الرئيسية / دراسات وبحوث / مراجعة لكتاب (تحرير المسائل.. رسالة في مبادئ دراية الحديث)

مراجعة لكتاب (تحرير المسائل.. رسالة في مبادئ دراية الحديث)

مراجعة لكتاب (تحرير المسائل.. رسالة في مبادئ دراية الحديث)

للسيد محمَّد العلوي

بقلم: الشيخ مهدي الجمري

في ليل الثالث عشر من ذي الحجة عام 1440 هـ وقّع سيدنا الأستاذ العالم الفاضل محمد بن علي العلوي (أدام الله بركاته) على رسالته الموسومة بـ (تحرير المسائل، رسالةٌ في مبادئ دراية الحديث).

يشرعُ الباحث في رسالته معتمدًا على معالجاتٍ علميّة تناول أطرافها في بحثين سابقين على هذا المؤلَّف، هما: (الحبور في القطع بالصدور) و (مقولة الإسرائليات في كتبنا الحديثية)، وعلى هذه المبادئ العلميّة يُعالجُ مشكلة مختصة بعلم الدراية في بعدين:

البعد الأول: البعد العلمي التخصصي.

البعد الثاني: البعد الثقافي.

إنّ البعد الثاني للمشكلة نشأ عن إشكاليّات في الطرح لعامة الناس والفهم لواقع النظرية، فإنّ إخراج القضايا العلمية عن بوتقتها ودائرتها إلى عالمٍ آخر أوجب تشكلات جديدة للنظرية في أفهام الناس.

إنّنا بين مشكلتين مشكلة علميّة ومشكلة ثقافية، وهذا ما يحتاجُ إلى منهجية خاصة في المعالجة، ولسانًا خاصًّا في البيان.

يبدأ الباحث المعالجة بمقدمة عامّة يؤسس فيها لقضية تحدد طبيعة النظر للموضوع المبحوث، فالنظر للإسلام تارةً يكون بلحاظٍ مجردٍ عن حيثيات عالم الإثبات والواقع، وتارةً أخرى يلحظ من الجهة الإثباتية والحيثيات المأخوذة في هذا الواقع النفس أمري، وبهذا الاعتبار يكون الأخذ العملي والجري على وفق الإسلام عقيدةً وفقهًا وثقافةً غير معزولٍ عن نفس الإسلام، واللحاظ الثاني هو المقصود في المقام.

عند هذه النقطة تنفتح نافذة مهمّة مرتبطة بدلالة حديث الثقلين، فما أفاده الحديث من لزوم التمسك بهما لغاية تحقيق العصمة عن الضلال إنّما يكون فيما إذا كان العدل الثاني قد بلغ من غير شائبةٍ تقدح في الغاية، فلا مناص أنّ تحقق الغاية مرتهن بصحة الأخبار الواردة في كتبنا الحديثية، وإلّا كان التمسك تمسكًا غير عاصم إنْ أثتبنا الصحة لبعض ما ورد.

فجَعْل الأمة معصومة عن الضلال لا ينفكُّ عن إقامة معالجات إثباتية مرتبطة بحفظ العدل الثاني كما حُفظ العدل الأول، وبمقتضى قاعدة اللطف وما دلّ عليه حديث الثقلين يجزمُ الباحث بهذه النتيجة، هذا ما أقام أركانه الباحث في بحث (الحبور في القطع بالصدور).

ويناقشُ الباحث هذه النتيجة بأنّه يشهدُ علم الدراية والرجال، بل الروايات على وجود الوضع والكذب والدسّ، فلا تتمّ دعوى الصحة المذكورة.

ويجيبُ: بأنّ الصحة المدعاة غير مأخوذة من الكتب الحديثية نفسها، لا من تقييم الأسناد ولا المتون، وليست ناشئة عن إعمال علمي الدراية والرجال وموازينهما، بل هي مأخوذة من جهة برهانية على نحو القضية الحقيقة، وطبيعة هذا النوع من البراهين يقتضي الجزم بصحة الوارد، وأمّا شخص كل حديثٍ حديث فيُلتزم في حقه بالصحة، فإنْ حصل مانع يعارض الصحة اقتضى ذلك توجيه الخبر، وإلّا كان المورد من موارد إمساك القلم.

على ضوء هذه الحقيقة التي أراد بها الباحث تحديد مسار البحث يتوجّه نحو الواقع الإجتماعي القائم ويقسمه إلى دائرتين:

الدائرة الأولى: الشيعة.

الدائرة الثانية: نقاد الدين.

بالنسبة للدائرة الأولى لمّا أُنزلت موازين علم الدراية للطرح العام أوجب ذلك فهمًا مغلوطًا في الأذهان كانت نتيجته التشكيك في الأحاديث الشريفة، وصار الشك وعدم الحجية أصلًا في الأحاديث ما لم يثبت خلاف ذلك.

أمّا بالنسبة للدائرة الثانية فقد اعتمدت هذه الدائرة على ما يروّج له من ضعف كتبنا الحديثية لضرب الإسلام.

وبموجب التموّجات التي حصلت في هاتين الدائرتين تكوّنت فكرة الدعوة إلى (تنقيح التراث الشيعي).

تحت عنوان (مقدمة خاصّة) يأخذ الباحثُ القارئَ إلى منشأ البحث في الأسناد والضبط القانوني لها، فيفيد أنّ مرجعها لمسألة حجية خبر الواحد في علم أصول الفقه.

إنّ تأسيس المبنى العلمي في خصوص هذه المسألة يدفع ويمنع الميولات النفسية والثقافية لقبول ورد الرواية بما يوجب فوات العلم، من جهة، ومن جهة أخرى يأمّن الفقيه من الوقوع في محذور العمل على غير علم، والعمل بغير حجة، ويحقق له المعذريّة بينه وبين ربه عزّ وجلّ.

التحقيق في هذه المسألة أوصل بعض الفقهاء إلى اعتماد السند كمنهج له في قبول وردِّ الرواية في بحثه النظري إلّا أنّه في مقام التطبيق يُعمل أدواتٍ أخرى لرفع الضعف عن الخبر بما يوجب العمل به.

وقد تشدد جماعة من الفقهاء في اعتماد السند، لكن ما يجدر الإشارة إليه أنّ ردّهم للأحاديث الضعيفة سندًا التزامًا منهم بالحجة عليهم على ما يعتقدون، وما يكون منجزًا ومعذرًا لهم بينهم وبين ربهم عز وجل، ولشدة احتياطهم في الفتوى.

إنّ المقام الذي يُعتمد فيه هذا المنهج هو مقام الفتوى، أمّا المقامات الأخرى فلا يُردُّ فيها الحديث بضعف السند، وهذا ما حاول الباحث بيانه بالتطبيقات والأمثلة.

يرجع الباحث مجددًا لطرح المشكلة البحثية ويبين أن حلّها يتحقق ببحث أمرين:

الأمر الأول: منشأ البحث في تسلسل الأسناد.

الأمر الثاني: مدى إمكان تحكيم تسلسل السند.

ويتناول ذلك في سبع مسائل:

المسألة الأولى: التسلسل في الإسناد

لماذا يُعتبر اتصال السند ركنًا أساسيًا في قبول ورد الرواية؟

إنّ اعتبار ذلك ناشئٌ عن رؤية فلسفية كما يرى الباحث وإنْ كانت غير ظاهرة أو غير ملتفت إليها، ومحورها هو ظرفية الناقل ومظروفية المنقول بما لها من ملازمات عقلية في النقل والانتقال، فلولا اتصال سلسلة السند لما ترتب النقل ولا الانتقال، فلذا لو بلغ منتهى الحديث للكليني (رضوان الله عليه) ولم يكن جريانه على وفق مقتضى تلك الاعتبارات العقلية إثباتًا لجهة فقدان راوٍ في السلسلة أو جهالته أو ضعفه كان ذلك قادحًا في اعتبارية البلوغ.

هذه الدعوى التي يطرحها الباحث قد ناقشها بمخالفتها لما دلّت عليه سيرة العقلاء، فكان ذلك بوّابةً للبحث في مدى دلالة السيرة، وانتهى إلى أنّ السيرة دالةٌ على الأخذ عن الثقة الناقل لا البحث في سلسلة السند.

المسألة الثانية: خبر غير الثقة

هل يُردُّ خبر غير الثقة؟

يقف الباحث مجددًا على مقدار دلالة السيرة العقلائية وحاصل التنقيح في دلالتها هو: أنّه لم يُعهد من العقلاء ردُّ خبر غير الثقة من رأسٍ إلّا إذا كان معروفًا بالكذب ونحو ذلك.

فإذا بلغهم خبر من غير الثقة ولم يكن معروفًا بالكذب نظروا في حال الخبر هل يستوجب التحقيق والتدقيق أو لا؟ فعلى الثاني لا مقتضي للرد، وعلى الأول فقبوله ورفضه رهن التحقيق، وبالنسبة لما بلغنا من أخبار الأطهار (صلوات الله عليهم) فإنّنا بين أربع صور، لصورتين منها صورتان، وفي جميع الصور يرى الباحث لزوم أن يكون المحقق على قدر من الإحاطة والخبرة بعلوم الدين ومسائله ليحكم بأي حكمٍ من الأحكام.

المسألة الثالثة: الأحاديث المصرّحة بوجود الوضع والدس في روايات أهل البيت (ع)

يرى الباحث أنّ الروايات قد مرّت بمرحلة علاجية نُقح فيها تراثنا من الموضوعات والمدسوسات والمكذوبات، وذلك برعاية وعناية من الأئمة (ع) وجهدٍ بذله الأصحاب إلى زمن المحمدين الثلاثة، فنقى التراث من كل ذلك.

إنّه لمّا تميّز عمل المحدثين الثلاثة بالجمع مع علمنا بما لهم من الشأن والاقتدار العلمي الذي تكشف عنه منهجيتهم في مصنفاتهم، كان القول بمخالفتهم لمقتضيات المنهج العلمي في الجمع ممنوعًا ومدفوعًا عنهم، فلذا لابد من توفّر المادة الحديثية التي جمعوها على ما يميزها عن غيرها حيث خصّت بذلك.

ثم إنّ قاعدة اللطف وحديث الثقلين المتواتر يقضيان بضرورة سلامة أحاديثنا عقلًا، وعند هذه النقطة يقفُ الباحث مجددًا على ما قرره من دلالة حديث الثقلين على سلامة مروياتنا من الكذب والدس والوضع بل بلوغها أجمع درجة الصحة، وينقضُ عليه بأنّ تحقق العصمة عن الضلال كما يفيده الحديث يتحقق بما صحّ عنهم بلا توقفٍ على دعوى صحة كل ما ورد، ويجيب عن ذلك: بأنّ كفاية ما صحّ عنهم (ع) بحسب القواعد الدرائية كلام غير تامٍّ، لأمرين:

الأول: إنّ الكثير من الأحاديث ذات المضامين العالية والتي تعصم عن الضلال غير مقبولة على وفق المعيار الدرائي.

الثاني: إنّ العقلاء يرجّحون تعمّد الأئمة إيداع الخطير من الأخبار في العقيدة والمقامات العالية لخاملي الذكر ومنْ يجهل حاله.

توجيهٌ وإشكاليّة:

يوجّه الباحث ما سلكه العلماء من مسلك اقتضاه البحث الدرائي من اعتماد خبر الثقة حصرًا، بكونهم يطلبون الحجة الشرعية، إلّا أنّ الإشكالية تعمّقت لمّا جُرّت المصطلحات الدرائية لميدان العقائد والتاريخ وغير ذلك.

المسألة الرابعة: العرض على الكتاب والسنة القطعيّة

إنّ قياس الكلام بعضه على بعض أمرٌ عقلائي أكّد الشارع المقدس عليه في أمر النصوص بعرضها على الكتاب والسنّة القطعيّة.

ويرى الباحث اختصاص العرض على الثقل الأول بأكابر العلماء من المقربين للأئمة (ع)، وهو اختصاصٌ يقتضيه الحال والمقام والتصريح به ينقض بعض الأغراض، وقد بين ذلك مفصًلا في جهات ثلاث.

المسألة الخامسة: الإسناد وترجيح قول الثقة

قد تناول في هذه المسألة أمرين:

الأول: القيمة العلمية للإرسال.

الثاني: ما يسميه الباحث ببينيات السند، ودخالتها في ترجيح خبر الثقة.

ومقصوده من بينيات السند الوقوف على الدلالة المستفادة من رواية راوٍ عن آخر، هل هي مجرد دعوى صدور الخبر من الراوي الذي يُنقل عنه، فالراوي (أ) يدعي صدور الرواية من الراوي (ب) والراوي (ب) يدعي مثل تلك الدعوى بالنسبة للراوي المتصل به وصولًا إلى الإمام المعصوم (عليهم السلام) أو أنّ الراوي يتحمّل مسؤوليّة ما ينقله، فتحمّله للرواية هو تحمّلٌ لذلك؟ وهل يتنوّع هذا الأمر من راوٍ إلى آخر، فتكون دعوى بعض الرواة هي تحمّل المسؤولية بينما دعوى آخرين هي الراوية عن المتصل به وحسب؟

وهل هناك خلف السند في أي طبقةٍ من طبقاته ما يثبت صدور الرواية لوجود قرائن تثبت الصحة؟

يُناقش الباحث هذه المسألة مفصلًا ثمّ يرجع إلى المستند في اعتبارية خبر الثقة وهو السيرة وينتهي في النتيجة إلى أنّ ترجيح قول الثقة أمر عقلائي لا ينكر إلّا أنه مختص بالتلقي عن واسطة واحدة، ولا موضوعية له على ما زاد عنها.

المسألة السادسة: اهتمام الآخرين بالأسناد

يتناول في هذه المسألة وجه اهتمام العامّة بالأسناد وسبب الضبط والدقة الواقعة في أسنادهم.

المسألة السابعة: القرائن على صحة الصدور

يُقرر الباحث في هذه المسألة بقاء القرائن التي اعتمدها المتقدمون في تصحيح الأحاديث، ويذهب إلى أنّ القرائن المحوريّة لا تكمن فيما ذكره الأعلام: الحر العاملي والمحقق البحراني والميرزا النوري (أعلا الله درجاتهم) وإنْ كان ما ذكروه من القرائن أيضًا، فإنّ القرائن تظهر في كتبنا الحديثية من جهات ثلاث:

الأولى: الترابط المنهجي.

الثانية: الجمع بناءً على الاشتراكات الموضوعية.

الثالثة: الاستغناء الداخلي بين الأحاديث في إثبات بعضها وتحقيق وحدة متماسكة بما فيها الحديث الضعيف سندًا.

ثمّ يتعرّض الباحث لما ذكره الأعلام الثلاثة ويوجهه توجيهًا لطيفًا يرجعه لكبرى منهجية كانوا ملتفتين لها من وجهة نظره.

الخاتمة:

ينتهي الباحث في ختام رسالته بمعالجة للفهم الحاصل لعلم الدراية، والذي يراه فهمًا غير صحيح، ثم يوجّه رسالة لطبقتين من المؤمنين:

الطبقة الأولى: عامّة المؤمنين.

الطبقة الثانية: الخطباء وطلبة العلم.

ويطرح فيها أربعة عناوين:

الأول: المباحث التخصصية.

الثاني: النصوص العقائدية.

الثالث: النصوص الأخلاقية.

الرابع: النصوص التاريخية.

أقولُ في الختام: إنّ هذه الرسالة تفتحُ في أذهان الباحثين بما تطرحه من مسائل أُفقًا علميًّا جديرًا بالتوقف والتأمّل والمناقشة العلمية، كما أنّها من جهةٍ ثانية تلفتُ المتصدين لتبليغ الدين من الخطباء وطلبة العلم إلى مناشئ المعالجات العلمية المرتبطة بالحديث الشريف، وتعطي فهمًا قويمًا حولها بما يُكسب المبلغين حكمة فيما يطرحونه من الأحاديث الشريفة على الناس، إذ أنّ الوقوف على المناشئ وحقيقة المسائل يُخرجهم من إشكالية الخلط بين المقامات المختلفة التي يكون لسند الحديث فيها دخالة من حيث الاحتجاج وعدمه والمقامات التي لا دخالة للسند فيها، فصحة السند وضعفه ليست معيارًا مطلقًا في جميع الموارد لقبول الحديث وردِّه، والوقوف على هذه الحقيقة يجنّب الخطباء وطلبة العلم طرح ما يوقع الناس في إشكاليّات علمية وفهمٍ مغلوط، يوجبُ التشكيك في ركنٍ ركين من مذهبنا العزيز، ومن جهة ثالثة تعالجُ إشكالية الفهم المغلوط للمسائل الدرائية، وتحدد مدى هذا العلم، ومن جهة رابعة يُفنّد هذا البحث حاجة تراثنا إلى التنقيح من الموضوعات والمدسوسات.

نسأل الله تعالى أن يوفق سيدنا الأستاذ لخدمة الدين العزيز ويسدده ويعصمه، ويفتح له أبواب العلم، ويطيل في بقائه، ويديم علينا بركاته، إنّه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.

 

كتبه:

مهدي ابن الشيخ صالح الجمري

29 جمادى الثانية 1441 للهجرة

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *