والعصرنة وتساوي الآراء الاجتهادية في القيمة العلمية مهما تعاكست أو تضادت، ومن هنا جنح البعضُ نحو التسوية والمرادفة بين الدليل والبرهان، فانتهى إلى القول بأنَّ كلَّ ما هو عليه الآن من عقائد وقناعات قد ينتقض بغيره في آن لاحق إذا جدَّ دليلٌ ينقضه، بما في ذلك التوحيد والقول بنبوة الصادق الأمين محمَّد بن عبد الله (صلَّى الله عليه وآله)!

يصرحُ هؤلاء بتفاخر وتباهي بأنَّ ما هم عليه من استمراريةِ ودوامِ احتمالات الانتقاض في عقائدهم وقناعاتهم هو قِمَّةُ التَحَضُّرِ والتحرُّر من عبودية الانقياد الأعمى للغير؛ فهو دليل على استمرارية التفكير والتأمُّل والتحليل. هكذا يؤسِّسون للميوعة في الثقافة والفكر بما يرمي بالمخالف مباشرة في زوايا الاتِّهام بالتخلُّف والرجعية والأصولية والتبعية العمياء.

يأتي هذا النمط الفكري في توافق تام مع ما تدعو إليه الحركة التثاقفية العالمية من حداثة وعلمنة، أمَّا الحداثة فهي السيرورة وأصالة مبدأ الشك، والعلمنةُ هي مذهبُ أصالة العلم، ويقصدون به العلم التجريبي والاجتهادي البشري، ولأنَّ الحداثة ترفض الثبات البرهاني، والعلمنة تجعل العقيدة رهن التجدد الفكري البشري، كان الدين خارج معادلة الحياة ما لم يواكب أصلَي الحداثة والعلمانية.

من جهة أخرى فإنَّ الداعي لصياغة الإسلام على أسس الحداثة والعلمانية يجد لنفسه مساحة لا بأس بها في أروقة المجتمعات الثقافية العصرية وتجمعات لابسي قميص الحضارة والتقدُّم، وهو ما تركن إليه نفسُه بعد اعتماده معايير العالم البشري المعاصر في التمدُّن والحضارة، وبعد وقوعه في مزالق تحكيم العقل الشخصي بعد إخفاقه في التفريق بينه وبين العقل الكلي النوعي.

إنَّ مسائل العقيدة من توحيد وعدل ونبوة وإمامة ومعاد لها وجود تكويني خاص في نفس كلِّ واحد من البشر، وإنمَّا تقوم البراهين عليها لتلفت الإنسان إلى داخله لينكشف له الحقُّ.

عن زرارة قال: سألتُ أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى)[21]. قال (عليه السلام): “ثَبَتَتِ المَعْرِفَةُ في قلوبهم ونَسَوا الموقِفَ. سَيَذكُرُونَهُ يومًا ما، ولولا ذَلِكَ لَمْ يَدْرِ أحَدٌ مَنْ خالقه ولا مَنْ رازقه”[22].

وعن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله تعالى (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ) إلى آخر الآية.. قال (عليه السلام): “أخْرَجَ اللهُ مِنْ ظَهرِ آدم ذُرِّيَتَه إلى يوم القيامة، فَخَرَجُوا كالذر فَعَرَّفَهم نَفْسَهُ، ولولا ذلك لم يَعرِفْ أحدٌ رَبَّهَ، ثُمَّ قَال: الستُ بِرَبِّكُم؟ قالوا: بَلَى، وإنَّ هذا مُحَمَّدٌ رَسُولي وعليٌّ أميُر المؤمنين خَليفَتِي وأمِيني”[23].

إنَّ مجرَّد التفكير في احتمال انتقاض العقيدة هو في الواقع انقلاب على محور الوجدان وأصل وجدانيته، وهو جحود بعد استيقان، وهذا أعظم وأشد درجات الجحود. قال تعالى (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ)[24]

  • طريقية العبادات:

ظهرت في بعض المجتمعات أطروحة أنَّ المطلوبَ لله تعالى هو العبادة، وقد اختار لنا هو نماذج مناسبة لعصر النبي الأكرم (صلَّى الله عليه وآله)، ولا ملزم للبقاء عليها عند وجود غيرها ممَّا يُناسب العصر، فطرحت جماعةٌ عبادة التأمل والتفكر في خلق الله تعالى لمن لم يجدوا في الصلاة المعروفة من قيام وركوع وسجود أثرًا في نفوسهم، وبالاستناد على أحاديث فضل التفكُّر، من قبيل ما عن الحسن الصيقل، قال: “قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام): تَفَكُّرُ سَاعةٍ خَيرٌ من قِيامِ ليَلةٍ؟

قال (عليه السلام): نعم؛ قال رسول الله (صلَّى الله عليه وآله): تَفَكُّرُ سَاعةٍ خَيرٌ من قِيَامِ ليلةٍ.

قلتُ: كيف يَتَفَكَّرُ؟

قال (عليه السلام): يَمُرُّ بالدار والخَرِبَةِ؛ فيقول: أين بانُوكِ؟ أين سَاكِنُوكِ؟ ما لكِ لا تَتَكَلمين؟!”[25].

ربَّما كنَّا في يومٍ قادرين على استشراف المستقبل وتوقع مثل هذه المظاهر الثقافية، فالعوامل المجتمعة تُعلنُ عن نفسها مقدمةً لا تلبث طويلًا حتَّى تتمكَّن في المجتمعات ثقافات تظهر في كل مساحة بحسب ظروفها.

يقولون:

إذا كانت الحداثةُ حقًّا، فمن الأولى أن تكون من مرتكزات الرؤية الكونية في الإسلام، وإلَّا فكيف يتخلَّف هذا الدين العالمي عن الحداثة وأسسها وقوانينها؟

ثُمَّ أنَّ العقلاء لا يخالفون في تقديم الكيف على الكم، والمعنى على ما يراد منه إظهار المعنى. وعليه فإنَّ المظاهر العبادية المعروفة لا قيمة لها إلَّا بما تُظهره في معنى، وبالتالي لا ضرورة للعبادة الخارجية إذا حَصَلَ معناها في النفس وظهر على السلوك وتحقَّقتِ الغاية منها، وهذا ما يبدو واضحًا من مثل قوله تعالى (وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ)[26]، وقوله جلَّ في علاه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[27]، فإذا كان الإنسان بعيدًا عن الفحشاء والمنكر، بل إذا كان كارِهًا لكلِّ فاحشة ومنكر، فما الداعي للصلاة حينها؟ ونفس الكلام لو كان من أهل التقوى والورع، فلِمَ الصوم؟

ويقولون أيضًا بعدم كفاية الصلاة، أو عدم مناسبتها لمن يصلِّيها ولا ينتهي عن الفحشاء والمنكر، وفي هذه الحالة عليه أن يضيف إلى الصلاة أمرًا آخر، أو أن يستبدلها بما هو أفضل منها في تحقيق الغاية!!

هكذا يتعاملون مع العبادات، ومنهم من يُصرِّح، ومنهم من يفكِّر بهذا النحو من دون تصريح، وهذا أخطر من سابقه؛ إذ أنَّ انفجاره مُتَوَقَّعٌ بشكل أشدُّ انفلاتًا.

نقول:

إنَّ هذه الحياة الأرضية الدنيا ليست أصيلةً في وجود هذا الإنسان الذي خُلِقَ ليسكن الجنَّة كما هو ظاهر قوله تعالى (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ)[28]، وإنَّما أُهبِطَ إليها بعد غوايته وعصيانه، وهو قوله عزَّ وجلَّ (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ)[29].

لا تظهر لنا المفسدة من اقتراب آدم وحواء (عليهما السلام) من الشجرة التي قال لهما ربُّ العزَّة في شأنها (وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِين)، إلَّا أنَّ عدم علمنا بها شيءٌ والانتهاء تلبيةً لحقِّ المولوليةِ شيء آخر.

إنَّ أخَفَّ درجةٍ من درجات علاقة الإنسان بالله تعالى درجةُ العبودية بالمعنى المتعارف في المجتمعات البشرية مهما سيطر المولى على العبد وتحكَّم بمصيره؛ إذ أنَّ فرصة التخلص والتحرُّر مِن العبودية تبقى قائمة، وهنا المفارقة العميقة؛ فعبودية الإنسان في سلطان الله جلَّ في علاه حُرِّيَةٌ تعلو كلَّما تمحَّض فيها، والسرُّ في ذلك حقيقةُ أنَّ العبودية في الدنيا هي الابتعاد عن الله تعالى.

لا يملك اللهُ تعالى هذا الوجود ملكًا اعتباريًا مكتسبًا، بل هو ملكٌ حقيقي غير مُزَاحَمٍ على الإطلاق، وقد قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) في الدعاء الذي علَّمه كميل بن زياد: “يا اِلهي وَسَيِّدي وَمَوْلايَ وَمالِكَ رِقّى يا مَنْ بِيَدِهِ ناصِيَتى”، فالإنسان، بل كل هذا الوجود الحادث بيد الله تعالى وتحت سلطانه مطلقًا، ولو أراد إفناءه فليس ذاك إلَّا بآنٍ بين الكاف والنون.

قال الله تعالى (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ)[30].

ثُمَّ أنَّنا نُضيف إلى ذلك القصور الذاتي في الإنسان ما يمنعه حتمًا عن الوقوف على مِلاكات الأحكام الإلهية، وإنْ انكشف له منها شيءٌ فالقطع بِكَونِ هذا المُنْكشف هو كل شيءٍ تخرُّصٌ وجهل، فإنَّ انكشاف غاية الانتهاء عن الفحشاء والمنكر لا يمكن القطع بأنَّها الغاية الوحيدة من تشريع الصلاة، بل وحتَّى مع القطع اليقيني بذلك فهي غاية لفعل الصلاة بما هي صلاة، ويبقى مِلاك امتثال الأمر المولولي، وهو باقٍ وإنْ كان العبد في أرفع مراتب الورع والتقوى.

نخلصُ إذًا إلى أنَّ التشريعات الإلهية واجبة الامتثال على العبد موضوعًا، في كلِّ زمان ومكان ما لم يأتِ خطابٌ بالخلاف من نفس الشارع المقدَّس.

  • التحليلات الدنيوية.. منشأ التشيع مثالًا:

تذهب شريحة من هؤلاء إلى أنَّ الحياةَ الاجتماعية بمقوماتها الثقافية والفكرية إنَّما هي نتاج لصراعات الأفعال وردود الأفعال، ومنها نتجت الأديان والمذاهب والعقائد وغيرها، ومن هنا يُرجِعون التشيع إلى مناشئ سياسية ولَّدها القهرُ والإقْصَاءُ، ولأنَّ الشيعةَ -بحسب زعمهم- بقوَا تحت سلطة العزل والإبعاد فإنَّهم، كما كان غيرهم من المستضعفين، ابتدعوا فكرة المنقذ المنتظر، وهي فكرة تُسوِّغ لهم الهروب من تحمُّل مسؤولية الصراع الوجودي في الحياة الدنيا، والركون إلى الدعة وإعادة إنتاج المظلومية تعزية ومواساة للنفس إلى حين الظهور الموعود.

في نفس الوقت يبدي هذا التوجُّه احترامه وتقديره للشيعة وعقائدهم؛ على اعتبار أنَّ هذه العقائد نتاج طبيعي لشدَّة الاستضعاف والقهر، ما يفرض على الإنسان احترامها وتقدير متعنقيها!

نقول:

إنَّ وقوع الشيعة تحت القهر والاستضعاف وقوع اتِّفاقي لا أصلي في عقيدة الإمامة حضورًا وغيابًا، إذ أنَّ مسألة قيام ميزان العدل الصارم في هذه الحياة الدنيا ترجع إلى أصل العدل الإلهي، وأمَّا العدل والظلم في هذه الدنيا فمأخوذان على نحو القضية الحقيقية لا الخارجية.

بمعنى: سوف يقوم ميزان العدل في هذه الدنيا بين يدي الساعة، سواء وُجِدَ من ينتصف له أم لا، فهذا على نحو تقدير الوجود، وعدم وجوده لا يتوقف عليه وجود الميزان.

زيادة بيان:

يقول الله تعالى (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ)[31].

إنَّ المنَّةَ الإلهية موجودة، سواء وُجِدَ من يمُنُ الله تعالى بها عليه أو لا، وعندما وجِدَ المستضعف جاء دورها الفاعلي عطاءً ورحمةً ولطفًا منه جلَّ في عُلَاه، فمسألة الإمام المهدي (عليه السلام) ليست مستقلة في وجودها حتَّى تكون معلولةً للاعتمالات النفسية البشرية، بل هي أصلٌ يظهر فيه العدل الإلهي في هذه الدنيا كما وعد الله تعالى وجرى بيانه في نصوص العِترة الطاهرة.

إنَّ هذا المستوى من التسخيف نتيجة طبيعية جدًّا لمقولة الحداثة، فهي مقولة تقتضي سلب الجدِّية من كلِّ شيءٍ؛ حيثُ إنَّ كلَّ شيءٍ متغير ذو أحوال متبدلة لا ثبات فيه إلَّا بمقدار ما يثبت عليه تفكير البشر! أمَّا العقلية الإسلامية التي تقوم على أسس الثقلين المقدَّسين فهي عقلية رصينة وازنة تنأى بنفسها عن مثل هذه التسطيحات المعيبة.

الأساس في المقام:

إنَّنا في غنى عن ذكر مزيد من الأمثلة على المغالطات التي يسوق بعضٌ على ظهرها شبهاته؛ وذلك لأنَّ الأصول التي يقوم عليها الفكر السليم تردُّ كلَّ الشبهات عن بكرة أبيها، حتَّى لو كان مُعِدُّها إبليس الرجيم وأعتى شياطينه وجنوده من الإنس والجن، فهم وما يُعِدُّون لا يساوون عفطة عنز تطردها هبَّات النسيم من تحت أعتاب أبواب أصولنا الفكرية والعقدية. لذا فإنَّ دعوتنا مستمرة بإصرار على ضرورة فهم الأصول وما تستند إليه من برهان يقيني في ضمير الإنسان، وهذا هو الأساس في المقام.

“القول منِّي في جميع الأشياء قول آل محمَّد، فيما أسروا وما أعلنوا وفيما بلغني عنهم وفيما لم يبلغني”

 

السيد محمَّد بن السيد علي العلوي

6 جمادى الثانية 1441 للهجرة

البحرين المحروسة

……………………………………………………….

[1] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 2 – ص 453

[2] – قرب الاسناد – الحميري القمي – ص 54 – 55

[3] – الآية 33 من سورة الرحمن

[4] – الآية 41 من سورة الروم

[5] – الآية 30 من سورة الروم

[6] – الآية 172 من سورة الأعراف

[7] – التوحيد – الشيخ الصدوق – ص 329

[8] – معجم الفروق اللغوية، ص97

[9] – وسائل الشيعة (آل البيت) – الحر العاملي – ج 12 – ص 187

[10] – المرجع السابق

[11] – وسائل الشيعة (آل البيت) – الحر العاملي – ج 5 – ص 233

[12] – الآية 79 من سورة البقرة

[13] – الآية 2 من سورة الجمعة

[14] – الآية 85 من سورة طه

[15] – المسترشد – محمد بن جرير الطبري ( الشيعي) – ص 255

[16] – نهج البلاغة – خطب الإمام علي (عليه السلام)، شرح محمَّد عبد، – ج 4 – ص 11 – 12

[17] – بصائر الدرجات – محمد بن الحسن الصفار – ص 41 – 42

[18] – وسائل الشيعة (الإسلامية) – الحر العاملي – ج 5 – ص 394 – 395

[19] – الآيتان 16 و 17 من سورة الأعراف

[20] – مستدرك الوسائل – الميرزا النوري – ج 11 – ص 323

[21] – الآية 172 من سورة الأعراف

[22] – المحاسن – أحمد بن محمد بن خالد البرقي – ج 1 – ص 241

[23] – بصائر الدرجات – محمد بن الحسن الصفار – ص 91

[24] – الآية 14 من سورة النمل

[25] – المحاسن – أحمد بن محمد بن خالد البرقي – ج 1 – ص 26

[26] – الآية 45 من سورة العنكبوت

[27] – الآية 183 من سورة البقرة

[28] – الآية 35 من سورة البقرة

[29] – الآية 36 من سورة البقرة

[30] – الآية 82 من سورة يس

[31] – الآية 5 من سورة القصص

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *