الرئيسية / مقالات / أمَّا الحِجَابُ فليس إلَّا أحد الموارد..!

أمَّا الحِجَابُ فليس إلَّا أحد الموارد..!

نقل أحدُ الأفاضل خبرًا عن فتح فتاةٍ على برنامج التواصل التكلنلوجي (Twitter) المجالَ أمام كلِّ من قرَّرت خَلْعَ الحِجاب لتسردَ قصَّتها، وكان من غايات نقل الخبر التصدِّي لمثل هذه الموجات؛ إذ أنَّها في أقلِّ مساوئها انتهاكٌ لحرمة المجتمع وقوانينه، وهذا ممنوع تمامًا في كلِّ المجتمعات على الإطلاق، حتَّى أنَّ الرئيس الأمريكي الحالي (2020م) قد رفع دعوى قضائية ضدَّ أحد مساعديه السابقين ليمنعه من نشر مذكراته التي تُعدُّ في مضمونها من أدوات الانتهاك لحرمات البيت الأبيض!

بغض النظر عن حكم القضاء هناك، فإنَّ الأمر واحد؛ لوحدة الجهة، وهي المنع من مخالفة قوانين التجمع، حزبًا كان أو جماعة أو تشَكُّلًا مجتمعيًا على سعة أصنافه وتنوعاته، فنظرية حرية الرأي المطلقة تافِهَةٌ مُنْتَقِضَةٌ انتِقَاضًا ذاتيًا هادمًا لأركانها تمامًا.

لا يعترض مجتمعنا على عدم لبس الحجاب، كما ولا يتدخل في قرار من تريد خلعه، فواقع المجتمع الذي نعيش فيه ويحكم رؤانا العملية لا يُسَاعِد على أكثر من التأصيل والتنظير والدعوة المُحدَّدة بحدود نفس المجتمع. هكذا كنَّا منذ زمن، وفي الغالب لا نشهد مواجهات حادَّة بين المتدينين وغيرهم، بل ما نراه هو التزام الجميع بحدوده حتَّى في مجالات الدعوة والتبليغ الأعم من الإسلامي وغيره.

لذا، فإنَّ بروز مثل هذه السلوكيات التي تنتهك خصوصيات وأعراف المجتمع مرفوضة من الجميع، سواء كان متدينًا أو لا.

في هذ المقالة لا اتحدَّث عن خصوص مثل هذه الانتهاكات، وإنَّما أودُّ التنبيه على انتهاك أكثرَ خطورة، بل هو من الجرائم الشيطانية البشعة جدًّا..

دعوني أُصوِّرُ ما أنا بصدده..

تخيلوا معي رجُلًا طاهرًا عفيفًا ذا مروءة وشهامة وقد هجم على داره مجموعةٌ من المجرمين، وإذا بهم يروعون أطفاله تارة، ويقتربون من نسائه أخرى، ويذلُّونه أمامهم.. وهو بين هذه التهديدات كالمصروع يدفع عن أطفاله، وفي لحظة يقفز لحماية زوجته..!!

إمَّا أن يُعدَم المجرمون، أو أن يُبعَدوا ويوصد الباب، أو أن يتعلَّم الجميع مهارات الدفاع عن النفس.. وإلَّا فلا حلَّ أمامه..

فلنسأل:

لماذا قصده المجرمون؟ فلو كان قويًّا ذا بأس، وله واقعه القوي المفروض لهابه الطامعون.

الآن..

لو أنَّ حملةً عالميةً قويَّةً تهبُّ لمصلحة الحِجَاب ودفع كلِّ عابثٍ عنه، فإنَّ المشكلة لن تُحل، وكل ما في الأمر أنَّها سوف تخبو من جهة الحجاب وتبرز بشراسة أشد في جهة أخرى، وهكذا نلاحق ظهوراتها كما كان ذاك الرجل يلاحق تهديدات المجرمين!

إنَّهم ما كانوا ليتجرَّأوا على مسألة إسلامية في العقيدة أو الفقه أو العرف إلَّا من بعد نجاحهم في الإضرار بسياج التدين وصمامات أمانه، فتأمَّلوا جيِّدًا..

أوَّلًا: التشكيك باسم الوعي والفهم:

كان الناس على أرفع مستويات الوعي بواقع الحياة، فالمزارع والتاجر والبحَّار والنجَّار، كلٌّ منهم في عمله متحدِّدًا بحدود الشرع الذي يأخذه من العالِم المأمون في حدود افعل ولا تفعل، وإن أراد أحدٌ دفعه للتعمق والسؤال عن مدارك الأحكام وعِللها، قال: هذا ليس شأني ولا هو شغلي.

إنَّه مثلما يذهب إلى الطبيب إذا مرض، ويسلِّم تسليم العقلاء لتشخيصاته والدواء الذي يصفه له، كذلك يذهب إلى البنَّاء والطوَّاش، وقس على ذلك ممَّا يدخل تحت أعلى القواعد والقوانين العقلائية، وهي قاعدة: قلِّدها عالم واخرج منها سالم.

أوَّل ما ضرب المُفسِدون هذه القاعدة العالية، فدفعوا بالناس في أمور لا يتمكَّنون من فهمها على وجهها التخصُّصي الصحيح، غير أنَّهم يعيشون وهم الفهم والمعرفة، خصوصًا بعد تزريقهم بمغالطات من قبيل: لن يجيب علماءُ الدين على أسئلتكم؛ لأنَّهم يخشون فهمكم، ويريدونكم عمي لا تُبصِرون!!

هذه الموجة الإفسادية العالية أخذت معها بعض طلبة العلم، فأصبحوا مع عامَّة الناس يفرِّعون ويشققون المسائل العقدية والفقهية أكثر من حديثهم عن النتائج التي يحتاجها العباد، فلا أفادوا، للأسف، ولا عَصَمُوا!.

عندما لا يصحُّ للمريض سؤال الطبيب المختص عن مكونات الدواء وتفاصيل تأثيره، وما إلى ذلك ممَّا يحتاج في معرفته إلى مقدمات علمية طويلة، فإنَّه لو سأل لأضاع على نفسه العِلاج ولتمكَّن منه المرض أكثر وأكثر.. هكذا هو الأمر مع تعاليم الإسلام وأوامره التي نأخذها تعبُّدًا أوَّلًا وأخيرًا، فإن وقفنا على عللها وفلسفاتها وإلَّا فتمسكنا بها لا يُخدش بحال.

ثانيًا: إتاحة كلِّ شيءٍ لكلِّ أحد:

قبل النصوص القرآنية، وأحاديث أهل البيت (عليهم السلام) التي تؤكِّدُ على ضرورة حظر العِلم على غير أهله، فهو قانون عقلائي لا يقدح فيه غيرُ مجنون!

هنا أمر لا بدَّ من التنبيه عليه..

قد يتمكَّن أيُّ واحدٍ من قراءة ودراسة كتابٍ في أصول الفقه، أو في الكلام مثلًا، وربَّما استمع لبعض الدروس الصوتية، إلَّا أنَّ هذا لا يكفي أبدًا، فإنَّ حضور الدرس في نفسه مأخوذُ في صياغة الفهم وتكوين الشخصية العلمية. لذا نرى الهوة تتسع بين طلبة العلوم الإسلامية والمثقفين الذين يقرأون الكتب الحوزوية؛ فهؤلاء قد صيغت عقلياتهم في الجامعات الأكاديمية، والحال أنَّ المُؤلِّف الحوزوي يكتب من منطلقات عقليته الحوزوية المتوافقة مع عقليات طلبة الحوزة ومسالكهم الذهنية العلمية.

تنشأ التخالفات ويعيش غير المتخصصين مصيبة الجهل المركب التي كلَّما تعمَّقت زاد الفرز والتشظي من جهة، والجرأة على الإسلام من جهة أخرى.

ثالثًا: التشكيك في الأحاديث الشريفة:

هذه موضة العصر وأمارة الثقافة والوعي!! فكم هي نشوة تعتري نفس ذاك الذي يُضعِّف الأحاديث، وكأنَّه قد جاء بفتح عظيم ينتشل برايته العباد من أعماق الظلام والجهل!!

هذا الأمر مرتبط بسابقه، فإنَّ غير العالِم عندما يجد في كتاب للمحقِّق الخوئي (علا برهانه) أو للفقيه السيستاني (دام ظلُّه) تضعيفًا لحديث فإنَّه يتوهم إسقاطه عن الاعتبار تمامًا، ولا يفهم أنَّ القول بالضعف عارض على السند، وقد يُجبر بشهرة أو باعتضادٍ بغيره أو ما نحو ذلك من مسائل صناعية لا يفهمها غير العالم وطالب العلم النبيه، وإن لم يُجْبَر فهذا لا يُسقِط الحديث إلى عن الاعتبار في مقام الاستتنباط، لا مطلقًا. فافهم.

بعد فراغهم من التشكيك العنيف والشرس في الأحاديث الشريفة، قذفوا بالناس في بحر القرآن الكريم وقد أمسى معزولًا عن عِدْلِهِ!!

كيف يفهمون الكتاب العزيز؟ أمَّا المفسرون من العلماء الأعلام فيعتمدون، بل يرتكزون على الأحاديث الشريفة ولو بنحو البناء التفسيري، وبذلك فَهُم لا يروقون لتيارات المثقفين.

ما العمل؟

هناك من تصدَّى متجاسرًا متطفِّلًا فطرح نفسه مُفسِّرًا عصريًا لكتاب الله جلَّ في علاه، وأخذ يخيط ويبيط بما ينتشي له جيل العصر.. فكان هو الخيار لهم!

رابعًا: الضرب في العلماء:

كِبَارُ القَومِ صَمَّامُ أمان المجتمع، وهذا أيضًا من القوانين المجتمعية المعروفة جدًّا والمسلَّم بها جدًّا، لذا فإنَّ إبعادهم أو جرحهم يعني الدخول بالناس في متاهات لا آخر لها..

المشكلة ليست في إبعاد وإقصاء العلماء وتشويه صورهم، بل هي في تقديم هذا الخُبث في عناوين الوعي والتخلص من قيود الكهنوتية!!

الآن..

مجتمع يرى التشكيكَ وعدمَ الثباتِ فضيلةً ووعيًا وفهمًا.. مجتمع اختلط عنده الحابل بالنابل تحت مسميات الوعي والفهم.. مجتمع تُضَعَّفُ فيه المباني القانونية السماوية باسم الفهم والوعي.. مجتمع بلا كبير، بل الكبير فيه مطعون..

عندما وصلوا بالمجتمعات في أوربا إلى هذه المستويات من اللا ثبات، ضُرِبَت عندهم القيم، وأصبحت المثليةُ والشذوذُ والألحادُ وألوان الانحرافات حريَّاتٍ مُقدَّسة يحرم المساس بها..!!

نحن لسنا هكذا، فلا نزال بخير وفي خير، إلَّا أنَّ المشوار قد بدأ، والشيطانُ يتحرَّكُ رَاكِبًا وراجِلًا، وما لم ننتبه إلى مواطن الخطأ بدقة وموضوعية فلا أدري إلى أيِّ مدى قد ينالنا الفساد..

القضية ليست في هجمة ضدَّ الحجاب، بل هي هجمة شرسة خبيثة ضدَّ الثوابت والقيم، ومن بعدها يُسْتَصْغَرُ الحِجَابُ ويناقشون بكل وقاحة في حرمة الخمر بعد أن ركبوا جملَ الجرأةِ مستخفين بزيارة المشاهد المقدَّسة والبكاء على مصائب أهل البيت (عليهم السلام)..

ربَّما ينجح وقوف بعض طلبة العلم الأجلاء في وجه ما يُثار ضدَّ الحجاب، إلَّا أنَّه لن يكون أكثرَ من دفعٍ للسرطان من جهة ليتورَّم في جهة أخرى..

ليتنا نتأمَّل قليلًا..

 

السيد محمَّد العلوي

29 شوَّال 1441 للهجرة

البحرين المحروسة   

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *