الرئيسية / مقالات / إذا قال الإمام (عليه السلام) لليل أنَّه نهار، وللنهار أنَّه ليل (تعقيب على مناقشةٍ لسماحة الشيخ محمَّد القمر (دامت تأييداته)

إذا قال الإمام (عليه السلام) لليل أنَّه نهار، وللنهار أنَّه ليل (تعقيب على مناقشةٍ لسماحة الشيخ محمَّد القمر (دامت تأييداته)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمَّد وآله الطاهرين

تعرَّض[1] سماحةُ الفاضلُ الشيخُ أبو أحمد محمَّد ابن الشيخ ميرزا القمر البحراني (دامت توفيقاته) لمناقشة ما قرَّره عن بعضٍ توهمًا إذ فهموا جوازَ مخالفة المعصوم (عليه السلام) للبديهيات، وهو ما ظهر له عند وقوفه على حديث ورد في مختصر بصائر الدرجات، قال:

حدَّثنا أحمدُ بن محمَّد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد ومحمد بن خالد البرقي، عن عبد الله بن جندب، عن سفيان بن السمط، قال: قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام): جُعلتُ فداكَ، يأتينا الرجلُ من قِبَلِكُم يُعْرَفُ بالكذب، فَيُحَدِّث بالحديث فَنَسْتَبشعه.

فقال أبو عبد الله (عليه السلام): يقولُ لَكَ إنِّى قُلتُ الليلَ أنَّه نهارٌ والنهارَ أنَّه ليل؟!

قلتُ: لا!

قال: فإنْ قال لك هذا إني قلتُه فَلَا تُكَذِّب بِهِ؛ فإنَّك إنَّمَا تُكَذِّبُني”[2].

قال سماحة الشيخ القمر (سلَّمه الله في الدارين): “استوقفني خبر سفيان بن السمط الآتي المنفرد بنقله كتاب مختصر بصائر الدرجات…

وفيه أن الإمام المعصوم عليه السلام ممكن أن يتكلم بما يخالف الوجدان – والعياذ بالله – أعني ممكن أن يقول للنهار أنه الليل (بتعريف لفظة ليل) وعلى سامع هذا الحديث من ناقل يعرف بالكذب أن لا يكذبه بل يحرم عليه تكذيبه وإذا كذبه يكون مكذبا للإمام المعصوم عليه السلام!!!

فكيف القرآن سمَّى الأئمة الأطهار عليهم السلام بالصادقين، ويحتاجون أن يقولوا للنهار – الذي يراه المخاطب – أنه هو الليل (بتعريف لفظة ليل)!!!

فيه إغراء بالاعتماد في دين الله عز وجل بالأخذ ممن عرف بالكذب!!!

فيه إغراء بالاعتماد على الكذب؛ وذلك إذا كثر نقل الحديث الكذب بحجة عدم جواز تكذيبه لأنه نسب إلى الإمام المعصوم عليه السلام؛ وإذا استفاض الحديث حصل الاطمئنان به وجاز – وقد يجب – العمل به!!!”

وقد رجَّحَ سماحةُ الشيخ القمر (حفظه الله تعالى) أنَّ تنكير النهار والليل في قوله (عليه السلام): “يقولُ لَكَ إنِّى قُلتُ الليلَ أنَّه نهارٌ والنهارَ أنَّه ليل؟!” مُجَوِّزٌ للانصراف لمعنيين مجازيين، فقال: “يريد (يقصد الإمام عليه السلام) أن يتكلم بكلام مرموز، وفيه معنى صحيح.

فمثلاً: هذا النهار المحسوس المعهود لهذا اليوم (اتفق أنه يوم العاشر من المحرم)؛ هو ليل وظلام كظلمة الليل وفيه حزن عظيم لوقوع أكبر جريمة على أهل البيت عليهم السلام.

وهذا الليل المحسوس المعهود (اتفق ليلة عيد الغدير)؛ هو نهار لضيائه بنور ولاية أمير المؤمنين عليه السلام”.

يرجعُ توجيهُ سماحة الشيخ القمر (دامت توفيقاته) إلى قياس المورد على كبرى مُقرَّرة؛ مُفادها عدم مخالفة المعصوم (عليه السلام)، لا في قول ولا في فعل ولا في تقرير، للبديهيات والضرورات، وبالتالي فإنَّ المخالفة إن كانت صريحة وغير قابلة للتأويل رُدَّت الرواية. ولم يجد سماحة الشيخ في الرواية ما يدعو للتأويل؛ إذ أن تنكير النهار والليل كاف في الحمل على التجوز.

نقول:

تنقيحُ مُقدمات الكُبرى:

أوَّلًا: الضرورات:

الكلام في الضرورات التكوينية، وهي القوانين الداخلة في قِوام هذا الوجود، وعمادها الأوَّلي الأصيل استحالة اجتماع أو ارتفاع النقيضين، وكلُّ استحالة تكوينية ترجع إلى هذا الأصل الأوَّلي الأصيل.

نقف في بعض الروايات الشريفة على ما يفيد هذا الأصل، منها ما رواه التوحيد، قال: حدَّثنا محمَّد بن علي ماجيلويه (رحمه الله)، عن عمِّه محمَّد بن أبي القاسم، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبي أيوب المدني، عن محمَّد بن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام): هل يقدر ربُّكَ أنْ يُدخِلَ الدُنيا في بيضةٍ مِنْ غَيرِ أنْ يُصَغِّرَ الدُنيا أو يُكَبِّرَ البيضةَ؟

قال (عليه السلام): إنَّ الله تبارك وتعالى لا يُنْسَبُ إلى العجز، والذي سألتني لا يكون”[3].

الوجه في ذلك أنَّ دخول شيءٍ في شيءٍ هو احتواء المدخول فيه للداخل، وعلى فرض دخول الكبير في الصغير دون أن يكبر الصغير ولا يصغر الكبير يكون الصغير حاويًا للكبير، وهو في الواقع لا يزال أصغر من الكبير، فيجتمع النقيضان وهو محال.

فقول الإمام (عليه السلام): “والذي سألتني لا يكون” فلأنَّ السائل يسأل عن عدم.

هذا وقد ذهب الإمام الصادق (عليه السلام) إلى إجابة أخرى على نفس السؤال. قال في الكافي: عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْخَفَّافِ أَوْ عَنْ أَبِيه عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: “إِنَّ عَبْدَ اللَّه الدَّيَصَانِيَّ سَأَلَ هِشَامَ بْنَ الْحَكَمِ فَقَالَ لَه:

ألَكَ رَبٌّ؟

فَقَالَ: بَلَى.

قَالَ: أقَادِرٌ هُوَ؟

قَالَ: نَعَمْ قَادِرٌ قَاهِرٌ.

قَالَ: يَقْدِرُ أَنْ يُدْخِلَ الدُّنْيَا كُلَّهَا الْبَيْضَةَ، لَا تَكْبُرُ الْبَيْضَةُ ولَا تَصْغُرُ الدُّنْيَا؟

قَالَ هِشَامٌ: النَّظِرَةَ.

فَقَالَ لَه: قَدْ أَنْظَرْتُكَ حَوْلاً.

ثُمَّ خَرَجَ عَنْه فَرَكِبَ هِشَامٌ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّه (عليه السلام) فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْه، فَأَذِنَ لَه. فَقَالَ لَه: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّه، أَتَانِي عَبْدُ اللَّه الدَّيَصَانِيُّ بِمَسْأَلَةٍ لَيْسَ الْمُعَوَّلُ فِيهَا إِلَّا عَلَى اللَّه وعَلَيْكَ.

فَقَالَ لَه أَبُو عَبْدِ اللَّه (عليه السلام): عَمَّا ذَا سَأَلَكَ؟

فَقَالَ: قَالَ لِي: كَيْتَ وكَيْتَ.

فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّه (عليه السلام): يَا هِشَامُ، كَمْ حَوَاسُّكَ؟

قَالَ خَمْسٌ.

قَالَ (عليه السلام): أَيُّهَا أَصْغَرُ؟

قَالَ: النَّاظِرُ.

قَالَ (عليه السلام): وكَمْ قَدْرُ النَّاظِرِ؟

قَالَ: مِثْلُ الْعَدَسَةِ أَوْ أَقَلُّ مِنْهَا.

فَقَالَ لَه (عليه السلام): يَا هِشَامُ، فَانْظُرْ أَمَامَكَ وفَوْقَكَ وأَخْبِرْنِي بِمَا تَرَى.

فَقَالَ: أَرَى سَمَاءً وأَرْضًا ودُورًا وقُصُورًا وبَرَارِيَ وجِبَالاً وأَنْهَارًا.

فَقَالَ لَه أَبُو عَبْدِ اللَّه (عليه السلام): إِنَّ الَّذِي قَدَرَ أَنْ يُدْخِلَ الَّذِي تَرَاه الْعَدَسَةَ أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا قَادِرٌ أَنْ يُدْخِلَ الدُّنْيَا كُلَّهَا الْبَيْضَةَ، لَا تَصْغَرُ الدُّنْيَا ولَا تَكْبُرُ الْبَيْضَةُ.

فَأَكَبَّ هِشَامٌ عَلَيْه وقَبَّلَ يَدَيْه ورَأْسَه ورِجْلَيْه وقَالَ حَسْبِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّه..”[4].

“هذه مجادلة بالتي هي أحسن وجواب جدلي مُسْكِتٌ يناسبُ فهمَ السائِلِ. والجواب البرهاني أن يقال: إنَّ عَدَمَ تَعَلُّقِ قُدْرَتِهِ تعالى على ذلك ليس من نقصان في قدرته تعالى ولا القصور في عمومها وشمولها كل شيء، بل إنَّما ذاك من نقصان المفروض وامتناعه الذاتي وبطلانه الصرف وعدم حظه من الشيئية”[5].، فلا يخفى أنَّ “ما يعقل ويتصوّر من إدخال الدنيا في بيضة وأقلّ منها من غير كبر ولا صغر إنّما هو بحسب الوجود الانطباعي الارتسامي، والله سبحانه قادر عليه، كما نشاهده من إدخال نصف كرة العالم تقريبًا في إنسان العين الذي هو مقدار العدسة أو أصغر، وأمّا بحسب الوجود العيني فليس ذلك شيئًا”[6]أي: عدم، والعدم لا يُسألُ عنه.

لا شكَّ ولا كلام أصلًا في أنَّ الإمام (عليه السلام) لا يُخالف في شيء من قوله مثلَ هذه الضرورات، فلا يقول ما يقتضي اجتماع نقيضين أو ارتفاعهما مثل: لا وجود ولا لا وجود، أو وجود ولا وجود، لنفس الشيء في نفس الوقت والمكان والجهة.. ولا يرجع الأمر إلى قدرة أو عدم قدرة، بل إلى أنَّ المخالفةَ لغوٌ وعبثيةٌ في غاية الجهل؛ إذ أنَّ الله تعالى هو واضع هذه القوانين الأصيلة، وقِوامُ الوجود عليها. فافهم.

وكذا في الضرورات الدينية؛ حيث قِوام الدين بها، ومخالفتها من نفس المعصوم (عليه السلام) ناقض من رأس للغرض من وجوده إمامًا معصومًا مفترض الطاعة. نعم، لا بدَّ من التريث والتماس التأويل ما أمكن. إنَّما الكلام في المخالفة الحقيقية. فلا تغفل.

ثانيًا: البديهيات:

البديهي “ما لا يحتاج في تصوره أو التصديق به إلى اكتسابٍ ونظر؛ كتصور مفهوم الشيء والوحدة ونحوهما، وكالتصديق بأنَّ الكلَّ أعظمُ من جُزئِهِ، وأنَّ الأربعةَ زَوجٌ”[7].

أمَّا النظر فبيانه “أن الإنسان إذا واجه بعقله المشكل (المجهول) وعرف أنه من أي أنواع المجهولات هو، فزع عقله إلى المعلومات الحاضرة عنده المناسبة لنوع المشكل، وعندئذ يبحث فيها ويتردد بينها بتوجيه النظر إليها، ويسعى إلى تنظيمها في الذهن حتى يؤلف المعلومات التي تصلح لحل المشكل، فإذا استطاع ذلك ووجد ما يؤلفه لتحصيل غرضه تحرك عقله حينئذ منها إلى المطلوب، أعني: معرفة المجهول وحل المشكل.

فتمر على العقل – إذا – بهذا التحليل خمسة أدوار:

  • مواجهة المشكل (المجهول).
  • معرفة نوع المشكل، فقد يواجه المشكل ولا يعرف نوعه.
  • حركة العقل من المشكل إلى المعلومات المخزونة عنده.
  • حركة العقل – ثانيا – بين المعلومات للفحص عنها وتأليف ما يناسب المشكل ويصلح لحله.
  • حركة العقل – ثالثا – من المعلوم الذي استطاع تأليفه مما عنده إلى المطلوب.

وهذه الأدوار الثلاثة الأخيرة – أو الحركات الثلاث – هي الفكر أو النظر، وهذا معنى حركة العقل بين المعلوم والمجهول”[8].

لا يحتاج المرء في إطلاق الليل على ما بعد مغيب الشمس إلى مواجهة المشكل وتحديد نوعه، بل هو ينتقل مباشرة إلى المعلومات المخزونة عنده فيعرف بأنَّه الليل، وهذا الاستغناء مُحقِّقٌ لبداهة كون الليل ليلًا عند الملتفت.

لا يُخالِفُ المعصوم (عليه السلام) البديهيات؛ والوجه في ذلك أنَّ مخالفتها ناقضة لكونها بديهية، والحال أنَّ الفرض بداهتها. وقد “أنهوا البديهيات إلى ستَّة أقسام:

  • المحسوسات. 2- المتواترات. 3- التجربات. 4- الفطريات. 5- الوجدانيات. 6-الأوليات”[9].

يُفهَمُ ممَّا مرَّ أنَّ الإمام المعصوم (عليه السلام) لا يقول ما يخالف الضرورات والبديهيات وما في حكمها من جهة قِوام الشيء وما به يكون الشيءُ شيئًا.

حكم الرد للاستيحاش أو الاستبشاع أو الاشمئزاز أو ما في حكم ذلك:

استفاضت الأحاديث في عدم مشروعية ردِّ الأحاديث الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) وإقصائها لعدم موافقتها الحالات النفسية والثقافية الخاصة للشخص أو المجتمع، وسوف ذكر عن قريب بعضها إن شاء الله تعالى.

الحاصل في زماننا (انالنا الله سبحانه خيراته وكفنا شروره) كثرة الاعتراضات على الأحاديث الشريفة بسبب عدم موافقتها للتعَقُّلات الناشئة عن ثقافاتٍ واستحساناتٍ واستذواقاتٍ غير صحيحة. لذا، تكثر اليوم كلمات مثل: هذا لا يناسب الإمام المعصوم (عليه السلام)، وهذا لا يُتصور صدوره من المعصوم (عليه السلام)، وهذا لا يوافق شأن المعصوم (عليه السلام)!

ولو دقَّقنا النظر قليلًا في معايير مثل هذه الإطلاقات لوجدناها ترجع إلى أبعاد ثقافية خاصَّة صاغت استحسانات أشخاصٍ ومجتمعاتٍ، لا إلى موازين علمية رصينة.

الحديث محلِّ الكلام:

يظهر، بدوًا، أنَّ قوله (عليه السلام): “فإنْ قال لك هذا إني قلتُه (يعني: قُلتُ الليلَ أنَّه نهارٌ والنهارَ أنَّه ليل) فَلَا تُكَذِّب بِهِ؛ فإنَّك إنَّمَا تُكَذِّبُني” مخالفٌ لضرورة وبديهة:

الضرورة: كون الشيء هو هو، ويستحيل أن تكون الذات غير الذات؛ إذ لازم ذلك اجتماع النقيضين. هذا إذا حملنا قوله (عليه السلام): “قُلتُ الليلَ أنَّه نهارٌ والنهارَ أنَّه ليل” على نفي الشيء عن نفسه.

البديهة: كون الوقت من شروق الشمس إلى غروبها نهارًا، ومن غروبها إلى شروقها ليلًا.

وبذلك يصحُّ ذهاب سماحة الشيخ القمر (أدام الله عليه في الدارين نعمه ظاهرة وباطنة) إلى التدقيق اللغوي والانتهاء إلى حمل النكرتين (نهار وليل) على المجاز.  إلَّا أنَّنا لا نرى الاضطرار إلى ذلك.

بياننا:

سأل سُفيان بن السمط الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: “جُعلتُ فداكَ، يأتينا الرجلُ من قِبَلِكُم يُعْرَفُ بالكذب، فَيُحَدِّث بالحديث فَنَسْتَبشعه”.

الأقرب أنَّ السؤال عن أمرين:

الأوَّل: ثبوت صفة الكذب للآتي بالحديث.

الثاني: استبشاعهم الحديث الذي أتى به المعروف بالكذب.

والظاهر من هذه الرواية الشريفة أنَّ ثبوت صفة الكذب لمن يأتي بالحديث لا يكفي لتبرير ردِّه، ويُؤَيِّدُه ما ورد عنهم (عليهم السلام) مستفيضًا بكون الميزان في القبول والرد هو العرض على الكتاب العزيز والسُنَّة الثابتة.

جاء في المحاسن: عنه، عن أبيه، عن علي بن النعمان، عن أيوب بن الحر قال: سمعتُ أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: “كُلُّ شيءٍ مَرْدُودٌ إلى كِتَابِ اللهِ والسُنَّةِ، وكُلُّ حَديثٍ لا يوَافِقُ كِتَابَ اللهِ فَهوَ زُخْرُفٌ”[10].

وفي الكافي: محمَّد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم وغيره، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: خَطَبَ النبيُّ (صلَّى اللهُ عليه وآلِهِ) بِمِنَى فقال: “أيُّها الناسُ، ما جاءكم عنِّي يُوافِقُ كِتَابَ اللهِ فأنا قُلتُهُ، وما جاءكم يُخَالِفُ كِتَابَ اللهِ فَلمْ أقُلْهُ”[11].[12]

وكذا في عدم الكفاية كمبرِّر لردِّ الحديث استِبْشَاعُهُ، وقد جاء في بصائر الدرجات: حدَّثَنَا أحمدُ بن محمَّد، عن الحسن بن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي عبيدة الحذَّاء، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سمعتُه يقول: “أما واللهِ إنَّ أحبَّ أصحابي إليَّ أورَعُهُم وأفقَهُهُم وأكتَمُهم بحديثنا، وإنَّ أسوأهُم عندي حالًا و أمْقَتَهم إليَّ الذي إذا سمع الحديثَ يُنْسَبُ إلينا ويُرْوَى عنَّا فلم يعقله ولم يَقْبَلْهُ قَلبُهُ اشْمَأزَّ مِنْهُ وجَحَدَهُ وكَفَرَ بِمَن دَانَ بِهِ، وهو لا يدري؛ لَعَلَّ الحَديثَ مِنْ عِندنا خَرَجَ وإلَينَا سُنِدَ، فَيكُونُ بِذَلِكَ خَارجًا مِنْ وِلَايَتِنَا”[13].

وفيه: حدَّثنا محمَّد بن الحسين، عن محمَّد بن إسماعيل، عن حمزة بن بزيع، عن علي السناني، عن أبي الحسن (عليه السلام) أنَّه كَتَبَ إليه في رسالة: “ولا تَقُلْ لِمَا بَلَغَكَ عَنَّا أو نُسِبَ إلينَا: هَذَا بَاطِلٌ. وإنْ كُنْتَ تَعْرِفُهُ خِلَافه؛ فإنَّك لا تَدْرِي لِمَ قُلنَا وعَلَى أيِّ وَجْهٍ وصِفَةٍ”[14].

وأيضًا: حدَّثَنَا أحمدُ بن محمَّد، عن محمَّد بن إسماعيل، عن جعفر بن بشير، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام)، أو عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: لا تُكَذِّبُوا بِحَديثٍ أتَاكُم أحدٌ؛ فإنَّكم لا تَدرُونَ لَعَلَّهُ مِنَ الحَقِّ فَتُكَذِّبُوا اللهَ فَوقَ عَرْشِهِ”[15].

في المقام نكتة دقيقة:

إنِّ الخَبَرَ مُرِكَّبٌ دال، وليس هو نفس المُخبَرِ عنه، ولا هو نفس مُراد المنقول عنه، وليس الدالُّ محلًّا للعروض، وإنَّما يُقال بصدق أو كذب الخبر والمراد هو مطابقة أو عدم مطابقة ما أراده الُمخبر للواقع. فتأمَّل جيِّدًا.

لذا، فالحقُّ أن يُقال عند الاشمئزاز من خبر ما: لا أفهم المراد، أو لم يتَّضح لي المعنى. أو ما حكم ذلك، ثُمَّ يُترك إلى أهله، وهو ما في الكافي، قال: عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ أَبِيه، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى والْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ جَمِيعًا، عَنْ سَمَاعَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّه (عليه السلام)، قَالَ: “سَأَلْتُه عَنْ رَجُلٍ اخْتَلَفَ عَلَيْه رَجُلَانِ مِنْ أَهْلِ دِينِه فِي أَمْرٍ كِلَاهُمَا يَرْوِيه، أَحَدُهُمَا يَأْمُرُ بِأَخْذِه والآخَرُ يَنْهَاه عَنْه، كَيْفَ يَصْنَعُ.

فَقَالَ: يُرْجِئُه حَتَّى يَلْقَى مَنْ يُخْبِرُه فَهُوَ فِي سَعَةٍ حَتَّى يَلْقَاه”. وفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: “بِأَيِّهِمَا أَخَذْتَ مِنْ بَابِ التَّسْلِيمِ وَسِعَكَ”[16].

قال الفقيه البحراني (رفع الله تعالى في دار الخُلد درجاته) عندما اعترضه حديث لم تنكشف له معانيه: “وبالجملة فالمقام محل إشكال، ولا يحضرني الآن الجواب عنه، وحبس القلم عن ذلك أولى بالأدب”[17].

إذا اتَّضَحَ ذلك، فما يظهر من الحديث محل الكلام أنَّ الإمام (عليه السلام) كان في وارد نفي: 1- معيارية كون الآتي بالخبر كذَابًا. 2- معيارية استبشاع الخبر. في ردِّ الخبر.

أمَّا قوله (عليه السلام): “فإنْ قال لك هذا إني قلتُه (يعني: قُلتُ الليلَ أنَّه نهارٌ والنهارَ أنَّه ليل) فَلَا تُكَذِّب بِهِ؛ فإنَّك إنَّمَا تُكَذِّبُني”، فلا يعني التصديق بالخبر والأخذ به؛ ولا يخفى أنَّ التكذيب أخصُّ من التوقُّفِ وعدم الأخذ، وإنَّما النهي عنه، أي عن التكذيب والرد.

وقوله (عليه السلام): “فإنَّك إنَّمَا تُكَذِّبُني” فلوجوب الاحتياط، وإلَّا فلا معنى للحصر بـ(إنَّما). وبهذا نفهم الوجه في ذهاب سماحة الفاضل القمر (دامت توفيقاته) للتدقيق وتأمُّل العبارة من مختلف وجوهها.

فرضٌ:

لو كان الخبر الوارد بتعريف النهارين والليلين.

الجواب:

نقول: لازم ذلك اجتماع النقيضين، وهو محال، إلَّا أنَّنا لا نَدْرِي لِمَ قِيلَ وعَلَى أيِّ وَجْهٍ وصِفَةٍ. فنُرجِئهُ إلى أنْ نلقى الإمام (عجَّل اللهم له الفرج).

استطرادٌ موضوعي:

عندما لا يعمل الفقيه برواية لضعف في سندها من جهةِ إرسالٍ أو مجهوليةِ راوٍ أو ما شابه، أو لإعراض الفقهاء عن مضمونها، فهذا لا يعني ردَّها أو التكذيبَ بها، وغاية ما في الأمر عدم موافقتها للموازين في مقام الاستنباط عند جمهور من الفقهاء.

الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمَّدٍ وآلِه الطيبين الطاهرين.

 

السَّيد محمَّد ابن السَّيد علي العلوي

11 من المُحرَّم 1442 للهجرة

البحرين المحروسة

………………………

[1] – نشر سماحةُ الشيخ القمر (دام موفَّقًا) مناقشته بإرسالها إلكترونيًا عبر برنامج (WhatsApp)

[2] – مختصر بصائر الدرجات – حسن بن سليمان الحلي – ص 76 – 77

[3] – التوحيد – الشيخ الصدوق – ص 130

[4] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 1 – ص 79

[5] – تعليق الأستاذ علي أكبر الغفَّاري على الحديث في الكافي.

[6] – الحاشية على أصول الكافي – السيد بدر الدين بن أحمد الحسيني العاملي – ص 76

[7] – بداية الحكمة، السيد محمَّد حسين الطباطبائي، الفصل الثامن ص 148

[8] – المنطق – الشيخ محمَّد رضا المظفر – ص 24 – 25

[9] – الشيخ عبَّاس علي الزارعي السبزواري في تحقيقه لكتاب بداية الحكمة للسيد محمَّد حسين الطباطبائي ص 184

[10] – المحاسن – أحمد بن محمد بن خالد البرقي – ج 1 – ص 220 – 221

[11] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 1 – ص 69

[12] – بحثتُ مسألة العرض على الكتاب العزيز والسنة المقطوعة في كتابي: (تحرير المسائل.. رسالة في مبادئ دراية الحديث)

[13] – بصائر الدرجات – محمد بن الحسن بن فروخ (الصفار) – ص 557

[14] – بصائر الدرجات – محمد بن الحسن بن فروخ (الصفار) – ص 558

[15] – المصدر السابق

[16] – الكافي – الشيخ الكليني – ج 1 – ص 66

[17] – الحدائق الناضرة – المحقق البحراني – ج ٢٥ – الصفحة ١٤٨

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *